العالم يستعيد الثقافة

كانت المهرجانات الثقافية الصيفية مفاجآت سارة للمثقفين والقراء في أوربا خلال السنوات الثلاث الماضية.
لقد أعادت تلك المهرجانات والتظاهرات طرح مجموعة من أكثر الأسئلة حضوراً وراهنية في الحياة الثقافية المعاصرة وخصوصاً فيما يخص ثقافة القراءة وعلاقة الأجيال الجديدة بالكتاب عموماً وبالأدب على وجه التحديد.
. وكانت الأسئلة القديمة الجديدة التي توارت خلف أوهام كرستها المؤسسات الإعلامية المرتبطة بصناعة الترفيه الكونية تتجه في معظمها نحو التسليم بفرضية أن الأجيال الجديدة لا تقرأ، بل أنها ليست بحاجة للقراءة في ظل توافر أنماط ومصادر معلومات بديلة. وفي هذا السياق نعى الكثيرون ثقافة القراءة ودعا البعض إلى الاعتراف بواقع افتراضي مفاده أن الكتاب لم يعد سوى ترف نخبوي هامشي في الحياة المعاصرة.
لكن ما حدث أن الواقع فاجأ الجميع كالعادة وأظهر من خلال متابعة وتوثيق فعاليات المهرجانات الثقافية الكبرى ومعارض الكتب في أوربا أن تلك المقولات والنبوءات حول تراجع وضمور ثقافة القراءة ما هي إلا أوهام غير بريئة صنعتها مؤسسات كبرى في عالم الإعلام وصناعة الترفيه. ولم يكن الأمر مجرد مظاهر جديدة موسمية الطابع تتعلق بحدث ثقافي ما يجذب إليه جمهوراً في أيام الصيف الطويلة، بل كان ظاهرة أذهلت الكثيرين وبدأت تفرض نفسها كواقع جديد ينعكس في المؤشرات الاقتصادية والمالية لمؤسسات صناعة وتوزيع الكتاب. لقد حققت مبيعات الكتاب في عدة دول أوربية خلال السنوات القليلة الماضية أرقاماً قياسية وأظهر الإقبال غير المسبوق من جيل الشباب على المهرجانات الثقافية ومعارض الكتب أن الشباب يستعيد المبادرة في البحث عن الحقيقي والأصيل في الثقافة وأن البشر لن يتخلوا عن الكتاب وعن القراءة مهما تعددت فرص الترفيه وازدادت الحياة تعقيداً وضجيجاً.
وفي هذا الصيف تجري الاستعدادات لإطلاق واحد من أهم المهرجانات الثقافية في أوربا، مهرجان إدنبرة الدولي 2011. كان هذا المهرجان قد حقق العام الماضي طفرة فيما يتعلق بإقبال الشباب على النشاطات الأدبية وفعاليات القراءة ومبيعات الكتب، مما دعا أحد النقاد البريطانيين وقتها لإطلاق دعوته الشهيرة على صفحات الغارديان اللندنية: أطفئوا أجهزة التلفزيون، فنحن أكثر ثقافة مما تعتقدون، وذلك في إشارة إلى بداية عزوف الجيل الشاب عن الثقافة الاستهلاكية وعودته إلى القراءة. أما في دورته هذا العام فسيشهد المهرجان فعاليات شبابية جديدة تؤكد على التطورات الجديدة في تقاليد وثقافة القراءة بالمعنى الاجتماعي. ففي واحدة من التظاهرات ستسعى مجموعة من الشباب بالتعاون مع كتاب ومثقفين إلى تحطيم الرقم القياسي في القراءة الجماعية، حيث سيتم جمع 350 قارئاً لقراءة كتاب واحد. وسيتم ذلك عبر المشاركة حيث سيقرأ كل مشارك جملة من الكتاب باتتالي حتى إتمامه في حدث يؤكد على المشاركة والإصغاء في فعل القراءة. والكتاب المختار لهذه الفعالية هو رواية للروائية البريطانية تيريزا برسلن بعنوان «سجين في الكتراز». وكان الرقم القياسي الماضي للقراءة الجماعية قد حقق في فيينا العام الماضي من خلال مشاركة 290 قارئاً.
هل يشير كل هذا إلى تحول حقيقي في ذائقة الناس في أوربا؟! أم أن الأمر يتعلق ببساطة بهشاشة ذلك الوهم الذي يقول أن الإنسان المعاصر قد فقد الحاجة إلى الكتاب؟! لا يمكن بالطبع الإجابة على أسئلة كهذه بشكل مطلق، فالموضوع نسبي ويرتبط بعوامل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات. ففي مجتمعات متخلفة وأمية تتعثر فيها مشاريع التنمية الثقافية أمام الفقر والفساد السياسي والاقتصادي تتحول الثقافة إلى جبهة لمعركة غير متكافئة بين إقتصاديات الترفيه العملاقة المتحالفة مع الرأسمال المحلي الجاهل من جهة وبين مشاريع ثقافية تفتقد إلى المقومات المؤسساتية والاقتصادية من جهة أخرى. لكن الواقع الذي أشارت إليه مواسم معارض الكتب في أوربا قد يفيد في تحديد أطر عامة لفهم آليات العمل الثقافي في البيئة الكونية المعاصرة التي نحن في دولنا المتخلفة جزء منها شئنا أم أبينا، وذلك بصرف النظر طبعاً عن طبيعة علاقتنا بتلك البيئة. والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل يجب الاستسلام لما نعتقد أنه حقائق توصف الواقع الثقافي بشكل مطلق ونهائي؟! لماذا يعزف الناس عن القراءة؟ هل يعود ذلك إلى خصائص جوهرية في الشخصية عندنا أم أنه يعود إلى تضافر عوامل موضوعية؟! لو وظفت الأموال والجهود والإمكانيات ذاتها التي وظفت في صناعة الترفيه والتلفزيون العربية في مجال التنمية الثقافية ألن تنكشف هشاشة الوهم الذي نتعامل معه جميعاً وكأنه حقيقة مطلقة، ذلك الوهم الذي يقول أن الإنسان لدينا يتسم بنفور أصيل من ثقافة القراءة؟! ذلك الإنسان الجاهل الذي يحتاج في شهر واحد فقط إلى 160 aصنع ذلك الإنسان المقيد إلى شاشة التلفزيون بقدرية تراجيدية سوى الإهمال للثقافة في العالم العربي؟!
لقد وصلت صناعة الترفيه والتلفزيون في أوربا إلى ذروة تطورها وهي تمتلك إمكانات إقتصادية وتقنية كبيرة، وفي العقدين الأخيرين ساد اعتقاد أن تلك الصناعة قد تمكنت بالفعل من احتكار الثقافة بشكل كامل. لكن الواقع قد كشف عن زيف ذلك الاعتقاد وأكد أن الثقافة حاجة إنسانية وفضاء لا يمكن احتكاره من قبل أي قوة إذا ما توافرت الشروط الصحية للعمل الثقافي. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التلفزيون ليس عدواً للثقافة، بل إنه وسيلة فعالة في التنمية الثقافية، وليس الترفيه حالة سلبية، بل لا زالت صناعة الترفيه ضرورة اجتماعية وإنسانية في دول العالم المتقدمة. لكن ما حدث خلال المواسم الثقافية في العالم في معارض الكتب والمهرجانات الثقافية أكد أنه لا يمكن احتكار الثقافة من قبل أي مؤسسة وأن الإنسان لا يمكن أن يتخلى عن منطق الحياة في ضرورة أن تتعدد وتتنوع مصادر معرفته ومتعته.

إضافة تعليق