بثينة العيسى: لا توجد مكتبة نقية

قبل سبع سنواتٍ، وقفتُ أمامكم لأتحدث عن ولادة مكتبة.كانت كلمة تفيضُ بحماسةِ البدايات، عن المكتبة بوصفها «مصفوفة أبدية مؤلفة من ملايين المرايا»، وبكونِها «المكان الذي ينبغي أن تضيع فيه، لكي تجد نفسك»، وعبارات شعرية تشاغبُ عالمًا بعيدًا عن الشّعرية، كما هو خليق بمكتبة، أزعُم.

لكنني اليوم لن أتحدث عن المكتبة بوصفها مكانًا مفارقًا، بل باعتبارها تدريبًا يوميًا على الوجود في الواقع، وأحد تمظهرات التحضُّر.

في سنواتنا الأولى، انحَزْنا بشكلٍ لا واعٍ لكتّاب نحبهم، لنوع الأدب الذي نفضّله، للمفكّرين الذين زلزلونا كقرّاء، وسمّينا الأمر تضامنًا ومؤازرة، واعترافًا بالجميل، تحولنا إلى مسوّقي كتب وإلى مبشرين، لكن التبشير لا يخلو من خطر، خطر أن نتحول الى أخوية منغلقة على ذائقتها الراهنة.

بعد فترة، كبرت المكتبة، تجاوزت حيّزها المكاني إلى البعيد والقصيّ، والعصيّ على الفهم أحيانًا.. والهضم أحيانًا أخرى، لتضمَّ كتبًا من نوعٍ آخر؛ «الكتب الأخرى».

الأدب الذي لا نفضله، والفكر الذي لا نوافقه، أو نتناقضُ معه جذريًا.

خلال السنوات السبع، كما أزعم، ملأت الكتب «الأخرى» نصف المكتبة، بغض النظر عن تفضيلاتنا، عن انحيازاتنا، عن مواقفنا الحاسمة في أمورٍ، وغير الحاسمة في أمورٍ أخرى.

باختصارٍ شديد؛ كانت المكتبة تربّينا.

أو كانت تمدِّننا..

وضعتنا المكتبة دائمًا في معرض الدفاع عن كتابٍ لا نحبّه، عن رأي لا نوافقه، عن ضرورة بقائها حيزًا ديموقراطيًا، يزداد جمالًا كلما عجّ بالتناقض.

مثل أوركسترا.

وتريّات وخشبيّات ونُحاسيّات وإيقاعات،

الغليظ والحاد والرخيم والمعدنيُّ، في آن واحد

تمامًا مثل أوركسترا.

في الأيّام الماضية، ونحنُ نعيد صياغة المكان، كنتُ أتساءل إلى أيّ حدٍ يصحُّ أن نضع عمر بن أبي ربيعة إلى جانب الحلاج، وهل سيغضب شوقي إذا جاور الماغوط، ولماذا تبدو أعمال كيليطو النقدية أكثر راحة بجانب ألف ليلة وليلة؟

إنها معضلة التصنيف.

وقد يدين بائع الكتب للقرّاء باعتذار مسبق، لأنه وضع علي شريعتي بجانب غرامشي، في حين كان القارئ يبحث عنه بجانب مرتضى مطهري وسيد قطب.

ورغم أنَّ تشينوا أتشيبي هو الأجدر بمجاورة فرانز فانون، إلا أن الأمر غير ممكن، ومهما بدا منطقيًا لك أن تضع قلب الظلام لكونراد إلى جانب استشراق إدوارد سعيد، فإنَّ للمكتبة رأيًا آخر.

وهنا بدأت أفكّر أيضًا، بأنَّ الكتب - مثلنا - يندر أن تكون مرتاحةً في مكانِها، أنها مضطرة غالبًا لمجاورة كتبٍ لا تحبها؛ وبقدر ما هو سهل أن تضع سيمون دو بوفوار قريبة من سارتر، إلا أنّك لن تجد هذه المجاورة سهلة مع تشومسكي وكيسنجر، كارل ماركس وآدم سميث، طه حسين وزكي مبارك، كما أنه من غير اللائق، أخلاقيًا، أن توضع كتب غادة السمان بجانب غسان كنفاني، تخيل الآن أن ترصَّ كتاب «التفكير العلمي» لفؤاد زكريا إلى جانب كتاب «السّر»، وأن تضع كتاب «أغنى رجل في بابل» إلى جانب «اقتصاد الفقراء».

من الواضح، إذن، أن جوهر المكتبة هو التنافُر، وأن درس المكتبة هو التعايش.

وأن علينا أن نطمح لأن نكون ديموقراطيين بما يكفي لكي نجاور، يومًا ما، المعتزلة والأشاعرة، ابن تيمية والطوسي، ابن رشد والغزالي، فرج فودة ومحمد عمارة.

قبل سنة تقريبًا كنت بصدد البحث عن كتب تراثية، فتوجّهت مع صديق إلى إحدى المكتبات «الإسلامية» كما درجنا على القول، وهناك كنتُ أتساءل إن كان من الصواب وجود كل هذه النسخ من دواوين المعرّي والمتنبّي وبشار بن برد وألف ليلة وليلة، بين كتب الفقه والحديث والتفاسير.

شخصيًا، وجدتُ الأمر شعريًا وجميلًا.

ثم عثرت على كتاب لأحد أشد الملحدين استفزازًا، ريتشارد دوكنز، وتساءلت إن كان البائع يعرف من هو، وكيف وصل يا ترى إلى هذا المكان، ثم ابتسمت، وقلت لصديقي: هل ترى؟ ما مِن مكتبة نقية.

إضافة تعليق

6 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.