من يروي الحكاية للعالم: نحن لا نفهمهم وهم لا يفهموننا

- البحر المتوسط؛ حيث الاتجاهات الأربعة القلقـة، وحيث الجغرافيا التي تصنع التاريخ فوق هذه المياه وحولها.. فمنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام صاغت المصالح والإستراتيجيات والعواطف والعقائد أكبر عمليات التبادل التي عرفها التاريخ الإنساني،

والتي شملت الأفكار الكبرى، الأديان، الأساطير، الفلسفات، السلع، صنوف التجارة، العبيد والأحرار، التعاون، والصراع والحروب، والصور المتبادلة بين الشعوب والثقافات، وعلى مرِّ التاريخ كان ثمة مرايا يرى فيها الغرب الشرق، وأخرى يرى فيها الشرق الغرب، وكثيراً ما تقعرت هذه المرايا هنا أو تحدبت هناك، وضخمت حجم الآخر أو قللت من حضوره ومارست بحقه النفي أو الاغتيال الحضاري.

بعد مرور عقد على الواقعة العربية–الأميركية التي شهدتها نيويورك وواشنطن بالتفجيرات التي افتتحت القرن الحادي والعشرين، جرى فوق مياه المتوسط وعلى أطرافه زحام من الوقائع الساخنة وتبدلت الأحوال، جاء الحصاد في أغلبه تراكماً من الخيبات والخسائر عبر سلسلة الحروب والاحتلالات والمكائد السياسية وخراب الثقة وزيف الربيع الأميركي الذي تداعى سرابا على مرأى الجميع صبيحة وصول الرئيس الرابع والأربعين إلى البيت الأبيض، وصولا إلى محاولات اغتيال "الربيع العربي" بقطع الوحي بين الأرض والناس في ليلة القدر العربية التي تصوغ هذه الأيام الثورات الجديدة.

ثمة صراع بين إستراتيجيتين حضاريتين، وصور متبادلة قاتمة في أغلب الأوقات، لكن فوق ذلك كله وتحته، ثمة تثاقف حضاري ينضج، وفي الأغلب لا يُعترف به، حتى مع ذلك المكان القصيّ من العالم.

التثاقف غير المعترَف به

قليلاً ما نسمع عن مستوى حالة التثاقف بين العرب والأميركيين، وقليلاً ما نقرأ أو نسمع عن جذور العلاقات الحضارية والثقافية بين كتلتين بشريتين تتقاربان في العدد وتختلفان في التاريخ، وتلتقيان أحياناً وتتباعدان أحياناً أخرى في بعض مصادر الثقافة وقيمها، وهما اليوم من يملأ العالم بصخب الصراع، وهما الأكثر قدرة على نشر أشد المشاعر إثارة، ولا يتورعان عن استخدام أدوات الصراع كافة، وفي الوقت المتاح نفسه من أدوات الحوار، وعلى الأرض الأميركية مارس العرب أول اختراق أمني في تاريخ الولايات المتحدة، وعلى الأرض العربية مارست الولايات المتحدة أول احتلالاتها المباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة، وعلى الأرض العربية ما يزال أطول احتلال وآخر استعمار قائما في العالم بدعم من أميركا وبإرادتها.

قبل أكثر من مئة وثلاثين عاما تكاملت أول موجة هجرة عربية إلى الولايات المتحدة الأميركية، حينها كان ذلك الكيان الضخم المتربع على شواطئ الأطلسي، ما يزال يغتسل مما لحق به من آثار الحرب الأهلية، في ذلك الوقت تشاء ضرورات التاريخ وربما أحكام الجغرافيا والحاجة أن تكون ضاحية "منهاتن" في جنوب نيويورك هي الحي الذي جذب أول المهاجرين العرب بعد مدينة بوسطن.

كانت "منهاتن" آنذاك قبل أن تعرف الأبراج العملاقة ومركز التجارة العالمي، تضج بالمطاعم والمقاهي العربية، وتنتشر فيها رائحة القهوة التركية وطاولات النرجيلة، وينتشر في شوارعها الضيقة السوريون واللبنانيون بسراويلهم الطويلة يبيعون السلع الشرقية ويضعون على رؤوسهم الطرابيش الحمراء. كانت "منهاتن" التي لم تعرف الدمار في تاريخها إلا في أيلول 2001 قبل أكثر من مئة عام ضاحية شرقية، ومن يعود إلى "ميخائيل نعيمة" سيجد المبرر لهذا الوصف الذي أطلق على هذه الضاحية اسم "سورية الصغيرة". هذه واحدة من مفارقات التثاقف الحضاري بين العرب والأميركيين ومفارقات السياسة والصراع من جهة أخرى.

قبل ذلك بثلاثة قرون، كان أول اتصال حضاري بين العرب والأميركيين قد قام به التجار العُمانيون، لقد ذهب العرب إلى البلاد الجديدة قبل أن تأتيهم، وأول معاهدة اقتصادية بين الولايات المتحدة وبلد عربي كانت مع العُمانيين في العام 1833، وأول سفينة تجارية عربية أبحرت عبر الأطلسي باتجاه أميركا قادها العُماني أحمد بن النعمان الذي ما تزال قاعة مدينة نيويورك تعرض صورته على لوحة زيتية فخمة، في حين كان القرن التاسع عشر قد شهد بدايات الاتصال الأميركي بالمجتمعات العربية على شكل إرساليات تبشيرية تأخذ طابع المؤسسات التعليمية والخيرية، ومن بينها الكلية السورية البروتستانتية التي أنشئت في بيروت العام 1863، وتحولت في ما بعد إلى الجامعة الأميركية التي تعدّ واحدة من أبرز صروح التعليم العالي في العالم العربي المعاصر.

كان الحجاج والمبشرون والرحالة الأميركيون في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يختلفون في نظر العرب آنذاك عن الحجاج والرحالة الغربيين، أولئك الذين عادة ما وُسموا بأنهم "كفار" أو "تجار آثار" يريدون أن يسرقوا كنوز الشرق، بينما كان الحجاج والرحالة الأميركيون يحملون معهم الهدايا والعطايا والمنح للسكان المحليين بصرف النظر عن أديانهم.

كان العرب يرون أولئك القادمين من البلاد البعيدة بانبهار ودهشة كأنهم ملائكة يقذف بهم الأطلسي من بلاد ترصف شوارعها بالذهب. كان للأميركيين وحدهم في العام 1882 ما يزيد على 130 مدرسة متفرقـة في أنحاء سورية ولبنان، وهو ما يساوي أو يفوق عدد المدارس والإرساليات لكل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا معاً.

من المفارقات الأخرى أن أول كتاب صـدر في الولايات المتحدة عن المهاجريـن العرب في العام 1904 وضعـه مؤلف أميركي يدعى "لوسيوس ميلر"، وعنوانه "السوريون في نيوريوك العظمى"، يصف العرب بالوداعـة والهدوء والسلام الاجتماعي؛ موضحاً أنه رغم أن أحياءهم وشوارعهم مكتظـة، إلا أن الأميركيين لم يسمعوا صوتهم ولم يحسوا بوجودهم، إذ لم تُرتكب في أوساطهم جرائم تُذكر كما حدث مع عناصر مهاجرة أخرى.

والمفارقـة الأخرى أن أول مكان تحْدث فيه أحداث عنف وفوضى بين العرب أنفسهم على خلفيـة طائفيـة في الولايات المتحدة في العام 1905م، أي بعد عام واحد من صدور الكتاب السابق، كانت في حي "منهاتن" نفسه. ومع هذا لم يخلص المهاجرون العرب الأوائل من المحددات الثقافيـة والحضاريـة التي نقلها الأوروبيـون معهم وأسهمت في تشويـة صـورة العرب، وبالتحديد الهجمـة التي تعرض لها الإسلام والمسلمون في نهايـة القرن التاسع عشر بفعل السياسات العثمانيـة التي أصبغت كل ما كان يتردد حول الأتراك على العرب، وبلغ الأمر بالرئيس الأميركي روزفلت خلال زيارته مصرَ، وهي أول زيـارة في التاريخ لرئيس أميركي لبلد عربي، العام 1910، اتهامَ العرب بالتعصب، وطالب المصريين بالاستسلام والرضى باحتلال البريطانيين على اعتبار أنهم لم يصلوا بعد إلى الدرجـة التي تخولهم حكم أنفسهم.

وخلال النصف الأول من القرن العشرين ارتبطت صـورة الولايات المتحدة بأذهان العرب بمناصرتها وتعاطفها مع القضايا العربيـة، إذ أُرسلت العديد من اللجان الأميركية إلى بعض البلدان العربيـة للتعرف إلى مطالب شعوبها، ومنها لجنة "كراين" التي ذهبت إلى سورية للتعرف إلى رغبات السوريين حول هويـة الوصايـة الدوليـة التي يريدونها، وأجاب الآلاف آنذاك برغبتهم بوصايـة أميركية لا بريطانيـة ولا فرنسيـة، وقبل ذلك بسنوات قليلة نجد أن كاتبا أميركا من أصول عربية يدعى "إبراهام متر" وضع كتاباً في العام 1919 بالإنجليزية تحت عنوان "أميركا أنقذي الشرق الأوسط".

كل هذه المقتطفات والمفارقات التاريخية تدل على حجم الغياب الثقافي العربي خلال العقود الستة الماضية عن الساحة الأميركية، غابت الأبعاد الثقافية والحضارية وتكشفت دورة الاقتصاد السياسي البائسة المختصرة في حالتَي الاحتماء والاستلاب، فالكيانات التاريخية حتى في لحظات الضعف تستند بالإرادة الرسمية أو من دونها إلى حراك ثقافي حضاري يذكّر الآخر بوجوده ويوفر فرص حوار قائمة على الندية، فأموال العرب وعوائدهم الريعية وعقولهم المهاجرة وآثارهم ومخطوطاتهم المنتشرة في المتاحف الأميركية لم تؤسس لحالة فهم موضوعي، وهذا ليس بالاكتشاف الجديد، ولكن ما يحتاج لفت الانتباه إليه أن السياسة أكلت كل شيء في حياة العرب وعلاقاتهم المعاصرة ورؤية الآخرين لهم.

الصور المتبادلة والمرايا المظلمة

 بعد مرور عقد على أحداث تفجيرات أيلول في الولايات المتحدة، نقف أمام ثقب تاريخي أسود يعيد صياغـة السؤال حول الصور المتبادلة على النحو التالي: هل تهشمت المرايا ولا أحد يريد أن يرى الآخر؟

الحالة على صعيد الصور المتبادلة بين الغرب الذي تمثله بالدرجة الأولى الولايات المتحدة ثم أوروبا من جهة، والشرق العربي الإسلامي من جهة أخرى بعد أحداث أيلول 2001، تحمل سلة كبيرة من التناقضات والأسئلة الاستفهامية أكثر من كونها استنكارية، على الرغم من أن المصالح والإستراتيجيات الغربية وجدت نفسها في مواجهة غير واضحة المعالم مع عدو غامض لا يُعرف له وطن ولا عنوان، ولا يمكن تقدير قوته ولا مواعيد ضرباته.

فقد فتحت هذه المصالح والإستراتيجيات الباب واسعاً لكل من هبَّ ودبَّ لتهشيم ما تبقى من ملامح صورة العرب والمسلمين لدى مجتمعاتها، ولم يسْلم من هذا المنهج حتى الخطاب الرسمي الغربي الذي كثيراً ما عبّر عن ثقافة عنصرية، وبدا الأمر في بعض الأوقات كأنه برنامج ممنهج ومخطط له لإشهار صورة جديدة تضيف للصورة النمطية التاريخية للمسلمين والإسلام والعرب المزيدَ من التشويه، بل وربطها بكل ما هو معادٍ للحضارة الإنسانية.

في المقابل، زادت السياسات الغربية، وبالتحديد الأميركية وما رافقها من حروب في أفغانستان والعراق، من تعمّق الأفكار المسبقة لدى العرب والمسلمين عن الغرب، وبالتحديد الأميركيين، والتحول الخطير أن الصورة النمطية حول الغرب لدى العرب والمسلمين كانت تنسحب طوال السنوات الماضية على الحكومات الأميركية وصنائعها في لغة "الفيتو" المتهورة دوماً في وجه القضية الفلسطينية، ولكن اليوم وبعد عشر سنوات على أحداث 11 أيلول، وبعد احتلال العراق وأفغانستان ومع ما رافق ذلك من فضائح وفضائع، بات الرأي العام العربي يتساءل ويأخذ الشعب الأميركي بجريرة سياسات حكومته، الأمر الذي فهمته النخب العربية وأدركه قادة الرأي ووصل إلى الشارع بأن الشعب الأميركي راضٍ عن سياسات الاحتلال والقتل والمعتقلات.

خلال السنوات العشر الماضية، صدرت مئات الكتب والبحوث التي شكلت أداة من الأدوات التي أُوكلت إليها مهمة إعادة بناء صورة الإسلام والمسلمين والعرب في الغرب، وفي الجهة المقابلة كان مطبخ الإعلام الغربي يتفنن في استخدام التقنيات الجديدة وتوظيف المضامين المعاصرة والتاريخية وإعادة تأويل الأفكار في آلاف من القصص الإخبارية اليومية وآلاف أخرى من البرامج الوثائقية التي حاولت إعادة تفسير الإسلام وإعادة تشكيل الذهنية الغربية حول مجتمعات جنوب وشرق المتوسط وفق مقتضيات الأجندة الجديدة للإمبراطورية الأميركية وبرنامج عملها لإدارة العالم.

وصدرت مئات المجلات الأسبوعية والشهرية والفصلية التي خصصت أعدادا خاصة حملت عناوين مثل: الإسلام والإرهاب، القرآن والعنف، الإسلام والسيف، مجانين الله، استيقظ يا محمد فقد أصبحوا مجانين... وسوى ذلك من العناوين التي حملتها أغلفة مجلات عريقة، وانتشرت مئات الشعارات على اللوحات الإعلانية وعلى واجهات المحلات التجارية الكبرى وفي محطات القطارات وقطارات الأنفاق تحمل معاني ودلالات صراعية وعنصرية.

لقد خاض الغرب حربا أخرى حول الأفكار وإعادة تفسير وتقييم الإسلام، وانتهى الأمر لدى بعض الجهات إلى تبلور صـورة قاتمـة للدين الإسلامي والمسلميـن، وعلى الجهة الأخرى بدا الحراك الثقافي بطيئاً ومثقلاً بعلاقات الداخل بالداخل، إلا أن النقاشات الكبرى التي أدارها الغرب حول الإسلام والمسلمين كان لها بعض الصدى في الأوساط العربيـة والإسلامية، ولم يخلُ المشهد من حوارات مطولة. لقد وصل المحمول الثقافي والأيديولوجي الصراعي حول مضامين الصور المتبادلة أقصاه، واستُخدمت في تعميقه ونشره الأدوات المختلفة، ولكن يجب أن نستدرك، فقد كانت الأسئلة الاستفهامية حاضرة جنباً إلى جنب الأسئلة الاستنكارية. ويُختصر الموقف في المشاهد الآتية:

- لا أحد يريد أن يرى الآخر

لقد زادت الأحداث والوقائع على الأرض من شدة تعقيد الصـور المتبادلـة مع تزايد وقع حروب الولايات المتحدة وازدياد أعمال العنف والإرهاب الموجّـه ضد المدنيين. في هذا الوقت شهدت الساحـة الفكريـة الغربيـة عودة كثيفـة لكتب "برنارد لويس" عن الإسلام والشرق العربي الإسلامي. إلى جانب الكتب القديمـة نشـرَ لويس مؤلفه "كيف حدث الخلل (2001) و"أزمة الإسلام" (2003) الذي يصل فيه إلى "أن العرب يعانون عقدة أصلها رؤيـة فشلهم في الحاضر ومجدهم في الماضي، وحسد الغرب لنجاحاته، وبذلك فالمرض مرضهم ولا ذنب للغرب فيه".

ومن بين المؤلفات التي عملت على تهشيم المرآة التي ينظر فيها الغرب للشرق العربي الإسلامي، كتاب "الاسلام ينال من الولايات المتحدة" لـ مارتن كريمر، وكتاب دانيال بايبسي "برج عاجي على الرمال: فشل الدراسات الأميركية حول الشرق الأوسط" الذي بحث في الجهود العلمية التي انشغلت فيها الجامعات ومراكز البحوث الأميركية طوال العقود الماضية حول الإسلام والشرق الأوسط والتي لم يصل إدراكها لفهم حجم الفجوة القائمة بين الثقافتين.

هذا التيار الغالب أنتج تقييماً جديداً للحضارة العربية الإسلامية يستند إلى معايير الأمن الغربي، وعمل على توفير المسوغات الفكرية والإعلامية والوجدانية للحرب على الإرهاب، في الوقت الذي شنَّت فيه وسائل إعلام غربية سلسلة من الحملات الواسعة والمركّزة اسهدفت الذاكرة والمخيلة الغربية وصاغت صورة مرعبة للدين الإسلامي والمسلمين في أوساط الغرب، وشملت إعادة إنتاج الصور النمطية التاريخية للعرب والمسلمين، منها الصورة التي سادت إبان الحروب الصليبيـة (محورها: الكفار، والأعداء، والخونة)، والصورة التي سادت في أدب الاستشراف (محورها: قطاع الطرق الذين يسرقون التجار أو يقتلونهم)، وفي الأدب المعاصر (محورها: أذلاّء خائفون ومتَّهمون بالتخلف).

لقد عملت وسائل الإعلام بعد 11 أيلول على إعادة إنتاج جميع هذه الصور في وصف "الإسلام الإرهابي"، ووصل الأمر إلى تحميل الإسلام والمسلمين المعاصرين أسباب الأزمة الاقتصادية الغربية والبطالة واختلال الأمن والإرهاب.

 لقد بدا الأمر في وسط هذه الحملات كأن الغرب لا يريد أن يرى الشرق الإسلامي، وأنه يبحث عن قطيعـة تاريخيـة أكبر من حجم الصراع وآليات إدارته.

 في المقابل، لم يكن مشهد طائرات "إف 16" التي تقصف المدن الفلسطينيـة في شهر رمضان 2001 بالتزامن مع التدمير الوحشي الذي تعرضت له العشوائيات والخرائب الأفغانية، أقل ألماً في أذهان العرب والمسلمين، وهو المشهد الذي سيمتد نحو العراق والفلوجـة وسجن أبو غريب وغير ذلك من الوقائع التي تمت ممارستها على الأرض وعملت على تدشين قطيعـة مقابلـة نمت في أوساط تيارات ثقافيـة إلى جانب التيارات الدينيـة الأصولية، وأخذت تطرح أسئلة كبرى في أوساط أصدقاء الغرب التقليديـين الذين أخذ بعضهم بمراجعـة للصـورة التقليديـة للغرب في أذهانهم المرتبطـة بالحلم الأميركي العتيد.

- المراجعة النقدية المتبادلة

في أمكنة أخرى عملت أحداث 11 أيلول في أجواء تدفق الصور المشوهة المتبادلة، على بروز تيارات للمراجعة الفكرية النقدية للصور الذهنية والنمطية بين الثقافتين. وكانت المحصلة الأولية لهذه المراجعة أن انتقل السؤال الذي أطلقته الولايات المتحدة: "لماذا يكرهوننا؟"، إلى سؤال أخر بدأ يتردد مؤخراً: "لماذا يكره كل منا الآخر؟".

أهم ملامح هذه المراجعة تبدو في البحث في سجل الكراهية المتبادلة؛ في الغرب حاول مفكرون الكشف عن جوانب فشل المخيلـة الأميركية في إدراك مدى المعارضة التي تتعرض لها السياسات الأميركية وتجعل أميركا مكروهة (ازدواجية المواقف والخيلاء والأنانية والسذاجة التاريخية التي لا تفرق بين الذات وبقية العالم). ومن بين المؤلفات المهمـة التي حاولت شرح الصور المتبادلة وفق منهج فكري نقدي، هناك كتاب "ظلال النسر" للصحفي الأميركي "مارك هير تسجارد"، ويتساءل فيه: "لماذا لا تكون أميركا حكيمة بقدر ما هي قوية؟"، موضحاً أن افتقادها الحكمـة هو الذي فوّت الفرصة التي على الدولة العظمى التخلصَ من صورتها السلبية في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، وهي فرصة لو أحسنت استثمارها لتحولت إلى شرطي العالم المحترم الذي يوده الجميع ويطلبونه عند الحاجة.

 شمل هذا التيار كتابات عديدة لمفكرين وكتَّاب غربيين منهم: ميرل واين ديفز، نعوم تشومسكي، سيرج جولي، جان ماري كولباني، باتيرك سيل، وجورج سوروس. إن تيار المراجعة النقديـة ينمو بشكل واضح في بعض الدوائر الأكاديمية التي قد لا يكون صوتها عالياً، ولكن بشكل عام ما يزال هذا التيار عاجزاً عن الاشتباك مع السياسات الأميركية، وهو يكتفي أحياناً بمحاولة تفسير فشل حملات العلاقات العامة والدبلوماسية الشعبية التي تطلقها الإدارة الأميركية بين حين وآخر.

المراجعة النقدية لصورة الآخر الغربي ارتفع صوتها في الأوساط الفكرية والثقافية العربية والإسلامية، وفي الوقت الذي كان رموز هذه المراجعات يؤكدون فيه أن الغرب ليس واحداً، وأن من الضروريّ نقد الذات، وأن الشعوب هي التي تحدد كيف يراها الآخرون، كانت الأحداث السياسية تعيدها للخلف خطوات كلَّما خطت خطوة إلى الأمام.

وإذا كانت الحواضـر الثقافية العربية الأساسية أكثر دربـة على سماع أصوات تيار النقد الذاتي والمراجعة الفكرية، إلا أن ما نال الصورةَ الذهنية للغرب لدى المجتمع السعودي بالتحديد بعد أحداث 11 أيلول 2001 كان الأخطر، إذ شكّل سلوك الولايات المتحدة في العالم الإسلامي بعد هذه الأحداث والحملات المتتالية التي شنتها ضد السعودية، انقلاباً حاداً في إدراك السعوديين من متدينين رسميين أو ليبراليين وفي أوساط الشباب، للعلاقات مع الولايات المتحدة وصـورتها.

فقد انقلبت تلك الصورة من حالة الانبهار والبحث عن فرصة تعليم في الولايات المتحدة الأميركية، أو سياحية طويلة، إلى صدمة وخيبة أمل ممزوجة بالندم. هذه التحولات لم تجزع نخبة من المثقفين السعوديين عن التوقف ومراجعة مواقفهم، وسمعنا عن تبادل الرسائل مع مثقفين ومفكرين أميركيين، وازداد نشر البيانات والمواقف التي تؤكد أن ثمة تحولات جريئة وواضحة بدأت ترسم ملامحها في الحياة المدنية والسياسية السعودية. لقد انتقلت النخب السعودية في بناء صورة الآخر من التلقي السلبي الساذج إلى المناقشة وطرح الأسئلة.

- الأسئلة الاستفهامية

أظهرت سنوات ما بعد 11 أيلول 2001 حجم فجوة المعرفة المتبادلة بين الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة، من جهة، والشرق العربي الإسلامي من جهة أخرى. فإلى جانب الأسئلة الاستنكارية التي أسهمت في تشويه الصور المتبادلة، كانت هناك أسئلة استفهامية من الطرفين تبحث عن إجابات توضح حجم الجهل المتبادل الذي يتيح لحملة إعلانية ساذجة التلاعبَ في أذهان الناس واستثمار سذاجتهم، وبحسب تعبير أحد الأعضاء العرب في الحزب الديمقراطي الأميركي نقلته صحيفة "السفير" اللبنانية تُختصر قصـة الجهل المتبادل بـ: "لماذا يكرهوننا؟ يسأل الأميركيون منذ 11 أيلول، لماذا يكرهوننا؟ يسأل العرب منذ عقود: نحن لا نعرفهم، هم لا يعرفوننا".

قادت معركة الفهم المتبادل خلال الأعوام القليلة الماضية إلى حملات متبادلة حددت الإدراكات المتبادلة بين الطرفين، وفي الوقت الذي حاولت فيه الولايات المتحدة شن حملات علاقات عامة وإنشاء فضائيات ومحطات إذاعية موجهة وبرامج زيارات متتالية لم يثمر الكثير منها، فشل العرب في إيصال أصواتهم إلى الغرب، ولم تنفع ستة مليارات دولار ضخها العرب خلال اثني عشر عاماً ماضية على إنشاء الفضائيات في إحداث أي اختراق إعلامي على الجبهة الأميركية.

في ضوء المشاهد السابقة التي توضح مسارات التحول في بناء الصـور المتبادلـة بين الثقافتين، يبدو أن مشهد تهشيم المرايا م يزال الأقوى والأكثر تاثيراً في ضوء العجز عن تغيير الوقائع على الأرض؛ أي السياسات والأحداث.

 

من يروي حكايتكم للعالم

علّقت الممثلة الإنجليزية المعروفة "جوليا آرموند" أثناء تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي الأسبوع الفائت؛ بأن الوقت قد حان للعرب للكفّ عن ترك السينما الأميركية وحدها "تروي حكايتهم" للعالم؛ مشيرة بذلك إلى عشرات الأفلام العالمية التي تنتجها السينما الأميركية سنوياً عن المنطقة والمجتمعات العربية والأحداث السياسية.

ربما يمر هذا التعليق من دون أن يستحق التعليق؛ مثلما يحدث مع عشرات الشخصيات الغربية المؤثرة من سياسيين ومفكرين وفلاسفة والذين عادة لا يلتفتون إلى حقيقة الصراع والأوضاع في المنطقة إلا في خريف العمر، أو تحت ظروف نادرة أو استثنائية، لكن مصدر التأثير هذه المرة نابع من قوة تأثير هذه الممثلة وسياق حديثها؛ فقد شاركت في مجموعة من الأفلام القوية والفارقة في تاريخ السينما الأميركية من أشهرها "الفارس الأول"، "أسطورة الخريف"، "المقاومة" و"الإحساس بالثلج"، ثم الإشارة الأخرى لاستئثار السينما الأميركية شبه الكامل بالإنتاج السينمائي العالمي الذي تحدّث عن المنطقة العربية خلال العقد الأخير، وبالتحديد في ما يتعلق بالإرهاب وبالقضايا ذات الصلة بالثقافة العربية، ما جعل الناس العاديين في جهات العالم الأربع أسرى لرواية واحدة انفردت بها السينما الأميركية.

بالفعل، لقد استأثرت السينما الأميركية بنصيب كل الأسود في الإنتاج السينمائي عن المنطقة، في حين تضاعف هذا الإنتاج خلال سنوات ما بعد أحداث 11 أيلول، أكثر من خمسة أضعاف عن السابق، ويكفي أن نتذكر أن إحدى القنوات الأميركية المحلية بقيت تبث فيلم "المملكة" أسبوعيا على مدى أكثر من عام، وهو الفيلم الذي يقدم صورة مشحونة بمشاعر السخط والنقمة على المجتمع العربي والثقافة العربية التي تبدو من السلبية أن تبرر قتل الأطفال مرة وتعليمهم القتل مرة أخرى، إذ يقدم الفيلم رواية أخرى عن العمليات الإرهابية التي نُفذت في المملكة العربية السعودية ضد مواطنين غربيين. هذا يعني بالدرجة الأولى طبيعة أهداف القوى الاقتصادية المسيطرة على هذا القطاع والتي لا تعبّر بالتأكيد عن ثقافة المجتمع الأميركي وقناعاته، وأكثر ما تشير إليه غياب التأثير الاقتصادي والثقافي للعرب عن هذا القطاع المفتوح.

لم يصل إلى إدراك النخب العربية وممارستها في الحكم والاقتصاد والثقافة، أن تغيير مضامين رؤية الآخر وصياغة الرأي العام في المجتمعات الأخرى حيال قضايا السياسة الدولية، أصبح اليوم صناعة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس مجرد معادلات حتمية وميراث سياسي وثقافي، فلقد غيّرت الصناعات الثقافية المعاصرة مواقف وقناعات، وأعادت صياغة الوعي في جهات عديدة من العالم، فعلى قدر ما يوظَّف لهذه الصناعة من أموال ورؤية يمكنها أن تدخل في صراع صناعة الروايات وتحسمها؛ أيْ صراع كسب ود العالم؛ فهذا العالم أعاد اختراع الحقيقةَ بأنها تُصنع ولا تُصاغ فقط.

 

إضافة تعليق

2 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.