صحّحّ لسانك

حملة دار الفكر لتصحيح اللسان العربي من الأدران اللغوية
بقلم: أسماء عبيد
لا يختلف اثنان على وجود هجمة غربية شرسة استهدفت ، ولا تزال ، طمس معالم حضارتنا وتراثنا وتاريخنا العربي والإسلامي المجيد ، وشملت الهجمة المنظمة ، والمخطط لها بعناية ضمن منهجها التدميري ( تخريب لغتنا العربية الجميلة ) ، لغة الضاد والقرآن الكريم ، فراحت تروّج أفكاراً ما أنزل الله بها من سلطان ، مفادها أن لغة العرب معقدة وصعبة ولا تتناسب مع تطورات العصر الحديث ! وأنها لغة المتخلفين ثقافياً ؟؟؟؟ فتوجهت إلى الشباب العربي بطوفان من البرامج المرئية والإذاعية ، وعبر شبكة المعلومات العنكبوتية التي عرفها العالم بالإنجليزية باسم ( الإنترنت ) .
والنتيجة أن شبابنا ( ذكوراً وإناثاً ) ، بل ومن مختلف الأعمار، صاروا ينطقون العربية بألسنة معوجّة مترافقة مع كلمات أجنبية هي عبارة عن خليط أومزيج من اللغات واللهجات الغربية ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( هاي ، باي ، بونجور ، أور فوار ، ستايل ، جنتلمان ، مدام ، برافو ، شيبس ، هوت دوغ ، كراج ، تلفزيون ، سينما ، تلفون ، راديو ...... إلى آخره ) ومن المؤكد أن الاستعمار الأجنبي للأراضي العربية فيما مضى من الزمان ، كان له أثره البالغ في ألسنة الأنام ، من خلال ما اتبعه المستعمرون من خطط لمحاربة اللغة العربية المتمثلة بسياسات الفرنسة والتتريك ، حين فرض الاحتلال الفرنسي اللغة الفرنسية على البلدان العربية التي كانت تحت سيطرته ، وكذا فعل الأتراك والإنجليز، وربما سيكون للاحتلال الأمريكي الغاشم للعراق أثره ، في قابل السنين ، على المنطقة العربية كلها وليس العراق وحده الذي يرفض أهله الخضوع لسياسات المحتل .
شخصياً أجد نفسي أحيانا أنطق بعض الكلمات الآنفة الذكر وغيرها ، مجبرة حيناً ومخيّرة حيناً آخر، لسيادتها في الشارع ، فإذا ما تحدثت بلهجةٍ قريبةٍ إلى الفصاحة قد يضحك الآخرون أو يغتاظون ويبدون انزعاجهم ، معتقدين أنني ( أتفلسف عليهم ) كما يقال ، ولكن لن أيأس ، وأبدأ بتصحيح لساني أولاً قبل أن أدعو الآخرين إلى ذلك ،علماً أنني مشغوفة باكتشاف المزيد عن لغتنا العتيدة ودخلت دورات عدة لسلامة اللغة ، ويسعدني ما حققته من تقديرات ودرجات متقدمة ، بحكم عملي إذاعيةً ومعدةَ برامج ، وهذا ما أفخر به .
ومن المؤسف أن يصبح معيار الشخص المثقف بنظر شباب اليوم هو من تغلب على حديثه لغة أجنبية أخرى غير لغته الأم ، وهو تصور خاطئ تماماً ، فلا مانع من إتقان لغة ثانية نتحدث بها عند الضرورة حين نلتقي شخصاً أجنبياً أو عند السفر والدراسة في بلد غربي ، أو المشاركة في مؤتمرات وندوات خارجية ، حتى إن عدداً من المسؤولين العرب يجيدون التحدث بلغات مضافة إلى العربية للتفاهم مع نظرائهم الأجانب ، إلا أنّ ثلّةً من الناس يرون أنّ عليهم التحدث بلغتهم ، حتى لو كانوا يجيدون غيرها خلال زياراتهم الخارجية على الأقل ، ليظهروا مدى اعتزازهم بلغة الضاد ، كما فعل الرئيس الروسي ( فلاديمير بوتين ) ، على ما أذكر، لدى زيارته بلداً عربياً شقيقاً ، حين تحدّث بلغته الأم رغم إجادته العربية ،واضطر المَزورون إلى ترجمة حديثه ، فلماذا لا نفعل مثله ؟! هل هو أكثر اعتزازاً بروسيّته ولغته من اعتزازنا نحن بعربيتنا ولغتنا ؟
ولا بأس أن نعرّج على شؤون حياتية أخرى قريبة من الموضوع في الوقت ذاته ، ونطرح أسئلة من المؤكد أنها وردت على أذهان كثيرين .. لماذا يحفظ أبناؤنا وبناتنا الأغاني الغربية بشراهة غريبة في الوقت الذي لا يفهم الغربيون أغانينا ولا يرددونها بالمقابل ؟ وعلى أي
أساس نقلدهم تقليداً أعمى في ارتداء الملابس المخزية و ( العشوائية ) التي لا يعرف لها تصميم محدد ، لأنها من العلامة التجارية الفلانية ، دون مراعاة للذوق ومدى مناسبتها لبيئتنا الشرقية المحافظة ؟ لماذا نتبعهم ونحن من علّم البشرية ارتداء الملابس وستر الجسم مذ عهد آدم وحواء ( عليهما السلام ) حين طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ؟ كيف جعلنا من أنفسنا مستهلكين لمنتجاتهم التي يحاربوننا بعائداتها ؟
العرب أهل الحضارة .. نحن من علّم العالم الكتابة منذ فجر التاريخ حين اكتُشفت أول مرة على أرض الرافدين ..نحن رواد العلوم والفلك والطب والثقافة والتاريخ العريق ، فلماذا لا نعود إلى المقدمة ونكون قدوة للغرب كما في العهود السابقة ؟ وبعضهم يقرّ بذلك ، فكتب ابن رشد مثلاً تدرّس حتى اليوم في الجامعات الغربية ..إذن ِلمَ نقلدهم في كل شيء ، ويسوّقون إلينا بضاعتهم الكاسدة الفاسدة ونستقبلها برحابة صدر، في حين يَسِموننا بالإرهاب والتخلّف ،ويربطون صورة العربي بالجَمَل ( البعير ) والصحارى والخِيام ، ويطلقون علينا صفة الغباء ؟! ويحاربوننا في عقر ديارنا ويحتلون أراضينا ؟ .. هل أصبحنا مستسلمين ، خانعين ، خاضعين إلى هذه الدرجة ؟ .. وما دامت النار لا تصل داري فليكن من بعدي الطوفان ؟!والله إنه لعار كبير ، أفيقوا من سباتكم وتيقنوا مما يحاك لكم من مؤامرات ودسائس .
والله يؤلمنا أن نكون مقلدين لترّهات وتفاهات الغرب ، في الوقت الذي يخجل بعضهم من التحدث بعربيته في بلده ؟ حتى إنه لا يتقنها أو يُدخِل عليها مصطلحاتٍ وألفاظاً مستحدثة بحجة التطور .
المطلوب منّا قيادة حملة مضادة للحملة الغربية المُشوِّهة للغتنا ، وأن نُسهِم جميعاً في استعادة ألقها وحضورها القوي ، ولنزرع بذورها الصحيحة في نفوس الأطفال ، ونحثهم على القراءة المتواصلة فتكبر معهم شيئاً فشيئاً ، والعلم في الصغر كالنقش على الحجر يظل طويلاً في البال ، والطفل ينشأ على ما يعوّده عليه أهله ... أيدينا في أيديكم ولنطلق حملتنا لمساندة لغة الضاد ، ولتستقم ألسنتنا بإزالة أمراض التلوث اللغوي عنها فتنطق بلسان عربي مبين ،
و( َصحّحّوا ألسِنَتَكُم ) .

إضافة تعليق