ميلان كونديرا والقضية الفلسطينية: الوعي المغلوط بالصراع العربي الإسرائيلي

«إنّ الحركة الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي»
غسان الكنفاني

يضعنا غياب روائي كبير بحجم كونديرا، أمام معضلة محاكمة التاريخ الأدبي والخلود الأخلاقي لجائزة اللامعنى في القدس المحتلة. جائزة ملطخة بدماء أطفال ورجال ونساء التغريبة الفلسطينية. جائزة أدبية إسرائيلية دولية تمنحها بلدية القدس المحتلة مجازا، لكتاب وكاتبات تتطرق إنتاجاتهم الأدبية إلى حرية الفرد في المجتمع. أمام الوعي الإنساني بالقضية الفلسطينية، رفعت عرائض وحملات دولية وعربية للمطالبة برفض استلام الجائزة ومقاطعتها لأسباب إنسانية وسياسية. مشكلة كونديرا الأساسية أنه لم يقرأ بعيون مجردة القضية الفلسطينية، تاريخا وأدبا ومجتمعا، حتى أنه لم يقترح علينا كأحد الفائزين بالجائزة (الروائي البريطاني إيان ماك إيوان (2011): «بأنه يفضل البحث عن «طرق تتيح تجاوز الانقسامات السياسية، عبر استغلال قدرة النص الأدبي خصوصا الروائي، في النفوذ إلى أذهان الآخرين».
علما أن الرواية، في حد ذاتها شهادة ضد مأساة الإنسان، وهي معادية بطبعها للإقصاء والعنصرية والحقد التاريخي، الرواية تفضح وتكشف أقنعة الزيف الإنساني في صيرورته نحو محو وإلغاء الآخر من ذاكرته الإنسانية، والإنصات العميق لنكون أكثر إنسانية نحو الجار، دون استكبار وغطرسة. الرواية مغامرة العقل الأدبي في تجاوز المراحل العابرة مادية فينا، وصناعة أجيال تحمل بذور السلام والتعايش والتسامح الأخلاقي في إنسان الغد.
يضعنا خطاب ميلان كونديرا في القدس، أمام أسئلة: الفجوة المعرفية، والصمت المثيولوجي، وأدلجة الواقع الصهيوني. هل كونديرا يعرف معنى اللامعنى، وهل يعاني من ازمة اللامعنى؟ وما يقترحه في خطابه السابق من مغالطات أدبية وتاريخية؟ والانبهار وتعظيم دور اليهود في أوروبا، دون نقد هذه الشخصية اليهودية ثقافيا، بما يكشفه من مراجع لمحو أسطورة الشعب الفلسطيني. هذه السقطة للروائي كونديرا لن يغفرها له الشعب الفلسطيني، وكل كتاب العالم الأحرار، لأن خطابه في القدس المحتلة ينم عن وعي مغلوط بالصراع العربي الإسرائيلي.
الأرجح أنّ القارئ العربي لم يكن على اطلاع على هذا الخطاب، وللتاريخ أقدم الترجمة الكاملة للخطاب الذي ألقاه في القدس المحتلة، عند تسلمه للجائزة سنة 1985 أثر حصول روايته «خفة الوجود الذي لا يحتمل» عليها.

ضحك الله

(علما ان هذه الكلمة موجودة في الكتاب المقدس – العهد القديم سفر المزامير 2 و37 و59). «إذا كانت أهم جائزة إسرائيلية هي مخصصة للأدب العالمي، يبدو لي أن هذه ليست مصادفة بل إنها تقليد طويل. في الواقع، إن الشخصيات اليهودية العظيمة هي التي أبدت دائما، بعيدا عن أرضها الأصلية، فوق المشاعر الشعبوية الوطنية، حساسية استثنائية لأوروبا ما فوق القومية، ولم يتم تصورها كأرض، بل كثقافة، إذا كان اليهود، حتى بعد أن أصيبوا بخيبة أمل مأساوية من أوروبا، مع ذلك ظلوا أوفياء لهذه الكوزموبوليتانية الأوروبية، فإن إسرائيل، وطنهم الصغير الذي أعيد اكتشافه أخيرا، تبدو لي على أنها القلب الحقيقي لأوروبا، قلب غريب موضوع خارج الجسد». وبعاطفة جياشة أتلقى اليوم الجائزة التي تحمل اسم القدس وبصمة هذه الروح الكوزموبوليتانية اليهودية العظيمة. أنا أتلقى ذلك كروائي. أؤكد على مفهوم روائي، ولا أقول كاتبا. الروائي هو الذي، حسب فلوبير، يريد أن يختفي وراء عمله. الاختفاء وراء عمله يعني التخلي عن دور الشخصية العامة. ليس الأمر سهلاً اليوم، حيث يجب أن يمر كل شيء مهم حتى من بعد، عبر المشهد المضاء بشكل لا يطاق في وسائل الإعلام، التي، على عكس نية فلوبير، تجعل العمل يختفي خلف صورة مؤلفه. في هذا الموقف، الذي لا يمكن لأحد الهروب منه تماما، تبدو ملاحظة فلوبير بالنسبة لي بمثابة تحذير تقريبا: من خلال إقناع نفسه بدور الشخصية العامة، يعرض الروائي عمله للخطر، الأمر الذي قد يُنظر إليه على أنه ملحق لأفعاله،، وتصريحاته، ومواقفه. الآن ليس الروائي هو المتحدث الرسمي لأي شخص فحسب، بل سأذهب إلى حد القول إنه ليس حتى المتحدث باسم أفكاره. عندما كتب تولستوي المسودة الأولى لـ»آنا كارنينا» كانت آنا امرأة غير متعاطفة وكانت نهايتها المأساوية مبررة ومستحقة.

في «ثلثي كتاب» حياة غارغانتوا وبانتاغرويل لفرنسوا رابليه، تعذب «بانورج» أول شخصية رومانسية عظيمة في أوروبا، بالسؤال: هل يتزوج أم لا؟ يستشير الأطباء، العرافين، الأساتذة، الشعراء، الفلاسفة، الذين يقتبسون بدورهم من أقوال وحكم أبقراط، أرسطو، هوميروس، هيراقليطس، أفلاطون.

حكمة الرواية

النسخة النهائية من الرواية مختلفة تماما. لكنني لا أعتقد أن تولستوي قد غير أفكاره الأخلاقية في غضون ذلك. أفضل أن أقول إنه استمع أثناء الكتابة إلى صوت غير صوت قناعته الأخلاقية. استمع إلى ما أود أن أسميه حكمة الرواية. يستمع جميع الروائيين الحقيقيين إلى هذه الحكمة الخارقة للشخصية، التي تفسر سبب كون الروايات العظيمة دائما أكثر ذكاء قليلاً من مؤلفيها. الروائيون الأكثر ذكاءً من أعمالهم يجب أن يغيروا وظائفهم. لكن ما هذه الحكمة، ما هي الرواية؟ يوجد مثل يهودي مثير للإعجاب: «الإنسان يفكر والله يضحك». مستوحاة من هذه الجملة، أحب أن أتخيل أن فرانسوا رابليه سمع، يوما ما، ضحك الله، وهكذا ولدت فكرة أول رواية أوروبية عظيمة. أحب أن أعتقد أن فن الرواية جاء إلى العالم باعتباره صدى لضحك الله. لكن لماذا يضحك الله، وهو ينظر إلى الإنسان الذي يفكر؟ لأن الإنسان يفكر والحقيقة تفلت منه، لأنه كلما زاد تفكير الناس، ابتعد فكر أحدهم عن فكر الآخر. أخيرا، لأن الإنسان ليس أبدا كما يعتقد. في فجر العصر الحديث، تم الكشف عن هذا الوضع الأساسي للإنسان، الناشئ من العصور الوسطى: يفكر دون كيشوت، ويفكر سانشو، وليس فقط في حقيقة العالم، لكن في الحقيقة المخيفة عن أنفسهم المخفية. رأى الروائيون الأوروبيون الأوائل واستوعبوا هذا الوضع الجديد للإنسان وفهموه، وقد أسسوا عليه هذا الفن الجديد، فن كتابة الرواية. لقد أبدع فرانسوا رابليه العديد من الكلمات الجديدة التي دخلت بعد ذلك اللغة الفرنسية ولغات أخرى، لكن إحدى هذه الكلمات ظلت منسية، ويمكننا أن نأسف لها. هذه هي كلمة «الأجيلاست» agelast ، وهي مأخوذة من اليونانية وتعني: الشخص الذي لا يضحك ولا يتمتع بروح الدعابة. كان رابليه يكره الاجيلاست، وكان دائما مرعوبا منهم، واشتكى من أن «الأجيلاست» كانوا فظيعين تجاهه لدرجة أنه كاد يتوقف عن الكتابة يوما ما، وإلى الأبد. لا يوجد توافق محتمل بين الروائي و «الأجيلاست». لم يسمعوا أبدا ضحك الله، فإن الأجيلاست مقتنعون بأن الحقيقة واضحة، وأن جميع الناس يجب أن يفكروا بالشيء نفسه، ويعتقدون بأن عليهم بالواقع، لكن بفقدان يقين الحقيقة والموافقة الجماعية للآخرين يصبح الإنسان فردا. الرواية جنة خيالية للأفراد، إنها المنطقة التي لا يمتلك فيها أحد الحقيقة، لا آنا ولا كارنينا، لكن حيث يحق للجميع أن يكونوا، وآنا وكارنينا. في الفن الروائي، تم تأكيد وإنشاء وتطوير مفهوم الفردية الأوروبية على مدى أربعة قرون مضت.
في «ثلثي كتاب» حياة غارغانتوا وبانتاغرويل لفرنسوا رابليه، تعذب «بانورج» أول شخصية رومانسية عظيمة في أوروبا، بالسؤال: هل يتزوج أم لا؟ يستشير الأطباء، العرافين، الأساتذة، الشعراء، الفلاسفة، الذين يقتبسون بدورهم من أقوال وحكم أبقراط، أرسطو، هوميروس، هيراقليطس، أفلاطون. لكن بعد كل الأبحاث العلمية الهائلة التي تملأ الكتاب بأكمله، لا يزال «بانورج» لا يعرف ما إذا كان يجب أن يتزوج أم لا. نحن القراء لا نعرف ذلك أيضا، لكن من ناحية أخرى، اكتشفنا من جميع الزوايا الممكنة الوضع، سواء كان كوميديا أم أساسيا، لشخص لا يعرف ما إذا كان يجب أن يتزوج أم لا.

مثل أسطورة بينيلوبي

لذلك، فإن سعة الاطلاع على كتابات فرانسوا رابليه، على الرغم من أنها كبيرة، لها معنى مختلف عن معنى ديكارت. تختلف حكمة الرواية عن حكمة الفلسفة. لم تولد الرواية من الروح النظرية، بل من روح الدعابة والفكاهة. إن إحدى مشكلات أوروبا هي عدم فهم الفن الأوروبي – الرواية لا روحها ولا معارفها واكتشافاتها الهائلة، ولا استقلالية تاريخها. الفن المستوحى من ضحك الله هو، في جوهره، لا يعتمد على اليقين الأيديولوجي، لكنه يتعارض معه، مثل بينيلوبي، قامت أثناء الليل بتفكيك النسيج الذي نسجه اللاهوتيين والفلاسفة والعلماء في اليوم السابق.
في الآونة الأخيرة، كنا نتحدث عن شر القرن الثامن عشر، وتوصلنا إلى هذه الكليشيهات: سوء حظ الشمولية الروسية هو عمل أوروبا، وفلسفتها، خاصة العقلانية الإلحادية للتنوير، وإيمانه بالقدرة الشاملة للعقل. لا أشعر بالكفاءة في الجدال مع أولئك الذين يجعلون فولتير مسؤولاً عن الغولاغ الروسي. من ناحية أخرى، أشعر بالكفاءة للقول: القرن الثامن عشر ليس فقط قرن روسو، فولتير، هولباخ، لكن أيضا (إن لم يكن بشكل خاص!) قرن فيلدنغ، ستيرن، غوته، لاكلوس. من بين جميع روايات ذلك الوقت، أفضل «حياة ورؤى تريسترام شاندي لورنس ستيرن. رواية مثيرة للفضول، يفتتحها ستيرن مع استحضار الليل عندما تم تصور تريسترام؛ لكنه بالكاد يبدأ في الحديث عنها حتى تغريه فكرة أخرى على الفور، وهذه الفكرة، من خلال الارتباط الحر، تذكره بانعكاس آخر، ثم حكاية أخرى، بحيث يتبع الاستطراد الآخر، وينسى تريسترام، بطل الكتاب لمئة صفحة. يمكن أن تظهر هذه الطريقة الباهظة في سرد الرواية كلعبة رسمية بسيطة، لكن في الفن، الشكل دائما ما يكون أكثر من مجرد شكل. تقدم كل رواية، إجابة على سؤال ما هو الوجود البشري وأين يقيم شعره؟ عرف معاصرو ستيرن، كالروائي فيلدنغ على سبيل المثال، بشكل خاص كيفية تذوق السحر غير العادي للحركة والمغامرة.

تظهر الحياة كمسار مضيء للأسباب والآثار والفشل والنجاحات، والإنسان، الذي يثبت نظرته غير الصبور على التسلسل السببي لأفعاله، يزيد من تسريع سباقه المجنون نحو الموت.

الجواب الضمني في رواية ستيرن مختلف: الشعر، حسب قوله، لا يكمن في العمل لكن في انقطاع الفعل وتوقفه. ربما بشكل غير مباشر هناك حوار كبير هنا بين الرواية والفلسفة، تستند عقلانية القرن لقولة الفيلسوف لايبنتز الشهيرة: «لا شيء يوجد دون سبب». العلم، الذي تحفزه هذه القناعة، يفحص بعزم سبب كل الأشياء، بحيث يبدو كل ما يمكن تفسيره، وبالتالي يمكن حسابه. الرجل الذي يريد أن يكون لحياته معنى يتخلى عن كل لفتة لا يكون لها سببها وهدفها. كل السير الذاتية مكتوبة هكذا. تظهر الحياة كمسار مضيء للأسباب والآثار والفشل والنجاحات، والإنسان، الذي يثبت نظرته غير الصبور على التسلسل السببي لأفعاله، يزيد من تسريع سباقه المجنون نحو الموت.
في مواجهة هذا التحول في العالم إلى التتابع السببي للأحداث، تؤكد رواية «ستيرن» بشكلها الوحيد: الشعر ليس في العمل لكن حيث يتوقف عن العمل؛ حيث يتم كسر الجسر بين السبب والنتيجة، وحيث يتجول الفكر في حرية خاملة لطيفة، يقول شعر الوجود إن رواية ستيرن في حالة استطراد، إنه في ما لا يحصى، إنه على الجانب الآخر من السببية، إنه جيب الاختصاص، دون سبب. إنه على الجانب الآخر من حكم لايبنتز.
لا يمكننا الحكم على روح قرن حصريا وفقا لأفكاره ومفاهيمه النظرية، دون مراعاة الفن، خاصة الرواية. اخترع القرن التاسع عشر القاطرة، وكان من المؤكد أن هيغل استوعب روح التاريخ العالمي. اكتشف فلوبير الغباء، أجرؤ على القول إن هذا هو أعظم اكتشاف في قرن فخور جدا بمنطقه العلمي. بالطبع، حتى قبل فلوبير، لم يكن هناك شك في وجود الغباء، لكننا فهمنا الأمر بشكل مختلف قليلاً: كان يعتبر غيابا بسيطا للمعرفة، وهو عيب يمكن تصحيحه عن طريق التعليم. في روايات فلوبير، الغباء هو بعد لا ينفصل عن الوجود البشري، إن البلاهة تصاحب إيما بوفاري المسكينة طيلة عمرها حتى إلى سرير الحب، حتى إلى سرير الموت الذي بقربه اثنان من الأجيلاست الرَّهِيبَين، هومي وبورنيزيان، سيتبادلان بلاهاتهما كما لو أن الأمر نوع من التأبين، لكن الأكثر إثارة للصدمة والأكثر فضيحة في الرؤية الفلوبرية للغباء هو: الغباء لا يختفي قبل العلم والتكنولوجيا والتقدم والحداثة؛ بل على العكس من ذلك، فإنه يتقدم أيضا مع إحراز التقدم العلمي!
بشغف شرير، جمع فلوبير الصيغ النمطية التي ينطق بها الناس من حوله، الذين يرددون لكي يبدوا أذكياء ومطلعين. قام بتأليف «قاموس الأفكار المتلقاة» الشهير. دعونا نستخدم هذا العنوان لنقول: الغباء الحديث لا يعني الجهل، بل عدم حكمة الأفكار المسبقة. الاكتشاف الفلوبرتي أكثر أهمية لمستقبل العالم من أكثر الأفكار المزعجة لماركس أو فرويد، يمكننا أن نتخيل المستقبل دون صراع طبقي أو دون تحليل نفسي، لكن ليس دون الصعود الذي لا يقاوم للأفكار المسبقة، التي قد تصبح قريبا، مدرجة في أجهزة الكمبيوتر، والتي تروجها وسائل الإعلام، تصبح تقريبا قوة تسحق كل الفكر الأصلي والفردي، وبالتالي ستخنق جوهر الثقافة الأوروبية في الأزمنة الحديثة..
وفي هذه المدينة ذات المصير الدرامي والقاسي، قررت أن أتحدث فقط عن الرواية؛ ربما كنت قد فهمت أن هذا ليس من جانبي شكلاً من أشكال الهروب، مما يسمى القضايا الخطيرة. لأنه إذا بدا لي أن الثقافة الأوروبية مهددة اليوم، إذا كانت مهددة من الخارج ومن الداخل في أثمن ما لديها – احترامها للفرد، لفكره الأصلي وحياته الخاصة – يبدو لي أن هذا الجوهر الثمين للفردية الأوروبية يترسب، في الصندوق الفضي، لحكمة الرواية، لهذه الحكمة أردت أن أشيد في خطاب الشكر هذا، لكن حان الوقت للتوقف. كدت أنسى أن الله يضحك عندما يراني أفكر».

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.