وظيفة الرواية

تسعى الرواية عبر تاريخها الطويل، ومن خلال أعمدتها ورموزها إلى أن تقدم إلى القارئ تفاصيل ودقائق حياة الإنسان،.
وهي بذلك تقدم تجارب الحياة لقارئها، ولذلك، فإن قارئ الرواية يختلف عن غيره من قرّاء الأجناس الأخرى من الأدب مثل الشعر، والقصة القصيرة، والمسرح، والفلسفة، والفكر، وكتب الاجتماع والنقد.
تحاول الرواية أن تلم بكل ألوان الفنون والآداب، وهي تتمتع بسعة صدر لتوظيف كل الأفكار من خلال مسارها الروائي، ولذلك يمكن أن نقرأ في الرواية أمثال الشعوب، ونقرأ شيئاً من التاريخ، كما الأمر بالنسبة لروايات ماركيز، وإيزابيل الليندي، ونقرأ الشعر، ونقرأ التحليل النفسي كما الأمر بالنسبة لروايات تولستوي، ودستويفسكي.
تحاول الرواية أن تضيء لقارئها جوانب مبهمة من الحياة ومن السلوك الإنساني.
بناء الرواية
عندما نقول /رواية/ فهذا يعني بأننا أمام /حكاية/ نتخذ منها عبرة لأن أي رواية في العالم تحمل في جوهرها رسالة، حتى تلك القصص التي ترويها الجدات لأحفادهن، فإنها تحمل مغزى وعبرة وغاية.

هذا أمر مهم بالنسبة لتقويم أي عمل روائي، بيد أنه لايكفي، إذ لابد من لغة بيانية معبرة، ولابد من حبكة، ولابد من فنية، ولابد من تقنيات سردية جمالية حتى تتجمّل، وتتزيّن بها تلك الفكرة وتتشكل لبنة لبنة في درجات معمارية العمل الروائي، ثم تتقدم إلى أفئدة المتلقي بحلتها الجمالية على طبق من ذهب القص.
إن أي رواية جديدة عليها أن تشرق على العالم كعروس جديدة ليلة دخلتها، تمتلك آمالاً وأحلاماً وأمنيات، ومقومات حياتية جديدة حتى تستطيع أن تجد لها منزلاً، وتؤسس لعلاقات اجتماعية وإنسانية رحبة.
إن الرواية الجيدة هي تلك الرواية التي تُكتب بحبر ذهب القَص.
غِنـى الروايـة
تداخلت الأجناس الأدبية فيما بينها، وهذا لايشكّل شتاتاً بالنسبة للروائي الماهر على قدر ما يقدم غنى وعمقاً لأدوات القص التي يمتلكها، ولكن في الوقت عينه يشكّل هذا التداخل شتاتاً بالنسبة للروائي الذي هو في درجة دنيا من مهارة القص، إذ تتداخل عليه المعطيات، فينتج رواية ركيكة سريعة تحت مسميات شتى ما يجعله يقف في درجات متأخرة بين زملائه الروائيين. ولايحظى نتاجه الروائي بإقبال من القرّاء. 
لقد تقدمت وتطورت الرواية، ما فتح أمامها آفاقاً رحبة كي تستفيد من المسرح، ومن الشعر، ومن القصة القصيرة، ومن السيرة الذاتية، ومن المذكرات، ومن الموسيقا، و من تقنيات السينما، وهذا ما جعلها تزداد قيمة وغنى وجمالاً وفنية، وتالياً جعلها تزداد رسوخاً في الثبات وهي تؤدي وظيفتها بين أخواتها من الأجناس الأدبية الأخرى.
ما هو مهم في هذا التلاقح بين الأجناس الأدبية بالنسبة للرواية، هو أنك عندما تقرأ رواية جيدة، تشعر حقيقة بأنك قرأت رواية جيدة، وعندما تقرأ رواية رديئة، ينتابك إحساس ذوقي بأنك قرأت رواية رديئة.
ذلك بأن الرواية الجيدة تنجح في إيجاد مكان خاص لها في نفسك بعد أن تكون قد أذاقتك عسيلتها منذ القراءة الأولى.
متعة قراءة الرواية
عندما تحظى بقراءة رواية جيدة، تشعر بأنك قرأت رواية جيدة، استمتعت بجماليتها حتى وأنت تنظر إلى ثوبها وحذائها، وعقد اللؤلؤ الذي يزيّن صدرها، وبريق الأساور في معصميها، وحلق الجواهر في أذنيها، تستنشق عذوبة طيب ريحها ،وأنت تخلع عنها ثوب الزفاف لأنها عروس ذوقك الأدبي.
تجوب أنظارك بين السطور سطراً سطراً، بين حدائق الكلمات حديقة حديقة، بين أشجار علامات الترقيم علامة علامة.
إنها تستطيع أن تدخلك إلى عالمها الكرنفالي الحافل ولو لمدة لاتتجاوز بضع دقائق من الزمن. والأهم من ذلك هو أنك بين حين وحين تحنّ إلى عسيلتها، تحن إلى تلك الأجواء الذوقية الذهبية، فتؤوب إلى رحابة ذاك العالم السحري وأنت تمسك بها ككنز ثمين، وكلك توق للولوج إلى تلك الرحاب المباركة، فتدرك حينها أن ما بين يديك هو شيء يمس الأدب الخالد. 
عندما نقرأ قصة قصيرة، فإننا نشعر بأننا تعرفنا على فكرة، أو على منظر، أو على لقطة ذكية، أو على موقف. وعندما نقرأ قصيدة نشعر بأننا عرفنا شيئاً من دفق حميمية المشاعر الإنسانية، وعندما نقرأ مسرحاً نشعر بأننا عرفنا شيئاً من طبيعة العلاقات الإنسانية المتداخلة، وعندما نقرأ الفكر، نشعر بأننا عرفنا بعض وجهات النظر الجديدة، وعندما نقرأ الفلسفة، نشعر بأننا عرفنا شيئأً جديداً من تأويل التراث الفكري البشري. ولكننا عندما نقرأ الرواية، نشعر بأننا تذوّقنا كل هذه المعارف وأشكال وألوان الآداب والفنون، نشعر بأننا ندخل إلى بلاد جديدة لم ندخلها من قبل، ولذلك، فإن قراءة كل رواية هي بمنزلة دخول بلد جديد، بمنزلة التعرف إلى شعب جديد لم نعرفه من قبل، هي بمثابة اكتشاف شعرية جديدة لم نلتفت إليها من قبل، بمنزلة واقع لم يثر انتباهنا من قبل.
مع قراءة الرواية نشعر بأننا نقرأ، ونتعلم، ونسمع الموسيقا، نتذوّق عسيلة إيقاع الكلمات، نشاهد المدن والهضاب، والطرقات المزدحمة بالناس، نتذوّق طعم ولون الجمال، ندخل غرف النوم المخملية. الرواية الجيدة هي تلك التي تستطيع أن تحقق لقارئها كل هذه الميزات، وإن لم تتمكن من ذلك، فإنها تكون رواية أقل من مرتبة الجيدة.
الخاتمـة
تاريخ الرواية غني بأسماء كبار صنّاعها ومؤسسيها ومبدعيها، وكل روائي ترك بصمة على الفن الروائي، وأرّخ لمرحلة جديدة من الرواية. وقد حظيت بأعلى نسب من تحقيق الجوائز، ومناسبات الاحتفاء بها، كما أنها قدّمت إلى العالم جواهر الفن السينمائي، وفيما بعد التلفزيوني. وحققت نسباً عالية في الحصول على جائزة نوبل للآداب، وهي تحقق أعلى النسب في المبيعات في معارض الكتب التي تقام في شتى أنحاء العالم. حققت الرواية حضوراً ذهبياً بين زميلاتها الأجناس الأدبية الأخرى، فكانت الكتاب الأكثر إقبالاً عليه الذي يستأنس به القارئ ويتزوّد به من ألوان المعارف والمشاعر الإنسانية.

إضافة تعليق