البحث عن الجذور

الفلسفة هي هذا التعميم الذي أريد به أن يضمّ تحت جناحيه مجموعات القوانين العلمية الخاصة في مجال معين ، ومن المألوف أن يبدأ الفيلسوف من « شيء » واقعي أو من « عبارة» يقولها الناس في أحاديثهم العادية
والفيلسوف هو الذي يبدأ المشكلة فيتساءل عن المعنى : ما معنى « جميل » وهو بمجرّد أن يسأل هذا السؤال تتفتح أمامه آفاق للإجابة .
والفيلسوف الذي اخترنا أن نبدأ بالحديث عنه هو «أفلاطون» لقد وقف أمام الأشياء الجميلة المختلفة فرأى أنها لابدّ أن تكون صوراً لأشياء ، فاللوحة الفنية عنده تمثل صورة شجرة أو صورة منزل أو صورة شخص . وكذلك الشأن بالنسبة للأعمال الأدبية ، فما يكتبه الشاعر أو الروائي أو المسرحي ، إنما هو محاولة لتصوير شيء ما .
إنّ طبيعة التفكير الفلسفي هي أن تقف أمام فكرة تدور على الألسنة ، ويكتفي الناس بدورانها ، ولكن الفيلسوف يقف فيحفر فيها كما نحفر تحت الشجرة بحثاً عن جذورها ، وعندما يصل الفيلسوف إلى هذه الجذور يكون قد حقّق بغيته وهي المبدأ ، إنه يبحث عن مبدأ للجمال ومبدأ للخير ومبدأ للحق.
العمل الفلسفي هو حفر تحت الأفكار الدائرة على ألسنة الناس التماساً لمبادئها أو لجذورها، وعمل الفيلسوف هو أن يصل بشتى الأفكار إلى مبدأ واحد يضمها جميعاً . إنّ الأديب يؤنسن الأشياء ، فهو يؤنسن الجبل مثلاً حين يجذبه إلى مستواه البشري ، ليتحدث إليه، أمّا مهمة الناقد فهي أشبه بمهمة صياد السمك ، عندما يطرح الشباك في الأماكن التي يتوقع فيها مطلبه ، وينتظر إلى أن يقع السمك في الشباك ليجذبها ، وإذا به يخرج إلى السطح ما لم تكن تراه العين ، كذلك يصنع الناقد مع العمل الأدبي ، فهو يبحث في الرواية عن فكرة يستنبطها ربمّا لم ترد على خاطر الأديب نفسه ، الأديب يحشد في روايته عدداً يقل أو يكثر من الشخوص في حالة تفاعل ، ثم ينتقي الناقد من خلال هذا التفاعل فكرة مضمرة .
وهنا نستطيع أن نلمس التشابه بين العملية النقدية والعملية الفلسفية ، فهما تلتقيان في تجاوزهما السطح واتجاههما إلى العمق ، بحثاً عن الجذور المستنبطة في الظاهر الذي تراه العيون. ولكن النقد يفعل ذات الشيء عندما يشغل الناقد نفسه بالمفردات في البيت الشعري ، وعلاقة بعضها ببعض، فإنه يتحرك في البيت ذاهباً آيباً ، ممثلاً لهذا النوع من المزاج النقدي، إنه يغوص في أعماقها ليقع على الجذور التي انبثقت منها شجرة القصيدة .

إضافة تعليق