الحرب حتى الآن

كنت قد كتبت عن الحرب الدائرة في السودان الآن بين قوتين عسكريتين، تملكان حيلا كثيرة للموت والتدمير، والقضاء على الأخضر واليابس، كما تفعل الحروب دائما.
وبغض النظر عن أسباب تلك الحرب، وأطماعها، وغياب المنطق في كثير من تفاصيلها، فإن الخراب والقتل العشوائي، ونزوح الناس عن بيوتهم ومعيشتهم، وانعدام الضروريات للذين لم يساعدهم الحظ، أو لم تساعدهم إمكانياتهم على الفرار، لأن الفرار، وبداية حياة جديدة في مكان مختلف، مكلف جدا، فإن اسم الحرب في حد ذاته مفزع ومروع، ولطالما سمعنا عن حروب جرت هنا وهناك، لكن لم نتصور أن بلادا مثل السودان، ملهمة وطيبة وواسعة، وفيها كل شيء، يمكن أن تموت بهذه الطريقة.
لعل ما يحزن فعلا موت كثيرين لم يكن الموت العشوائي واردا إلى أذهانهم بتلك القذائف والرصاصات الطائشة، التي تتساقط بلا بصيرة في البيوت، ذلك أن الميليشيا التي تحارب الجيش تمركزت في بيوت وشوارع الأحياء السكنية، واتخذت من المستشفيات مقار لها، طاردة المرضى من أسرتهم وعنايتهم الطبية.
وأظن أن موت المغنية العظيمة شادن محمد حسين، التي بحثت بجدية عن تراث القبائل الفني في كردفان، وتوجت أيقونة للغناء الوطني، إضافة إلى دعواها الدائمة للمحبة والسلام، بواحدة من تلك القذائف العشوائية، أحزننا كلنا، كانت شادن وجها مفرحا وصوتا جميلا، وعمرا يانعا أردناه أن يمتد كثيرا من أجل الجمال والمحبة، لكن الحرب كما ذكرت ضريرة، وصماء لا ترى ولا تسمع.
ولو نظرنا إلى تجارب شعوب غيرنا خاضت المسار نفسه، وجعلت من الحرب حياة يومية، نجد سنوات طويلة مرت قبل أن تفلت تلك الشعوب من غيبوبتها، أو لنقل يستيقظ المتحاربون، ليبكوا على الحطام الذي أحدثوه، ويتحدثون عن الإعمار الذي قد يعيد شيئا من الحياة القديمة، لكن لن تعود المدن القديمة كما كانت، لن يعود التراث الذي دمر كما كان، ولن تعود للذين أشعلوا الحرب أي مصداقية يتحدثون بها مجددا لشعوبهم.
من الأشياء المؤلمة أيضا ما شاهدناه من نهب غريب للبيوت والممتلكات التي فارقها أهلها على عجل، وهم يبحثون لهم عن ملاجئ آمنة، كل بيت تقريبا تم اقتحامه، وسرقة ما فيه، وهناك أشياء في البيوت لن تعني أحدا غير أهلها، مثل أوراق ثبوتية وتراخيص، وصور شخصية للزفاف، أو لتوثيق أحداث ما، مثل ملابس متسخة، وذكريات جيدة أو أليمة، كلها تمت تعريتها وسرقتها، وفي كثير من الأحيان، وبعد أن ينتهي تفريغ المكان من محتوياته، يتم حرقه، لكأنها حرب انتقامية من أشخاص لا يعرف المنتقم لم ينتقم منهم أصلا، وماذا فعلوا ليحدث لهم كل ذلك، و ليستخدم سياراتهم التي تركوها، أطفال لا يعرفون عن القيادة شيئا، يحركونها ويلقون بها في أقرب خور أو شارع مهجور ويمضون.
الحروب تغيب السلطات بلا شك، تغيب الأمن الذي من المفترض أن يكون مستيقظا وواعيا وداعما للمواطن، لكن لأن لا سلطة لأحد، ولا وجود لمن يراقب ويأمر، ومن يصرف الرواتب، فلن تجد أمنا أبدا، ستظل متفرجا خائفا، وربما تكون شهيدا في أي لحظة من لحظات غضب الحرب وعنفها، وهي في الحقيقة غضب وعنف دائمان.
ما لفت نظري أن كل شيء تم نهبه، ما يستطيع أحد حمله وما لا يستطيع، فقط شيء واحد لم أشاهده في يد أحد، وهو الكتاب، فالسودان بلد قارئ منذ عرفناه، بلد يحب الناس فيه اقتناء الكتب وهناك مكتبة في كل بيت تقريبا، غالبا أسسها جيل الآباء أو الأجداد، وظل كل جيل يغذيها بما يستجد في عالم الكتابة، وما تزال مكتبة والدي في منزلنا في مدينة بورتسودان موجودة، وفيها كتب لن يجدها أحد الآن مثل الطبعات الأصلية لكليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، والسيرة الهلالية، وكتب للجاحظ ودواوين شعر للمعري وأبو تمام، وكثير من الكتب الأخرى، وكلما زرت البيت أجد فيها متكأ طيبا، وملاذا في الساعات التي أنفرد فيها بنفسي.
لا أحد سرق كتابا من مكتبة بيتية أو تجارية، هذا ما انتبهت إليه في تنوع المسروقات التي أشاهدها، وطبعا لم يكن ذلك إيجابيا على الإطلاق، فالكتاب لم يعد مغريا، وما تأخذه لن تجد من يشتريه، إذا عرضته، فالكتب إذن في عدم الاهتمام بها، دافعت عن نفسها حتى يعود أصحابها إليها.
لا أحد يحب الحروب، لا أحد يمجد الحروب، ولا أحد يتمنى أن يصبح وطنه مطية للمدرعات والقذائف، ونباح الطائرات المحلقة، والظلام والجفاف، والانقطاع عن العالم، وانعدام الأمن والغباء أيضا، لأن ثمة تشويشا يحدث دائما في وقت الحروب، وثمة غباء يجعلك تفكر ببطء، أو لا تفكر على الإطلاق، ولأن المناداة بإيقاف حربنا تلك بعد ما أحدثته وتستمر في إحداثه، يعد أمرا غير مقبول من فئات تظن أن الموت ضروري والقتال حتى النصر أمر حتمي، لم يعد أحد ينادي بإيقاف الحرب، يتحدثون عن هدنة إنسانية، ولا نرى على الأرض أي هدنة. فالخروقات هي الأصل، وكل هدنة توقع على الورق دون أي تنفيذ.
أنا لا أستحي من كوني ضد الحروب في كل أشكالها وألوانها ومنطلقاتها، وأميل للتفاوض حتى لو كان ثمة تمرد حدث، فالتفاوض يغني عن موت كل من مات، وتشرد كل من تشرد، وربما يؤسس لأيام مقبلة أفضل من تلك التي انقضت.

إضافة تعليق