أفكار.. هكذا بدأ وهكذا انتهى

عندما صدر المرسوم القاضي بإنشاء مجمع اللغة العربية في مصر منذ بدايات الربع الأول من القرن الماضي، أي منذ أكثر من ثمانين عاماً (13 كانون الأول 1932) كانت مادته الأولى تنص على أن أول أغراضه هو (..أن يحافظ على سلامة اللغة العربية وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها)، وكانت مادته الثانية تنص على

 أن يقوم (...بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتغير مدلولاتها)، وكأن الأمر الماثل في ذهن مشرع هذا المرسوم: أن هذا المجمع من بين أهم أغراضه لابدّ من أن يحقق غرضاً علمياً أكاديمياً يتمثل في وضع هذا المعجم التاريخي لينشر حيوية اللغة العربية ويكشف عن أسرارها.
والواقع ان من أوائل من نادى بذلك (أوجست فيشر)، لاسيما بعد أن صدر المعجم التاريخي الخاص باللغة الانكليزية، وما لاقاه من إعجاب وثناء تردد في أوساط علماء اللغة، فكان أن أراد للغة العربية بما ظفرت به اللغة الانكليزية، لذلك لم يغفل هذا المجمع الناشئ في قلب الأمة العربية أن يوجد في طليعة تكوينه، إضافة إلى علماء مصر وعلماء الشعوب العربية (أوجست فيشر). ومن ذلك التاريخ مازال مشروع المعجم التاريخي للغة العربية مستغرقاً التفكير به وإعداد الخطط لما ينبغي أن يكون منهجه، لكن كلما تقدّم العمل في جمع مصادره ولملمة مادته يتبين مبلغ ما يقتضيه من جهد لا يملك أن يبذله مجمع اللغة العربية وحده، ومنذ ذلك التاريخ (1932) ظل هذا المشروع يتعثّر، لذلك كان من الطبيعي ألا يأتي أي كلام في دورة المجمع الأولى عام (1934)، ودورته الثانية عام (1935) عن المعجم التاريخي. ‏
لكن لم يلبث هذا الموضوع أن بلغ آذان ولاة الأمور، فأعلن وزير المعارف المصري آنذاك (محمد علي علوية) رغبة الدولة في تحقيق ما نصّ عليه قانون المجمع العلمي الثاني. وهكذا لم يكد يحل خريف 1936 حتى أوكل أمر هذا المعجم إلى (أوجست فيشر) كما ذكر في المقدمة التي أراد أن تكون للمعجم إذ يقول: (وأخيراً بدأ في سنة 1936 التطور السعيد، إذ قررت الحكومة المصرية في خريف هذه السنة، بناء على اقتراح مجمع اللغة العربية في القاهرة السماح لي بإتمام العمل في معجمي في القاهرة، وأن تتحمل نفقات طبعه)، وقد سانده في ذلك أعضاء من المجمع المصري مثل (علي الجارم) وآخرون من العلماء العرب.
أما المنهج الذي رسمه لنفسه فكان واضحاً في المقدمة التي أعدّها للمعجم عام 1947، حيث قال: (يجب أن يكون هذا المعجم ملائماً للتطور العلمي للعصر الحاضر، لذلك يجب أن يشتمل على كل كلمة –بلا استثناء- وجدت في اللغة وأن تعرض على حسب وجهات النظر السبع الآتية)، وبعد أن سرد وجهات النظر هذه وذكر أسماءها بالعربية والانكليزية أخذ في شرح أولاها وهي (وجهة النظر التاريخية)، وقد فعل في الحديث عن الوجهة التاريخية للكلمة والأهمية العظمى هي للموضوع الذي وردت فيه الكلمة في آداب اللغة لأول مرة ولكن يجب ألا يغرب عن البال أن كل كلمة قد مضت مدة طويلة في أفواه الناس قبل أن تجد لها مكاناً في الكتب، كما يجب أن يعنى ببدء تطور الكلمة وبآخر تطورها.. وهل لاقت موتاً في الزمن القديم أو الحديث، أو اندثر معنى من معانيها واستعيض عنها بمرادف لها؟... أما الشواهد إذا تعددت فيجب أن يقتصر على أوضحها معنى ويقدم المنسوب إلى قائله ويهمل غيره. كذلك. ‏
هذا هو الأساس الذي وضعه فيشر للمعجم التاريخي للعربية الذي أراد أن ينجزه، لكنه توفي عام 1949، فأخذ تلاميذه على أنفسهم أن يكملوا ما بدأ أستاذهم، فأصدر شباتلر وكريمر أول ملزمة من هذا المعجم بعد وفاته بثماني سنين من أول حرف الهمزة إلى كلمة (أبد)، وكانت آخر أثر من آثار هذا المعجم اللغوي التاريخي حتى يومنا هذا. ‏
ولم يستطع أي معجم من معاجم اللغة المنتشرة في طول العالم العربي وعرضه –وما أكثر أعضائها- إكمال –مع الأسف- ما بدأه (الأجانب) فيشر وشباتلر وكريمر، ربما لأن (بعض) هذه المجامع تحولت إلى هياكل أشبه بمنتديات يحمل أعضاؤها شرف الانتساب إليها وكفى
..

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.