المكتوبجي... (شرطي الفكر)..

عندما يطالع القارئ منا كلمة (المكتوبجي) ربما يتجه ذهنه إلى أن معناها- الكلام الذي يكتب - أو الشخص الذي يكتب- المراسيل خاصة- لكن وفي حقيقة الأمر لم تكن هذه الكلمة تعني أو تطلق في القرن التاسع عشر إلا على الشخص الذي كان يراقب المطبوعات.

وكان المفكرون والحالمون بالحرية الأدبية والفكرية قد أطلقوا على هذا الشخص اسم (شرطي الفكر) وهذه التسمية أوقعته في الكثير من النوادر والقصص الغريبة التي ابتلي بها رغماً عنه.‏

يبدو أن العرب كانوا قبل مئة سنة يعانون من ظاهرة استبدادية مؤلمة.. ! إنها الظاهرة المعروفة باسم (مقص رقيب المطبوعات) أو بالأحرى وكما تطلبت اللغة الرسمية للسلطنة العثمانية الحاكمة آنذاك في معظم الأقطار العربية (المكتوبجي).‏

ويبدو أيضاً أن لهذه الكلمة أو لكلمة (شرطي الفكر) من المواقف العجيبة ما اعتبر مادة دسمة ومسلية- دوّنها الكتّاب من خلال وصفهم لبعض المواقف والقصص التي ابتليوا بها أو سمعوا عنها.‏

ها هو الكاتب الدمشقي (سليم سركيس) يؤلف عنها كتاباً كاملاً أصدره عام 1896- وكان عنوانه (غرائب المكتوبجي) ومما ورد في هذا الكتاب: «لا يجوز لمحرر الجريدة أن يطلق كلمة (جمهور) في كتاباته، بل عليه أن يكتب بدلاً منها كلمة (الشعب) أو (القوم).. وذلك خوفاً من أن تنشغل عقول الناس وتتأثر أفكارهم بالجمهورية فتميل إليها».‏

كان الأخطر من ذلك.. أنه من (فرمانات المكتوبجي) أي أوامره المخيفة التي كان يوجهها للكتّاب والصحفيين خطر استعمال كلمة (جلالة)، فهي كلمة تطلق حصرياً على السلطان العثماني المقيم في قصره بالآستانة (استانبول).‏

فإذا قال الصحفي مثلاً جلالة إمبراطور روسيا فإن مقص الرقيب سرعان ما يحذفها.‏

أما الأعجب من كل هذا فهو أن مقص الرقيب تجاوز حدود الكلمة المطبوعة فوصل إلى ألسنة المطربين فعندما زار السلطان (عبد الحميد) مصر وأراد خديوي مصر تكريمه بجلسة طرب يحييها المطرب الشهير (عبده الحامولي) سئل الحامولي ماذا ستغني؟ فقال: سأغني:‏

غاب عن عيني مرادي‏

وانهمل دمعي صبيب‏

لكن «المكتوبجي» أمره أن يحذف كلمة (مرادي) ويضع مكانها كلمة (حبيبي).. فالسلطان تزعجه كلمة (مرادي) حيث تذكره بأنه تولى السلطة إثر عزل شقيقه (مراد) الذي لم يهنأ بالجلوس على كرسي الحكم سوى ثلاثة أشهر سجن بعدها داخل قصره في اسطنبول إلى أن مات.‏

ومن القصص الطريفة أيضاً أنه عندما نشرت جريدة (الأحوال البيروتية) خبر قدوم الوجيه البقاعي (إلياس باشا) من زحلة إلى بيروت تدخل (المكتوبجي) فغير الاسم إلى (إلياس الباشة) وذلك خوفاً أن يظن الناس أنه يحمل رتبة الباشوية الخاصة بالسلطان.‏

وإذا رجعنا إلى صحف تلك الأيام نجد في (جريدة المؤيد) مثلاً وبتاريخ 11/2/1900 مقالاً يثير قلوبنا الشفقة على ما كان الصحفيون والقراء يعانونه من استبداد (المكتوبجي) فقد كان المقال بعنوان (المطبوعات في دار الخلافة) وخلاصته أن الجرائد تئن أنين الداء العضال بعلة الرقيب وتسلطه العجيب الغريب.‏

لقد طال هذا الأنين بأوجاعه حتى أمير الشعراء (أحمد شوقي) الذي شكر الله تعالى على ترحيل (المكتوبجي) فقال:‏

لنا رقيب كان ما أثقله‏

الحمد لله الذي رحّله‏

لو دام للصحف ودامت له‏

لم تنج منه الصحف المنزلة‏

إذا رأى الباطل غالى به‏

وإن بدا الحق له أبطله‏

ويتابع الأديب العربي الكبير (إبراهيم المويلحي) حديثه عن الحق الذي يبطله (شرطي الفكر) في مقالة منشورة بجريدة (المقطم) قبل أكثر من مئة سنة: إن عالماً أرمنياً ألف قاموساً بالتركية والأرمنية وعرض الكتاب على الحكومة ابتغاء الإذن بطبعه لكن رجالها عندما وجدوا في القاموس كلمة-سيف- أمروا بمحوها وقالوا: لا يجوز في قاموس أرمني وجود كلمة (سيف).‏

وابراهيم المويحلي- الذي عاش عشر سنوات في قصر السلطان بالآستانة- بوصفه واحداً من رجال البلاط المقربين يخبرنا أن القارئ منهم يكتب تقريراً على أي كلمة لا تعجبه ويبني عليها خراب الدولة فتصدر الأوامر بجمع الكتاب من الأقطار لإحراقه.‏

ومن الطريف أن الكتاب نفسه- والذي يستنكر عملية (الاحراق) هذه- راح هو وكتابه ضحية (المكتوبجي) يقول حفيده في مقالة نشرها بمجلة الرسالة (نيسان 1983):‏

«ولما كان ابراهيم بك شغوفاً بالتحرير أخذ ينشر في (المقطم) من وقت لآخر مقالته الانتقادية فيما رآه في الأستانة مدة إقامته فيها وكان عنوان ما يكتب: (ما هنالك؟) جمعها وطبعها في كتاب عام (1896)

وعندما سمع السلطان بعث يأمر (ابراهيم) بإرسال جميع النسخ إلى قصره ليحرقها فأرسلها (ابراهيم) ما عدا بضع نسخ كان قد وزعها على عائلته وأصدقائه.‏

ومن حسن حظ هذا الكتاب (النادر وجوده) أنه بعث إلى الحياة من جديد وذلك بعد تسعين سنة من إعدامه.‏

إذ أصدره الدكتور (عبد الرحمن شلش) في القاهرة عام 1986 مصوراً بالأوفست مع دراسة تاريخية كتبها أحمد حسين الطحاوي.‏

في الكتاب ومن الصفحة الأولى يحمل ابراهيم حملة شعواء على (المكتوبجي) فيقول:‏

«اللهم نستغيث برحمتك أن تبعد السلطان وهؤلاء الأشرار الذين لو اجتمع منهم عشرة في العالم لخربوه في بضعة أيام».‏

ويذكر (المويلحي) حوادث عديدة تؤكد أن أصغر (مكتوبجي) قادر على تدمير حياة أي إنسان في الدولة مهما علت رتبته.‏

وعلى الرغم من أنك لو التقيت أحد هؤلاء (المكتوبجيين) وخاطبته فيما خرج عن أشغال السراي وجدته عامياً عريقاً بالعامية أمياً لكنه قادر على تحطيم أكبر عالم في البلاد وهذا ما حدث (لحسن فهمي باشا) الذي ألف كتاباً في حقوق الدول (الحقوق الدولية).‏

لقد أعجب بهذا الكتاب العارفون- وطبع في سائر الأقطار وقرأه المؤلف بنفسه مراراً على طلبة (كلية الحقوق) وقدم منه نسخة لجلالة (السلطان) ليوضع بالمكتبة السلطانية وأيضاً تكلمت عنه الجرائد التركية والافرنجية والعربية لكن جاسوساً اتهمه بغش السلطان لورود عبارة (حقوقية) في الكتاب. فسرها على هواه وكتب تقريره.‏

وأرسله للسلطان فصدرت الأوامر بجمع الكتاب وحرقه وبإرسال توبيخ لمؤلفه، بل رفعت رتبة الجاسوس وقدمت إليه مكافأة مالية فقال: «عليّ بعد تقريرين لأصل إلى رتبة الوزارة».‏

إن هذه المواقف المذهلة تجعلنا نتفهم موقف الكاتب الثائر «إبراهيم المويلحي» في حملته الشعواء على «شرطة الفكر» الذين وصفهم بأنهم «أشربوا في قلوبهم التجسس» في زمن كان فيه الأدباء ورجال الفكر قد بلغوا حالة من القهر والذل والقصر.‏

أخيراً.. ننهي هذا الموضوع الشائق والمثير والغريب بأن نستعير من المقدمة التي كتبها الدكتور (علي شلش) لكتاب (المويلحي) (ما هنالك؟).. فقال:‏

«إن الخلافة العثمانية في السنوات التي عاشها المويلحي في عاصمتها 1885-1895 كان محكوماً عليها بالسقوط فكل ما يرويه المويلحي في فصول كتابه دليل السقوط وهذا ما حدث بالفعل مما لم يشهده المويلحي في حياته).‏

وصدق أمير الشعراء حين قال:‏

لنا رقيب كان ما أثقله‏

الحمد لله الذي رحله‏

لو ابتلى الله به عاشقاً‏

مات به لا بالجوى والوله‏

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.