تكلم حتى أراك

«تكلم حتى أراك» عبارة أطلقها سقراط قبل خمسة وعشرين قرنا ً في معرض تأنيبه لأحد تلاميذه الذي كان قابعاً في صمته، فيما زملاؤه يبدون ملاحظاتهم، ويطرحون استفساراتهم عن موضوع الدرس، ولاشك في أن هذه العبارة أصبحت فيما بعد

وفي هذا الزمن الذي نعيش، قد تصلح هذه الجملة الفعلية أداةً لتوصيف حال ما يطلق عليه البعض لقب (الأغلبية الصامتة)، فهذه الأغلبية – رغم أنك لا تعرف أن أحداً قد قام بإحصاء ما – كما يستشف من كلام الراحل سقراط- هي كالماء بمعنى أن لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، فأن يتكلم المرء خير من أن يظل صامتا ً متشبهاً بعمود كهرباء أو مقعد في حديقة أو تمثال من البرونز.
. وقطعاً لن يكون كالشجرة التي أجابت نيكوس كانزاكيس عندما سألها ذلك السؤال الخطير.. «سألت شجرة اللوز عن الله، فأزهرت» فأن تكون صاحب موقف (مهما يكن) خير ألف مرة من أن تكون ذلك الكائن الرجراج أو الخفيف إلى حد قد يستثير ميلان كونديرا فتجبره على كتابة جزء ثان لروايته الشهيرة «خفة الكائن التي لا تحتمل».
وستكون لتوقيت كلامك أهمية قصوى، فلا معنى لأن تتذاكى وترجئ اتخاذ موقفك حتى يصنفك البعض «الحكيم بأثر رجعي» فهذه اللعبة لن تنطلي على أحد، فقد سبقك الكاهن في عقد القران عندما قطع عليك الطريق قائلاً: «من كان لديه احتجاج على هذا الزواج، فليتكلم الآن، أو فليصمت إلى الأبد».
ولك أن تلحظ يا عزيزي أن عبارة «الأغلبية الصامتة» ليست أكثر من ذرّ للرماد في العيون، فكونها (أي الأغلبية) قد صمتت عند وقت الحاجة للكلام، فهي ستبقى كذلك، على الأرجح، وما التلويح بها وباقتدارها وبجبروتها، إلا كمن يلوح بسيف من الكرتون، فلا هو قادر على حماية صاحبه، ولا هو بقادر على طعن العدو أو حتى خدشه.
أما ذلك المتلطي خلف الكلام المنمق والعبارات المزوّقة وخلف حجب اللغة وفنون المراوغة فيها، فهو لن يختلف كثيراً عن ذاك المتحدر من سلالات الأغلبية الصامتة الملتبسة، فهو ذاك البهلوان المتشدق الذي لن تفهم لكلامه أولاً من آخر، ففي بدء كلامه تظنه من عتاة اليمين المتطرف وفي المنتصف تجده وقد تحول إلى أقصى اليسار الراديكالي، وعند النهاية سيكون أقرب إلى الوسطية من أي شيء آخر، فتخرج من حضرته ورأسك يتمايل، وشعور بالدوار ينتابك، وعندما تحاول أن تلخص كلامه، ستجد الأفكار متلاطمةً في رأسك، كتلاطم أمواج البحر الذي أغرق سفينة السندباد، فتبتعد عن مجلسه مهرولاً، قانعاً من الغنيمة بالإياب.
 وفي قرارة نفسه سيكون قد قالها حتماً: «مَنْ يحسب نفسه هذا الغرّ، حتى يسجل علي موقفاً.. ها». نعم هذا هو زمن الكلام المباح يا صديقي، فمن أراد أن يتكلم فليتكلم الآن.. أو ليصمت إلى الأبد.. والعصا من المنتصف لا يحملها إلا البهلوان.

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.