الأمن.. والأمن الثقافي

كل العالم يصرخ اليوم (نريد الأمن)، حتى أصبحت هذه الصرخة صرخة العصر، أو الصبغة الجديدة لحقوق الإنسان.. صرخة تتصاعد كما لم تتصاعد في أي عصر مضى.

في (مجلس الأمن) يحدثونك كل يوم عن الأمن.. دعك من هذا لأن الأمن هناك شيء آخر.. إنه كومة من الشياطين تمثلها القوى الكبرى تأتلف مع بعضها لتكون بالتناوب مقبرة تدفن فيها جرائمها وآثامها ضد الإنسانية، تكبح بل تخنق صرخات المعذبين في الأرض لتمنح الشرعية لجرائمها.. ‏
يحدثونك عن الأمن.. مثل الأمن العالمي وأمن المحيط الهندي وأمن أوروبا بل وأمن إسرائيل ثم ينتقلون إلى أنواع أخرى من الأمن مثل: الأمن الغذائي والنفسي والقومي والصحي الخ.. ‏
لكن هل حدثوك ولو مرة واحدة عن (الأمن الثقافي)؟ عن حفظ الهوية الحضارية للإنسان. قال (كليمنصو) وزير الخارجية الفرنسية منذ أكثر من تسعين عاماً: (بعد الآن ستكون نقطة النفط لدى الأمم والشعوب بثمن نقطة الدم) وبالمقابل فإن الانفجار السكاني وزحف الصحراء وتزايد الجوع الخ.. جعل القلق (الأمني) ينصب دائماً على (المادة) على جانب الجسد من الإنسان، مع أن الحكمة الإنجيلية لا تزال تحتفظ بقيمتها ومصداقيتها: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) ومن جهة أخرى فإن «خبراءنا» الفنيين في ركضهم وراء الشعارات العالمية الفضفاضة وقضايا التلوث والبيئة والطاقة يذكرون- كما يبدو- كل شيء إلا أنفسهم فيتبنون آلام الآخرين والمشكلات والهموم الكبرى لأهل الدنيا وينسون هموم الذات والأهل وتصدع البيت بيتهم وبيت عشيرتهم الأقربين (لا تنظرن إليّ لكوني سوداء لأن الشمس قد لوحتني.. بنو أمي غضبوا علي جعلوني ناطورة الكروم أما كرمي فلم أنطره) (نشيد الأنشاد الكتاب المقدس 6:1) ‏
والسؤال الذي يرد هنا قد جاء في محكم التنزيل: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم). ‏
إن القضية لا تتعلق بالعدوان على الأرض والمادة والجسد، ولا بالآلام والأخطار البشرية العامة، ولكنها تتصل بصميم الذات الإنسانية عامة والعربية بوجه خاص. ‏
العرب في هذا العصر هم أكثر أمم الأرض تعرضاً للعدوان يجب أن نعترف أن شيئاً خاصاً يتحطم في أعماقنا في نسيجنا الفكري التكويني وأننا نسلب بالتدريج وعلى الصمت الهيكل الثقافي الذي تقوم عليه الذات العربية.. نحن ننسحق حتى العظم بين فكي آلة ماحقة تمسح الوجود الثقافي العربي بالتدريج وفي تصميم ودأب عدوانيين وتحرق النبتة المبدعة فيه. ‏
لا شك أن جهوداً ثقافية تنمو في ربوع الوطن العربي.. في ازدياد الجامعات والمؤسسات العلمية وقوافل الشعراء والكتاب والمترجمين ودور النشر التي تغص بالكتب.. وإذاعات ومحطات تلفزيونية تصدح آناء الليل وأطراف النهار (كل شيء على ما يرام يا سيدتي المركيزة) كما تقول الأغنية الفرنسية الشهيرة لكن هل هذه الحركة الثقافية بحجم ثلائمته مليون انسان في هذا الوطن؟.. بحجم طموحاتهم؟ من يقرأ صحفنا ويسمع كلام المسؤولين والوزراء الحكوميين عن (كياننا الثقافي) يكتشف بأننا مع الأسف نصرّ على العيش في وهم الجعجعة ولا طحن. ‏
لقد أردت الإشارة لذلك لأنه الثغرة التي ينفذ منها اليوم الخراب الذي يمنعنا من الصمود وغرس الأقدام في الأرض، في عصر يكتسح كالطوفان كل شيء. ‏
في شتاء سنة 1962 وفي القاهرة قال شوان لاي يشكو الصلف الغربي (رغم كل عصور الحضارة) التي يحملها تاريخنا ورغم كل ما أسديناه للجنس البشري، لم ينلنا من الغرب سوى الإذلال. ‏
ألم يكن ذلك الصيني الكبير ينطق باسم العرب وباسم الهند؟ ‏
المشكلة اليوم في عدوانية (مختلفة) للعرب.. إنه غول الثقافة ‏
إنهم (يغربنون) العالم يركعونه ونحن معه يحولونه عبيداً وخدماً بألف وسيلة: بالتفريغ السياسي بإثارة التمزقات الدينية باستغلال الجروح التاريخية بتشويه القيم بتدمير الروح ونشر الضياع (الغاية تبرر الوسيلة) كذلك قال ممثلهم السياسي الأكبر: ميكافيلي. ‏
إنهم الآن لا يسلبون الثروات المادية كما في الأيام الاستعمارية البائدة ولكنهم يدمرون القوى الفكرية والثقافية والروحية التي يمكن أن تقول ذات يوم: لا للغاصبين ‏
فالعلاقة الشديدة التشابك بين البنى الاقتصادية والثقافية في هذا العصر، تجعل الاجتياح الثقافي جزءاً أساسياً من عجلة السيطرة العالمية فمع البضائع نفسها تدخل الأفكار التي تمهد لها وكذلك ومع الانترنت والفيسبوك الخ فيصوغون للناس قيماً جديدة. ‏
أخيراً: الفكر هو سلاحنا وإن قتل الفكر جريمة أشد من قتل الجسد لأنه يرد الإنسان إلى كائن حيواني دون هوية، ويجعل قياده نهباً لكل تسلط. ‏
إن الأيام ستكشف وأرجو أن أكون مخطئة بأن ما يحدث هو (فوعة) وليست بناء حضارياً متكاملاً (فوعة) ليست من صنع بلادنا، يريد – من حركتها- أن تتقولب هذه الجموع الهادرة كعلب (الكونسروة) الخارجة من معمل واحد.. نسخاً مكررة من أهواء وإرادات من صنعهم وفبركتهم.. ‏

إضافة تعليق

1 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.