لماذا يكره المثقفون بعضهم؟

إنّ اختلاف العقول أمر طبيعي..ولكن اختلاف الذين يوجهون العقول بسبب أمور شخصية وأحقاد خاصة وضغائن، له تأثير في نطاق أوسع وأشمل وقد يؤثر في تاريخ الثقافة نفسه، خاصة عندما يصطدم كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء، ويتصاعد التّوتر بين مؤيديهم ويمكن أن يتطور إلى آثار سياسية مزعجة. تصادم الكبار، سيعرّض أعمالهم إلى التخريب، وربما يؤذيهم نقديًا من أنصار الطّرف الآخر. أو يؤدي إلى تأخر نشرها، أو عدم نشرها، فيما اذا اصطف مثقفو البلاط ضد أحدهم، سينجحون في تهميشه وإبعاده وحتى في نفيه كما حصل لدانتي مع أمراء فلورنسا. هذا العراك غالبًا ما تكون له عواقب وخيمة لجميع المعنيين.

من أساليبهم

المثقفون لا يحبّ بعضهم بعضاً.. عاش تولستوي وتورغينيف خصومات وأحقاداً لغاية وفاتهما، تولستوي بعد ربع قرن خصومة مع تورغينيف في يوم الصّلح خاطبه: لماذا يبدو وجهك كالحصان!

ماركيز تلقى لكمات وشتائم من يوسا.. عندما يريد أديب «تدمير» أديب آخر: عندما سألوا بورخيس عن ماركيز أجاب: ليس سيئًا. وعن «مائة عام من العزلة» قال خورخي لويس: هناك 50 عامًا متبقية، يقصد نساها ماركيز!

فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة أبو حيان التّوحيدي اتهموه بالضلال والاختلاق، وبعد أن تأكد أنها دنيا جاحدة، أحرق كل كتبه.

المثقفون سادة «ذر الرماد في العيون»، وهم أساتذة التّظاهر بالمساعدة، لا ينشرون لك «ندوة مرموقة» وصورة كتابك الرّصين، لكنّهم يسلطون الضّوء على أتفه ما فيك... البياتي حينما زاره حميد سعيد في اسبانيا قام بتعريفه على الأدباء بأنّه رئيس الاتحاد الوطني للطلبة، بينما وصفه عند بائع شاورما أنّه أعظم شاعر. نفس الأمر عمله المسؤول عن الثقافة والأمين على الأدب وراعي الشعر والمبشّر بالمواهب الجديدة والمحتفي بالفلتات، كان يعرفني على ضيوفه الأدباء كمسؤول العلوم والتكنولوجيا في الجريدة، وهو نفسه يقول للسيد الذي يجلب لنا الشاي: هذا أعظم روائي ومثقف قابلته. 

صنّاع الأصنام

ما يسمون بـ«المثقفين»، لا يرحمون خصومهم بأيّة زلّة أو خدش للديموقراطية، لكن عيونهم تعمى إزاء الجرائم الكبرى التي يرتكبها أنصارهم العقائديون، وحتى الطائفيون سيكون المجرم اليساري والبروليتاري والقومي والمذهبي والقبلي... على حقّ، بل جرائمه مقدّسة، ما دامت تنسجم مع أهواء «المثقف» وميوله.

المثقفون أساتذة «الشّللية» والانتقاء وسادة المعايير المزدوجة، ويملكون حصرياً ابتكار «عبادة الفرد» قبل السّاسة.. هُم أول من صنع الأصنام التي يأكلونها. يحدثنا ابن رشيق القيرواني في كتابه «العمدة»- ج? ص ??? باب البديهة والارتجال، أنّه حينما امتدح أبو تمام أحمدَ بن الخليفة المعتصم في قصيدة:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ

في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

فقال يعقوب بن إسحق الكِندي: «إن الأمير فوق ما وصفت! فأطرق أبو تمام قليلاً، فحضره بيتان ارتجلهما، على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه

مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

فاستطاع الشاعر في رده الحصيف أن يحوزعلى ثقة الخليفة، ويقال إنه أصبح واليًا على المَوصِل جزاءً على سرعة بديهته.

وقيل: أخذ الكندي الرقعة التي كان قد دوّن فيها أبو تمام القصيدة، فلم يجد فيها هذا الرد المفحم فقال متفرسًا: «إنّ هذا الرجل لن يعيش طويلاً، لأنه ينحت من قلبه». وقد صدقت فراسة الكِنْدي، حيث توفي أبو تمام عن ثلاث وأربعين سنة.

وحينما أنشد أبو العتاهية قصيدة يبارك فيها المهدي بالخلافة:

أتته الخلافة منقادة اليه تجرر أذيالها

فلم تكُ تصلح إلا له ولم يكُ يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها

اندهش الحاضرون من سلاسة اللفظ وقوة البلاغة، وقد كان بشار بن برد حاضرا، فحسد أبا العتاهية فقال مقللا من قيمة الأبيات: انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن كرسيه؟!

قال ابن كثير مخاطبًا ابن قيم الجوزية، أوقات خصومتهما: «أنت تكرهني لأنني أشعري، فردّ عليه: لو كان من رأسك الى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك».

الشقيقتان برونتي

ونزاعات الأدباء طالت حتى الأشقاء، مثل حكاية الشقيقتين التي بدأت عام 1845، إثر أعمال العائلة التجارية الفاشلة، ما جعل الشقيقتين برونتي، وشقيقهما برانويل، عاطلين عن العمل. لكن شارلوت برونتي الطموحة كان لها خطّة جديدة لكسب المال وهي نشر روايات وشعر العائلة، وواجهت صعوبة في إقناع شقيقتها إميلي برونتي التي لم تتنازل وتنشر قصائدها، لأن مبدأها هو الكتابة لنفسها وليس من أجل الربح. الأمر الذي جعل شارلوت تتسلل إلى غرفة نوم أختها بينما كانت إميلي خارج المنزل. لكن سرعان ما اكتشفت إميلي أن مكتبها قد تعرض للسرقة واندلع شجار بينهما بسبب الاختلاف في نظرة الشقيقتين إلى الأدب، حيث كانت شارلوت متعطشة للشهرة وتسعى إلى إصدار مجموعة شعرية مشتركة مع أختها وتعتقد أن ذلك من شأنه أن يطلقها في الساحة الأدبية. في النهاية تدخلت الشقيقة الصغرى آن برونتي، في التفاوض وأقنعت إميلي التي أذعنت لنشر إنتاجها في مجموعة قصائد «كورير وإيليس» و«آكشن بيل» تحت مسمى «الشقيقتان برونتي» في عام 1846 من قبل الناشر إيلوت وجونز في لندن. ومنيت المجموعة الشعرية بفشل تجاري هائل، حيث تم بيع نسختين فقط. ولكن ذلك جعل الشقيقات يتجهن إلى كتابة الرواية ليكتسبن شهرة واسعة الآفاق إلى يومنا هذا.

الحقد على الأندلسي
يخبرنا الدكتور منجد مصطفى بهجت في كتابه «الأدب الأندلسي - من الفتح حتى سقوط غرناطة» الصادر عن جامعة الموصل، بكمية الحقد الذي ناله ابن عبد ربه الأندلسي بسبب كتابه «العقد الفريد» لاحتوائه على الأخبار والأمثال والحكم والمواعظ والأشعار وغيرها. وبالرغم من أهمّية الكتاب البحثية والعلميّة واعتباره من أفضل كتب الفوائد، فإن المعتمد بن عباد سخر منه وسماه «عقد الثوم» قائلاً: «هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننتُ أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم (يقصد الأندلس) وإنما هو يشتمل على أخبار بلادنا (يقصد المشرق)، لا حاجة لنا به».

حفلة الهمذاني

ومن ضمن ما نقله ياقوت الحموي في «معجم الأدباء»، سعي بديع الزمان في بداية مسيرته الأدبية لإثبات نفسه أمام كبار أدباء عصره، في حين كان الخوارزمي علماً في عصره، وشيخ أدبائهم، فاستغل بديع الزمان أية فرصة للتعرف عليه ومناظرته. وكان يكرم الناس ويلاطفهم بالتملق كي يضمن الحشود من حوله، فقال سيسعدنا أن نسمع منك شيخنا ما تحفظه من شوارد الأبيات، وحكم الأمثال، وعجائب القصص والأخبار، فتسألني وأسألك، وتباحثني وأباحثك، فتعم الفائدة علينا جميعا، وإن شئت بدأنا بأكثر شيء برعت فيه شيخنا، وهو الحفظ.

فأحجم الخوارزمي عن الحفظ لكبر سنه، وقال: سأبادهك (أي سرعة البديهة في الرد)، فتبادلا الأبيات وكان الهمذاني يسخر من الخوارزمي ويخرج له أخطاء نظمه، وكذلك الخوارزمي، ولكن الحظوة لم تكن للخوارزمي وبعد طول الصراع (وقد أخذ منه الغضب مأخذه)، فقال للهمذاني: لأتركنك بين الميمات.

فقال بديع الزمان: ما معنى الميمات؟

أجاب الخوارزمي: بين مهدوم، ومهزوم، ومغموم، ومحموم، ومرجوم، ومحروم.

فقال بديع الزمان: لأتركنك بين الهيام والسقام والسام والبرسام والجذام والسرسام.

وبين السينات: بين منحوس، ومنخوس، ومنكوس، ومعكوس.

وبين الخاءات: من مطبوخ، ومسلوخ، ومشدوخ، ومفسوخ وممسوخ.

وبين الباءات: بين مغلوب، ومسلوب، ومصلوب، ومنكوب.

فتجمع الناس حول بديع الزّمان (الذي كان يدفع لهم الأموال لكي يعظمونه ويسخروا من الخوارزمي) وأعظموا عليه بالثناء والمديح والإكرام، وعاد الخوارزمي إلى داره يجر أذيال الهزيمة، وقد انكسر انكساراً شديداً، لذلك مات بعد زمن يسير من هذه الحادثة.

الخوارزمي بالطبع أحسن بكثير من الهمذاني وأشهر، فهو عالم متنوّع وعبقري، بينما الهمذاني شاعر متطفّل صغير، نفاق النّاس جعله يبرز على حساب الخوارزمي، في مناظرة باطلة من النّاس الذين لم يكونوا أمناء بتملّقهم للهمذاني وضربًا بالخوارزمي الذي تسبّبت في موته.  

فان كوخ وبول غوغان

في مجتمع الفنّ حيث يمكن للأشخاص المبدعين والمتشابهين في التّفكير أنّ يتعايشوا في بيئة تعزز الإنتاجيّة والانسجام. ولكن هذا المفهوم يبدو مثاليًا وممكناً على الورق فحسب. ولكن تنفيذه يمثّل تحديًا في الواقع، كما ثبت من خلال التّجربة الفاشلة التي تمثّلت في التّعايش التّاريخي بين فينسنت فان كوخ وبول غوغان، العبقريين اللذين يعيشان معًا يمكن أنْ تكون نهايتهما كارثية تمامًا.

رتب ثيو شقيق فان كوخ، عملاً لبول غوغان كمدير أعمال والمشرف على فينسنت مقابل 150 فرانكًا شهريًا، وأقام هو وفان كوخ منزلًا معًا في آرل، في فرنسا في أكتوبر عام 1888. كان المكان جميلاً ليصبح مرسمًا منتجًا، لكنه أصبح فيما بعد كابوسًا. فلم يتفق رفيقا السكن على أيّ شيء. كانت شخصيتاهما وأساليب عملهما غير متوافقة تمامًا. وغالبًا ما كان غوغان يوجه اللّوم إلى فان كوخ للتسرع في رسم لوحاته، وباءت محاولاته بالفشل لجعله يصبر أكثر لتعليمه على التّقنية الدّقيقة التي لم تكن لدى فان كوخ. بدوره، انتقد فان كوخ بشدة انشغال غوغان بالرسم من أجل الربح، معتقدًا أنّ عمليّة الخلق نفسها هي هدفه من الرّسم وليس الرّبح المالي. ولم يقتصر خلافهما على الأمور الفنّية والتّقنية والمبدئية فحسب، بل وحتى في إدارة المنزل، فلم يكن لديهما مدبرة منزل وتحول منزلهما إلى مكان لا يطاق. وبعد 63 يومًا من الجدل اليومي الشديد، غادر غوغان المنزل من أجل إنقاذ صداقتهما وعاد فينسنت الحزين إلى وحدته، ما جعله يرتكب فعلته الشّهيرة بقطع أذنه.

سيبويه والكسائي

في كتابه «الوعظ القصصي والوعظ الكاذب» الصادر عام 2012، يحدثنا كامل كيلاني عن المناظرة التي دارت بين سيبويه إمام مدرسة النّحو في البصرة، والكسائي إمام النّحو في الكوفة، مرجحاً أن الحق كان في صف سيبويه. والمسألة الخلافية التي دارت بين سيبويه والكسائي كانت حول مقولة مفادها: «كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور». وكان سيبويه يرى أن تكملتها تتمثل في «فإذا هو هي»، وليس «فإذا هو إياها»، فيما قال الكسائي إن «الوجهين جائزان».وتفاصيل هذه القصة جرت في مجلس يحيى البرمكي وزير الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكان الكسائي ذا حظوة عندهما، ولما وافقا الكسائي انقبض خاطر سيبويه، فخرج من بغداد إلى فارس يتوارى من الناس من سوء ما لحقه، ولم يقدر على العودة إلى البصرة، ومات غمًّا هناك في ريعان شبابه.  

حرب الأزواج

وخلافات المثقفين مستمرة حتى لو كانوا أزواجًا.. وهذا ما حدث بين سكوت فيتزجيرالد وزيلدا فيتزجيرالد. بدأ الخلاف عام 1932، عندما سئمت زيلدا الوجود في ظلّ زوجها الشّهير وكانت تريد الظهور ككاتبة مبدعة بشكل مستقل. وجلّ طموحها التفوق على روايات سكوت «هذا الجانب من الجنة» (1920) وتحفته الرائعة «غاتسبي العظيم» (1925). وفي الوقت الذي كانت تكتب فيه، كانت زيلدا تخضع لعلاج الصحة العقلية في مستشفى جون هوبكنز في بالتيمور بولاية ماريلاند. كانت كتابة الرواية بمثابة تمرين علاجي تم إجراؤه بتشجيع من طاقم العيادة المتعاطفين. لكن سكوت الغاضب من المخطوطة التي كتبتها، طلب منها حذف المقاطع التي تحتوي على مشاهد اعتبرها تمسّ خصوصيتهما (بالرغم من أن سكوت وظّف الكثير من حياة زيلدا الخاصة واستخدمها في روايته «هذا الجانب من الجنة»). تم نشر رواية زيلدا «Save Me the Waltz» في النهاية ضد موافقة سكوت، من قبل ناشر سكوت نفسه ماكسويل بيركنز في عام 1932. ولكن في خضم الكساد الكبير، لم تكن عقول الناس المتوترة مركزة في المقام الأول على الأدب، لذلك مرّ إنجاز زيلدا دون اعتراف كبير من النّقاد أو الجمهور. لكنها على الأقل شعرت بالانتصار على زوجها الذي كان يحاول فرض هيمنته الأدبيّة عليها، عن طريق إثبات نفسها ككاتبة مستقلة قادرة مثله بنفس القدر. وأدت هذا المشاجرة (الأدبية) إلى افتراقهما ولم يلتقيا لمدة عامين لغاية وفاة الزوج.

محكمة سقراط

حكم على سقراط بالإعدام من قبل محكمة شعبية مكونة من 500 عضو، وكانت النتيجة: 280 صوتًا لمصلحته و220 ضده... علمًا أن الـ220 كانوا جميعهم فلاسفة.

كتب الروائي والشاعر روبرت برازيلاتش قصيدة قبل يومين من إعدامه بـ«جريمة فكرية»، بعد أن رفض شارل ديغول منحه العفو.. جاء فيها:

«أيّ شيء، يا ربّ

متى شئت، ممكن،

الطفل ضمّ يديه...»

لا يزال الجدل قائمًا عن نهايته، التي لعب «أصدقاؤه» المثقفون والصحافيون الدور الرئيس فيها.

توفي فولتير في 30 مارس 1778 وقال للقس المصرّ على «توبته»: «دعني أرقد بسلام»، رفضت الكنيسة دفنه، ودفنه أصدقاؤه سرًا.

بسبب كتب فولتير، لم يخلع الشاب فرانسوا جان دي لا بار قبعته في موكب ديني، قطعوا رأسه وأحرقوه مع قاموس فولتير الفلسفي الموجود في منزله... كتب جالدوس: تولد الحرية من الاضطهاد.

أخطر عدو للمثقف
اعتبر أخطر عدو للمثقف، مثقف مثله، ومَن يقلل من شأنه.. مثقف مثله، ومَن يمنع كتبه وحتى يحرقها.. مثقف مثله.. إن تاريخ المثقفين مرير بالأمثلة.. وما إن تحتدم المواجهة بين «المثقف» والسلطة الغاشمة، فأشدّ الطعنات وأقساها غدرًا، سيتلقاها، من مثقف مثله، وليس من عتاة الأمن. وهذه مصيبتنا.. المثقف يضربه مثقف مثله وليس حاكم أو جلاد.. المناضل النزيه يقتله مناضل مثله.. الفنان يهاجمه فنان مثله.. المغرد يخرس صوته مغرد مثله. بينما السلطة الغاشمة لا تفعل شيئاً بيدها: المثقف هو الذي يكتب التقارير عن المثقف، السياسي هو الذي يطعن السياسي، الرياضي هو الذي يكسر الرياضي، الصحافي هو الذي يُشهّر بالصحافي، الأمني هو الذي يَشي بالأمني، الشرطي هو الذي يقبض على الشرطي، الجار هو الذي يتنصّت على الجار.. السلطة تتفرّج عليهم فحسب.. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

المتنبي وابن عباد

يسرد الدكتور ناظم رشيد في كتابه «الأدب العربي في العصر العباسي» الصادر عن جامعة الموصل، حكاية طلب الصاحب بن عباد من المتنبي أن يمدحه... لكن المتنبي لم يلب دعوته إلى أصفهان فنقم ابن عباد فألف رسالة بعنوان: «الكشف عن مساوئ شعر المتنبي» حيث كشف بتأليفها عن كرهه للمتنبي. ويذكر ما قاله أبو فراس الحمداني لسيف الدولة الحمداني ابن عمه عن المتنبي واصفًا إياه بـ«المتشدق»، ووصل حسده إلى أن يقول: «أنت تقوم بمنحه ثلاثة آلاف دينار كل عام عن ثلاث قصائد فحسب، وتستطيع أيّها الأمير أن تـمنح من تلك الثلاثة آلاف مئتي دينار لعشـرين شاعراً، فيقولون عنك خيراً مما يقوله فيك»، وهكذا اقتنع سيف الدولة بما قاله أبو فراس وقام بتنفيذه. وبسبب وشايات الشعراء أيضًا بعضهم على بعض، التي تعود أسبابها إلى الغيرة والحسد، فقد توتر الوضع لغاية ما وصل الى اعتداء ابن خالويه على المتنبي في حضور سيف الدولة، حيث رماه بدواة الحبر وسال الدم من وجهه في بلاط سيف الدولة وبحضوره، حيث لم يحرك ساكنًا. 

كامو وسارتر

بداية عصر الفلسفة الوجودية لم تتميز بالانتشار الكبير فحسب، بل كانت بداية انهيار أشهر الصداقات التي يُفترض أنها قوية. وكانت وجهات النظر السياسية نقطة الحسم في قصم ظهر العلاقة بين العملاقين الأديبين جان بول سارتر وألبرت كامو، وهي إحدى النزاعات العامة الأكثر متابعة في القرن العشرين بعد الحرب، التي تبدو وكأنها مزيج من مناظرة على منصة عامة. بدأ النزاع شخصيًا، مع رفض ألبير كامو اقامة علاقة مع الكاتبة سيمون دي بوفوار التي كانت في علاقات عديدة، إضافة إلى علاقتها مع سارتر وتطور هذا الحادث الشخصي جدًا، إلى مناطحات علنية ومواقف معاكسة بشأن الشيوعية... على الرغم من ميل الرجلين إلى اليسار طوال مسيرتهما المهنية، فإن وجهات نظرهما حول السياسة والمجتمع تعارضت في النهاية. قام سارتر، من خلال كتاباته المؤيدة للشيوعية، بتوثيق موقفه المؤيد لاحتكار الدولة لكلّ شيء والتضحية البشرية، من أجل المصلحة الجماعية. ودعم ستالين وعقوبات الإعدام والعنف الثوري الذي تميزت به المرحلة الستالينية. وهذا رفضه كامو تمامًا... ورأى أن هناك في الاتحاد السوفيتي عنفا غير مبرر، واعتبر حكم ستالين والاتحاد السوفيتي نظامًا شموليًا مقيتًا وكانت مقاهي باريس والمجلات الأدبية المتداولة في ذلك الوقت ساحة معركة لخلاف سارتر وكامو. وفي سبتمبر 1952، نشرت مجلة Les Temps modernes التي يديرها سارتر وبوفوار عددًا مكونًا من 70 صفحة هاجما فيه كامو بحرب وإعلان قطيعة رسمية بينهم وإن اتخذت أسلوبًا فلسفيا. وبعدها ظلّ سارتر وكامو أعداء فكريين لبقية حياتهما. ومع ذلك، بعد وفاة كامو المفاجئة في حادث سيارة في عام 1960، أعرب سارتر عن أسفه لأن نزاعهما قد تصاعد إلى مثل هذا العداء الشديد. وقال في اعتراف مسجل: «ربما كان آخر صديق جيد لدي».

من ضمن ما قال سارتر موجها كلامه لكامو في عدد المجلة المذكورة: «كتابك شهادة على عدم كفاءتك الفلسفية؟ قراءتك تبدو شاقة»، «مثل كل الحالمين، خلطت بين خيبة الأمل والحقيقة»، «هل ستعيش حياتك كلها بين قوسين؟». فأجابه كامو: «أنا متعب كالمجاهدين القدامى الذين لم تخفهم صراعات زمنهم للاضطرار لتلقي الدروس من الرقباء الذين لم يفعلوا شيئًا سوى وضع كراسيهم بدل التاريخ»... «يجب عدم قتل الحقيقة بنفس الأسلحة التي يتم الدفاع عنها، لكي تستعيد الكلمات معناها»... «دور المثقف التمييز بين حدود القوة والعدالة».

المجتمع المريض

ربّما لهذه الأسباب أتجنّب - شَخصيًا - العلاقة مع المثقفين والأدباء بشكل خاص، فهؤلاء بالذات لا تنبت في تربتهم: الروح الرياضية واستبدلوها بـ: الحماقة والحسد، يركلون بعضهم بالسرّ، ويظنون ذلك تفوقًا. ويمكن الاستعانة برأي الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ علم النفس الإبداعي الذي وصف مجتمع المثقفين بالنرجسي والإقصائي والازدرائي، وذهب أبعد من ذلك واصفًا أمراضه بالأشد حدّة ويتميّز بعدم تقبل الاختلاف والرأي الآخر. لأن مشكلة المثقف اعتقاده أنّه صاحب الحقّ الوحيد ورأيه صحيح في كلّ الأحوال، بل يمتلك الحقيقة وحده. ورغم كلّ هذه الرذائل، يعدّ المثقفون أنفسهم نخبة مخترعين «طبقة انتلجنسيا» على عاتقها التنوير... ولا أدري ما الذي نوّروه للآن، لأنّ الذين نوّروا العالم فعلاً، لم يكونوا مثقفين أساسًا.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
6 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.