المعالجة بالأعشاب

إن تاريخ استعمال الأعشاب في المعالجة يعود إلى زمن بعيد منذ أن استقر الإنسان في جماعات وقبائل.واستخدمت المعالجات وطبقت ببساطة عند ظهور العلة والمرض،ذلك أن طب الأعشاب يزود بنظام صحي متكامل ، إنه أقدم نظام طبي وأكثر نظام طبيعي آمن وكافي امتد لقرون وشمل بلدان العالم .
إن الطب العشبي قادر على أن يخفف الأعراض ويكشف عدم التوازن ، عندما يطبق من قبل ممارسين متدربين ، ويقدم حلولاً دائمة وحقيقية للمشاكل الصحية.
استخدام الطب العشبي قديم قدم الإنسان نفسه وكان مع بداية الحضارات وارتبط الغذاء بالطب مع العديد من نباتات أكلت لخواصها الصحية في مصر القديمة ،فقد أعطي العمال العبيد يومياً كمية من الثوم لتساعدهم على مقاومة العديد من الالتهابات والحمى التي كانت شائعة وقتئذ،إن أول السجلات عن الأعشاب وفوائدها قد جمعت من قبل المصريين القدماء . ومعظم معلوماتنا عن استعمال الأعشاب يمكن أن ترجع إلى الكهنة المصريين الذين مارسوا الطب العشبي ،ويعود تاريخ سجلات (البرديات) الطبية لعام 1500 ق.م ، وتضمنت بردية إيبرس papyrus ebres أكثر من (877) وصفه طبية وبعضها لا يزال يستخدم حتى الآن .
كما حمل قدماء الإغريق والرومان معهما في حملاتهم للأراضي الجديدة أعشاباً طبية ،وعند غزو الأراضي الجديدة واجهت الأمراض أطباءهم لهذا استعانوا بالأعشاب مثل إكليل الجبل والخزامى لأهالي المناطق الجديدة ، ومعلوم أن حضارة اليونان ازدهرت في القرن الخامس قبل الميلاد وكان بينهم فلاسفة مازالت أفكارهم تدَرس وأطباء مازال ذكرهم حاضرًا بين الناس لما أبدعوه من أشياء خدمت البشرية ، فمن أطبائهم اشتهر ابقراط ، وجالينوس ، وديوسقوريدس وهؤلاء برعوا في الطب والتداوي بالأعشاب، ألف ابقراط كتاب " المجموعة الإبقراطية" شخّص فيه الأعراض والأوبئة وذكر فيه أكثر من(236)عقاراً من الأعشاب، وهو أول من وضع أسساً وقوانين لممارسة مهنة الطب والصيدلة، كما ألف ديوسقوريدس كتاباً عن الأعشاب عام (75) ق.م ذكر فيه (958) عقاراً مع شرح فوائدها وطرق تحضيرها.
كما اعتبر الصينيون من أكثر الشعوب اعتماداً على الأعشاب ويعتقد أن أول دستور للأدوية وجد في الصين ، ويطلق عليه بن تساو pen –tsao ,وكتب قبل ألفي سنة من الميلاد، ويتميزالطب الصيني من حيث رؤاه العلمية والفلسفية والدوائية، ويعد كتاب الأعشاب الذي وضعه (لي تشين تشجين ) من أكبر الكتب الطبية، يحتوي على أكثر من (1893) وصفه طبية، وقد ترجم للانجليزية عام 1959 م ، تحت اسم الطب الصيني Chinese medicine وما زال الصينيون إلى الآن يهتمون بالنباتات الطبية ويدرسونها بالطرق العلمية الحديثة للوصول إلى خواصها ومكوناتها الفعالة.
كذلك في الهند كان الطب العشبي يعتني بدراسة النباتات الطبية ،وكتاب "الفيداس" Vedas هو من أقدم الكتب التي وضعت قبل الميلاد بسنوات، وفيه وصف لنحو (700) عقار من النباتات ، وما يزال بعضها يستعمل إلى الآن ، والهند تعد من أوائل الدول المصدرة للنباتات الطبية والتوابل .
عرفت حضارة ما بين النهرين العديد من النباتات الطبية، وهذا ما تؤكده المخطوطات المسمارية في مدينة نينوى عثر فيها على (33 ) وصفه طبية ، كما عرف السومريون العديد من النباتات، وعندما ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية ترجم العديد من كتب اليونان والهند وفارس إلى العربية ، وأسس بيت الحكمة ،وكان جامعة علمية تهتم بالعلوم الطبية والفلكية والرياضية ، ولم يعتن الأطباء العرب بالعقاقير والنباتات المنقولة عن اليونانيةفقط، بل قاموا بالرحلات إلى مختلف الأقطار لجمع الأعشاب وإجراء التجارب وتحضير العقاقير الطبية، ووصل تشجيع الخلفاء للعلماء إلى درجة أن الخليفة المأمون كان يكافئ المترجم بوزن كتبه ذهبا، وأرسل مبعوثين للهند وفارس ومصر والقسطنطينية للبحث عن الكتب ذات القيمة العلمية.
كان من أشهر علماء العرب المهتمين بطب الأعشاب جابر بن حيان الذي ألف كتاب " السموم" ، وأبو بكر الرازي وله كتاب " المنصوري " وترجم إلى اللغة اللاتينية، وظل يدرس في أوربا حتى القرن السادس عشر وله أيضا كتاب " الحاوي"، وابن سينا واشتهر كتابه " القانون في الطب " ، وابن البيطار وكتابه كتاب "مفردات بن البيطار"، وداود الإنطاكي وله كتاب " تذكرة داوود" وهو مرجع طبي مرموق.
هناك العديد من النباتات والوصفات التي مازالت تستعمل منذ آلاف السنين ، مثل نبات الجنسنغ ginseng المعروف بالطب الصيني ،ويستعمل كمنشط للدورة الدموية والجملة العصبية ، وكذلك نبات الجنكو بيلوبا ginkgo beloba ، الذي يستخدم في تحسين الدورة الدموية للدماغ وتقوية الذاكرة،كما عرفت جذور نبات الراولفيا rawlfia ، الذي استخدمه الهنود منذ ألفي عام لعلاج ضغط الدم ، كذلك اللحلاح colchicum، والصبر , aloeوالكركم , turmic وزيت الخروع caster oil ،والأفيون opium، والقنب hemp،و الراوند rhubarb ،و القرفة cinnamon، وجوزة الطيب nutmeg ، واستخدم المصريون القدماء الخشخاش papaver ، والحنظل colocynth ، والبنج henbane ،والحلبةfenugreem
كما تحدث الإغريق عن الزنجبيل ginger ،ومهماز الشيلم ergot ، وخانق الذئب aconite،و ذكر العرب الشيح Artemisia ، ونبات الحنتيته ferula assai وبعد أفول الحضارة العربية انتقلت العلوم الطبية الكيمائية والنباتية إلى أوربا عن طريق الأندلس وصقلية ،وظهر مع بداية القرن الثالث عشر علماء أوربيون درسوا العلوم العربية وأضافوا عليها، وارتقوا بالعلوم حتى انفصل الطب عن الصيدلة، وأصبحت الصيدليات تبيع الأعشاب الطبية كالعطار ، كما جهز العطارون النباتات بالطحن والسحق والخلط لصناعة الوصفات الطبية الجاهزة للمرضى، وظهرت في القرن الثامن عشر الخلاصات الطبية extracts والمصبغات والمستحضرات الأكثر تركيزًا وفعالية، إلى أن وصل العلماء في العصر الحديث لطرق كيميائية لفصل المواد الفعالة الموجودة في النباتات وتنقيتها وبلورتها وتعليبها في مصانع الأدوية أقراصاً وحقناً ومراهم ونشوقاً وسوائل وغيرها.
وقامت مراكز أبحاث وجامعات علمية وشركات متخصصة بالصناعات الدوائية النباتية .
عالميا تمارس المعالجة بالأعشاب أكثر من ممارسة الطب التقليدي بثلاثة أضعاف ،والعديد من الأمراض الخاصة بالجهاز العصبي ، كالضغط النفسي والقلق والتوتر والاكتئاب ، تؤدي إلى أمراض خاصة بالجهاز الهضمي ،مثل تهيج القولون والقرحة المعدية والاثنا عشرية ، ومعلوم أن المكتئب يتراجع لديه إفراز حمض كلور الماء وهو أحد الأحماض الرئيسية في العصارة المعوية ، مما يؤدي إلى عدم كفاءة عملية الهضم والامتصاص، كما أن القلق يحرض على إفراز الأدرينالين الذي يؤدي إلى إفراز فائض من حمض كلور الماء ، والنتيجة حالة الحموضة وتفاقم الألم والقرحة والحرقة،يمكن أن تكون الأعشاب فعالة في معالجتها.
يتكل العشابون على معرفتهم بالعلاجات النباتية ليصححوا الخلل الوظيفي الذي طرأ على الأجهزة الحيوية ، فتعالج مثلا الأمراض الجلدية المستعصية باستعمال العلاجات البديلة الخاصة بالمشاكل الجلدية، وتطبق المحرضات الدورية لإزالة السموم من المنطقة المعالجة ،ثم تعطى المعالجات المعززة للأعضاء الأخرى كالكبد والكلى،إن هذه المعالجة الطبيعية الخالية من أي تأثيرات ضارة تشعر المريض بالثقة والراحة.
وهذا التطبيق العلاجي لا يستعمل من قبل الأطباء التقليديين الذين عادة ما يعالجون الأمراض الجلدية بوسيلة قمع الأعراض، بإعطاء مركبات الستيروئيدات ومضادات الهستامين وبنزوديازبام ،التي غالباً ما يظهر عند استعمالها عوارض جانبية مرهقة للمريض كالدوخة والسمنة والاعتياد على الدواء.
المعالجة بالأعشاب عادة لا تؤدي للسمية والاعتياد لان موادها طبيعية وليست كيميائية،وهي قادرة على إعادة التوازن للعضو أو الجهاز المريض ، واستعادة العافية والراحة الضرورية للصحة المثالية الذاتية ، وتاريخ ممارستها الناجحة والمديدة يدعمها لكونها مجربة في العديد من مناطق العالم وعلى العديد من الأفراد.
لهذا فإن اختيار المعالجة يجب أن يعتمد على التقييم الصحي الدقيق والخبرة والتدريب والتأهيل الصحيح للمعالج بالأعشاب.

إضافة تعليق