خير الدين الزركلي

خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي أبو غيث: شاعر صحفي مؤرخ باحث من الأدباء المتنورين. ولد في بيروت ليلة التاسع من ذي الحجة عام 1310هـ على ما يوافق الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 1893م، لأسرة دمشقية الأب والأم، وكان لوالده تجارة فيها.
وعاد أبواه إلى دمشق، فنشأ بها في حي السمانة(1) ، وبها تعلم في إحدى مدارسها الأهلية، وفيها حصل على شهادة ما يسمى فيما بعد (بالبكالوريا) الشهادة الثانوية، القسم العلمي، ومارس التعليم مع قراءته على مشاهير العلماء في بلدته كالعلامة الشيخ جمال الدين القاسمي وعبد القادر بدران وأبي الخير الميداني، وأخذ عنهم عشق العربية والعروبة، وأولع بالتراث وكتب الأدب، وقال الشعر صغيراً.
وقبل نشوب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أصدر مجلة «الأصمعي» الأسبوعية، فصادرتها حكومة الاتحاديين الأتراك لروحها الوطنية، وبسبب صورة كتب أنها صورة الخليفة العربي المأمون، فرحل حينئذ إلى بيروت ليتابع علومه في الكلية العلمانية الفرنسية (اللاييك) تلميذاً في دراساتها الفرنسية، ثم كان فيما بعد أستاذاً للتاريخ والأدب العربي فيها.
وفي أوائل الحرب عاد إلى دمشق وبقي يترقب مع الشباب وينتظر انتصار الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون) على الأتراك ودول المحور (الألمان والطليان)، فلما دخلها الأمير فيصل بن الحسين كان الزركلي في الصفوف الداعية إلى العروبة، ونظم في الإشادة بها أفضل شعره. ونشط للعمل السياسي والأدبي والصحفي، فأصدر بالمشاركة جريدة «لسان العرب» اليومية عام 1918، ثم جريدة «المفيد» اليومية بالمشاركة أيضاً. هذا إلى جانب إسهامه بتأسيس «الجمعية الأدبية» التي باركها فيصل بن الحسين الأمير العربي ورعاها، وكان من أعضائها فؤاد الخطيب وشفيق جبري ويوسف حيدر، ورضا الشبيبي وخليل مردم بك ونجيب الأرمنازي وعدد من هؤلاء الشباب المتحمسين للعروبة.
ولقد كان للزركلي في هذه المرحلة التي انقضت سريعاً بدخول الفرنسيين وخروج فيصل مشاركات هامة، وصلة وثيقة بالأحداث آنذاك، وكتب عنها كتابه فيما بعد «صفحة مجهولة من تاريخ سورية في العهد الفيصلي».
وما أن دخل الفرنسيون دمشق بعد معركة ميسلون عام 1920م حتى غادر خير الدين إلى فلسطين، فحكموا عليه بالإعدام غيابياً، وحجزوا أملاكه، وكان ذلك لقصائده الوطنية وتصريحاته ومقالاته المحرضة في جريدة المفيد، وخصوصاً بعد معاهدة سايكس بيكو الظالمة التي عقدها الحلفاء المنتصرون إبان الحرب العالمية الأولى، وقد نظم فيها قصيدته التي يبدؤها محرضاً قومه بقوله:
فيم الونى وديارُ الشام تُقْتَسَمُ أين العهود التي لم تُرعَ والذِّممُ
هل صحَّ ما قيل من عهدٍ ومن عِدَةٍ وقد رأيت حقوق العرب تُهتضمُ
نُسام خَسْفاً ونُقْصى عن محجَّتنا ويُوثق الفمُ حتى تخفت الكَلِمُ
كما نظم إثر ميسلون قصيدته الفاجعة، يفتتحها بقوله:
الله للحِدْثان كيف تكيدُ بردى يَغيضُ وقاسـيون يميدُ
ومنها قوله:
لهفي على وطنٍ يجوس خلاله شُذّاذ آفاقٍ شـراذمُ سـودُ
شـرُّ البليةِ والبلايـا جمـةٌ أن تَستبيح حمى الكرام عبيدُ
غلتِ المراجلُ فاستشاطت أمةٌ عربيةٌ غضباً وثـارَ رُقـودُ
ويحَ الجناةِ على الشـآم جنايةً تيمورُ ضـاق بمثلها ويـزيدُ
جهروا بتحريرِ الشعوبِ وأثقلتْ متنَ الشعوبِ سلاسلٌ وقيودُ
وقصد الشاعر مصر.. وعمل زمناً، ضاق فيه بغربته، وحنّ إلى دمشق حنيناً عجيباً، أبدع معه غرر شعره، ومن أشهر ما أنشد في ذلك قصيدته المشهورة:
العينُ بعد فراقها الوطنا لا ساكناً ألِفْتْ ولا سـكنا
ريَّانةٌ بالدمع أقلقها ألا تُحِسَّ كرىً ولا وسـنا
كانت ترى في كل سانحةٍ حَسَناً وباتت لا ترى حسنا
ليت الذين أُحبهم علموا وهمْ هنالكَ ما لقيتُ هـنا
ما كنتُ أحْسِبُني مفارقَهم حتى تُفارق روحيَ البـدنا
ثم يقول:
يا طائـراً غنى على غُصُن والنيلُ يسـقي ذلك الغُصُنا
زدني وهِجْ ما شئت من شَجَني إن كنتَ مثلي تعرفُ الشَّجنا
أذكرتني بـردى وواديَهُ والطيرَ آحـاداً بـه وثُـنَا
أذكرتني ما لَسْتُ ناسيَهُ ولرُبَّ ذكرى جدَّدت حَزَنا
إنَّ الغريبَ معذبٌ أبداً إن حـلَّ لم يَنْعم وإن ظَعَنا
ولم يطل المقام بخير الدين في مصر، فما لبث أن اتصل بالشريف حسين بن علي أمير مكة، فحصل على الجنسية العربية، وفي تلك المرحلة ألف كتابه «ما رأيت وما سمعت»، يصف رحلته من دمشق إلى فلسطين فمصر فالحجاز. ويقدم فيه وصفاً شاملاً لما أصاب سورية عقب معركة ميسلون، كما يعطي صورة للعصر الهاشمي في البلاد المقدسة آنذاك.
وانتدبه الشريف لمساعدة ابنه الأمير عبد الله وهو يحضِّر من أجل تأسيس ما كان يسمى «إمارة شرق الأردن». وسبقه الزركلي مع جماعة إلى عمَّان، مهد معهم السبيل لدخول الأمير إليها. ولما أنشئت الإمارة المذكورة، سمي فيها الزركلي مفتشاً عاماً للمعارف، فرئيساً لديوان رئاسة الحكومة الأردنية حتى عام 1923م.
وإذ ذاك هدأت الأحوال قليلاً في سورية، فألغى الفرنسيون حكمهم عليه بالإعدام، وكان قد استاء في ذلك الوقت من سياسة الأمير عبد الله، فغادر إلى دمشق، وكتب آنذاك كتابه «عامان في عمّان»، وأصدره عام 1925، وعنوانه يدل على موضوعه.
ثم إنه غادر عاصمة الأمويين بعد قليل متجهاً إلى القاهرة، حيث أنشأ «المطبعة العربية»، وعمل بها مدة، طبع خلالها بعض كتبه وكتباً أخرى، ثم باع المطبعة بسبب اعتلال صحته من الهموم والعمل.
وما أن قامت الثورة السورية الكبرى عام 1925 حتى أصدر الفرنسيون حكماً ثانياً بإعدامه، وذلك لكتاباته ضدهم، ولشعره أيضاً؛ فقد نظم بمناسبة اعتداء المستعمرين على دمشق قصيدته الرائعة التي يقول فيها:
الأهل أهلي والدِّيار دياري وشعارُ وادي النَّيْربين شعاري
ما كان من ألمٍ بجِلِّق نـازلٍ واري الزِّنـاد فزَنْده بيَ واري
إنّ الدم الـمُهَراق في جَنَبَاتها لَدَمِي وإنَّ شِـفارها لشِفاري
دمعي لِمَا مُنيت به جارٍ هنا ودمي هناك على ثَرَاها جاري
وقصد خير الدين الحجاز بعدما رحل عنه الشريف حسين بن علي ودخلته الدولة السعودية التي أصبح من رعاياها، فقربه الملك عبد العزيز آل سعود، وأعجب الشاعر به، فكتب عنه «شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز»، واختصره في «الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز». ولما توفي أصدر كتابه «الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ».
وما لبث الشاعر أن رحل إلى القدس عام 1930، فأصدر فيها بالاشتراك جريدة «الحياة» اليومية، وعطلها الإنكليز، فأصدر مع آخرين جريدة «يافا» اليومية كذلك. وما إن صدر عددها الأول حتى دعته الحكومة السعودية، فعينته مستشاراً لمفوضيتها بمصر عام 1934، فترك الجريدة لزملائه، وسافر إلى القاهرة. واشترك في المداولات التي سبقت إنشاء جامعة الدول العربية، ثم في توقيع ميثاقها.
وفي عام 1946 اختير الزركلي لإدارة وزارة الخارجية في جدة، وتناوب العمل فيها مع يوسف ياسين وزير الخارجية بالنيابة وفي جامعة الدول العربية معاً. حتى إذا كان عام 1951 سمي وزيراً مفوضاً ومندوباً دائماً لدى الجامعة المذكورة. ثم عين عام 1957 سفيراً ومندوباً ممتازاً في المغرب، حيث آلت إليه عمادة السلك الدبلوماسي، وبقي فيها حتى اعتلت صحته. ومرض عام 1963، فطلب التقاعد، فأبقي سفيراً فخرياً حتى آخر حياته، ومُنح إجازة مفتوحة للتداوي، فاختار الإقامة في بيروت، وتفرغ للتأليف حتى وافته المنية في القاهرة.
وفتحت المجامع اللغوية أبوابها لعَلَم الأعلام، واحتفت به بغاية الاحتفاء فكان منذ عام 1930 عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق مجمع اللغة العربية فيما بعد، ومجمع الملك فؤاد (مجمع اللغة العربية فيما بعد) منذ 1946، والمجمع العلمي العراقي منذ 1960.
ومؤلفات الزركلي إذا استثنينا كتابه الأعلام مؤلفات غير كثيرة، ذكرنا بعضها آنفاً، ونضيف إليها مسرحيته «وفاء العرب»، وقصتيه الشعريتين «العذراء» و«ماجدولين والشاعر»؛ الأولى عرض رمزي لما أصاب سورية عقب احتلال الفرنسيين لها. وكتب مجموعة أبحاث في الأدب والتاريخ، هذا بالإضافة إلى ديوانه الشعري الحافل الذي صدر أولاً في شبابه عام 1925 بأكثر من مجلد، ثم صدر بعد وفاته في مجلد كبير، وضم كثيراً من الشعر القومي والوطني وشعر الحنين إلى الوطن غير شعر الطبيعة والشعر الاجتماعي، والموضوعات المختلفة.
والجدير بالذكر أنه كان هيأ ديواناً في مطالع شبابه سماه «عبث الشباب»، التهمته النيران مع المطبعة التي كان فيها.
وشعر الزركلي جزل متين الأسلوب، وصفه الشاعر أنور العطار فقال: «لم يزكُ شعره إلا حينما نزلت بوطنه النكبات عقب الحرب العالمية الأولى وعقب معركة ميسلون.. أشاع الحياة بألفاظه والقوة في معانيه، وسكب روحه أنفاساً.. كل ذلك بأسلوب يتميز بالعمق والأصالة، ويحفل بالإشراق والوضوح، ويطفح برهافة الحس ولطافة الجرس». وقال أستاذ النقد الدكتور شكري فيصل: «إننا نؤخذ حين نقرأ شعر الزركلي؛ ذاك نمط من رفيع البيان ورائع التصوير ونيرّ الأداء، لم يبق من القادرين عليه إلا القلّة».
ولئن كان شعر الزركلي على هذا المستوى فإن ما كتبه من قطع نثرية ينبئ عن قلم رفيع أوتي صاحبه أدباً راقياً. انظر إليه يصف الزعامات العربية آنذاك في كتابه «ما رأيت وما سمعت»، يقول: «رحماك اللهم ربي ورأفتك بأمة أسلمت زمامها المقادير إلى زعماء خبطوا بها خبط عشواء وقادة كانوا حُطَّاب ليل، ونذر ويل، تقحموا بها مجاهل الأمور على غير هدى، تسيرهم الأهواء والنزاعات، وتلعب بهم الأغراض والنزعات، طالب منصب وعابد درهم وعاشق تاج، لا يبالون من أية الطرق كان لهم ما يبتغون أو يكون».
وعُرف الزركلي أكثر ما عرف واشتهر أكثر ما اشتهر بكتابه «الأعلام»، الذي أقر الباحثون بتقدمه، ونظروا إليه نظرة إكبار لما قدمه من عمل مفيد باق. ولقد عرّفه بعبارة شارحة وضحت ما هو: «قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين». ولا يذكر الأعلام إلا ويذكر الزركلي، والعكس بالعكس.
أنفق خير الدين في جمع الكتاب وتعديله والاستدراك عليه ومتابعة الجديد ما يربو على ستين سنة، إذ بدأ العمل به عام 1330هـ = 1912م، بعدما كان أعد له قبل ذلك بسنوات، ومات عام 1396هـ = 1976م وقصاصات من الورق تحت وسادته في المستشفى بالقاهرة على ما خبر صديقه المؤرخ ظافر القاسمي رحمهما الله، كتب فيها ما وقع عليه من الجديد، فيما ينبغي أن يزاد على الكتاب، وكان هذا دأبه كل عمره، يتتبع ويصحح ويستدرك، منذ صدرت الطبعة الأولى عام 1346هـ = 1927م، وكانت في ثلاثة مجلدات.
ولم يكن الزركلي يتوقع أن يكتب لها الرواج، وإنما كان يخمّن أن الكتاب سيكون معجماً مدرسياً يعين الطلاب في دروسهم، ويضيء لهم بعض الإضاءات. فلما تلقاه الناس بالقبول رأى أن يوسّعه ويضيف عليه.
وسريعاً ما صدرت الطبعة الثانية في عشرة أجزاء عام 1376هـ = 1957م، ثم الطبعة الثالثة عام 1389هـ = 1969م، وكانت تشتمل على مجلدين من المستدركات، ومجلد ثالث لنماذج الصور والخطوط، فيه نحو 1536 أنموذج.
وحضرّ المؤلف رحمه الله للطبعة الرابعة التي قدّر أن تكون في أربعة مجلدات جديدة، كان ينوي أن يصدرها في كتاب على حدته، أزمع أن يسميه «الإعلام بما ليس في الأعلام». لكنّ هذا صدر مضموماً إلى الكتاب برمته، وأصدرته دار العلم للملايين في كانون الثاني/يناير عام 1979 في ثمانية مجلدات من القطع الكبير. واستقر الكتاب بهذا على صورته النهائية الموجودة في الأسواق حالياً، وليضع صاحبه في يد كل باحث مفتاحاً ذهبياً، يستطيع أن يفتح به قصور التراث العربي الرحبة، ويطوف في غرفها وردهاتها، ويتعرف مخابئ كنوزها.. قال الدكتور شكري فيصل: «وحسب صاحب الأعلام -وليجزل الله ثوابه- أنه أطلق رقابنا، وأنه رفع عن العربية عار أن تكون مصنفات غير أبنائها مفتاحاً لثقافتها».
ومن أعظم ما في الأعلام أنه أبدع في تراجم معاصريه الذين أنزلهم على قدرهم، بالاعتماد على ما نشر عنهم في الدوريات، وبالاعتماد كذلك على صلاته بهم، وعلى مذكراته الشخصية غير المكتوبة، التي يشير إليها أحياناً في الحواشي، وهذا كذلك ثروة، حفظها الكتاب من الضياع.
ولقد لقي المصنف في سبيل هؤلاء المعاصرين تعباً، لم يكن يتوقعه، وهو تعب أدخل إلى نفسه الاشمئزاز والدهشة معاً، ويصرح بهذا في قوله: «عانيت من تراجم المعاصرين نَصَباً؛ بدت لي فيه ظاهرة خُلقية غير مرضية في كثير ممن كتبت إليهم أو كلّمتهم لاستكمال نقص في ترجمة أب أو أخ». وذكر أمثلة على سوء الردّ الذي لقيه من هؤلاء، وسماه عقوقاً بحق ذويهم.
ولكنه بالمقابل حمد للباحثين وأهل العلم الذين أعانوه، وهذا مبثوت في الحواشي، وشكرهم في المقدمات وخصوصاً المكتبي العالم الأستاذ أحمد عبيد، ورئيس المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية اليوم) العلامة محمد كرد علي، مما يدل على وفاء الرجل وكبير شخصه.
وكتاب الأعلام عربي خالص العروبة في روحه ومضمونه وترتيبه، فهو لم يتبع ترتيب الغربيين في اعتمادهم على لقب الأسرة لترتيب المواد، بل أورد المترجمين على أسمائهم الأولى، مثلما فعل مؤرخو هذه الأمة الكبار، منذ طبقات ابن سعد وإرشاد الأريب، كما اعتمد التاريخ العربي الهجري أولاً، شفعه بما يقابله من التاريخ الميلادي وذلك في إحساس العربي المسلم.
ولعل الذي ساعد المصنف على إصدار مثل هذا الكتاب أشياء عديدة إلى جانب همته وطول بحثه، منها عمله في السلك الديلوماسي، إذ ندب لمؤتمرات دولية كثيرة في حواضر بلاد العالم؛ فلقد أمضى شطراً كبيراً من حياته في دمشق وبيروت وعمان والقدس وحيفا ومكة والرباط والقاهرة، وتنقل بين حلب واستانبول وتونس والمغرب، ورحل إلى انكترة وفرنسة وإيطالية واليونان والولايات المتحدة، ووقف خلال ذلك على كثير مما احتوته مكتبات تلك البلاد من المخطوطات النفيسة والكتب النادرة. واتصل مع هذا كله بعدد كبير من أهل العلم والباحثين في الشرق والغرب، مما مكنه من الوصول إلى مراداته في الكتابة عن المشاهير، وفتح له كل مستغلق يعز فتحه على أهل العلم العاديين. وأضاف إلى عمله اطلاعاً واسعاً على الجرائد والمجلات، وما تفرزه الصحافة كل يوم في الحديث عن الكبار والأعيان، فضلاً عن امتلاكه مكتبة واسعة فيها أمهات الكتب.
وأما همة خير الدين في البحث فكانت مضرب المثل، جعل وكده تحسين الكتاب وتزويده وتنقيحه، بما يرقيه إلى الصورة المثلى: «اندفعت أنقب عن خطوط المصنفين في أوائل كتبهم وأواخرها وبين السطور، ما نسخ على عهدهم منها. ونشط البررة من إخواني، فأمدوني بالتحف، وتهيأت لي رحلات فاقتنصت خطوطاً لم أكن أحلم بها، وتفتحت أمامي أبواب المتاحف والمكتبات ومختلف الخزائن السلطانية والبيوتات العريقة في القدم، فإذ بي والأفق أمامي لا نهاية له، كخائض البحر أمام الجَزْر داهمه المدّ».
ولذا فالزركلي لم يصل إلى مادة كتابه وهو على أكفّ الراحة، وقد لخص هو نفسه العمل قائلاً: «هذا العمل لا يكفيه أن تقعد في بيتك، تنتظر أن يأتي ساعي البريد بالجرائد والمجلات وجديد المطبوعات، بل لابد لك من أن تتحرك أنت وتذهب إلى هنا وهناك، لترى ما لا يمكن أن تراه وأنت في بيتك، ولهذه الغاية فأنا أسافر في كل عام على الأقل مرة إلى مصر ومنها إلى أوربة، وأعرّج في طريق عودتي على تركية، ثم أعود إلى بيروت». وقال متابعاً: «أسافر إلى مناطق في تركية مجهولة إلى يومنا هذا، وفيها مخطوطات عربية نادرة، وكثير منها بخط مؤلفيها أنفسهم». وربما قصد بلدة بعيدة قيل له إن فيها مخطوطات نادرة تفيده في كتابه؛ فلقد سافر إلى مغنيسية في تركية وكانت لديه من المناطق المجهولة لما سمع بمكتبة مخطوطات فيها، وظل يعاود سنة بعد سنة حتى استوفاها.
ومن أبرز المشاق التي تعرض إليها صاحب الأعلام اختلاف المؤرخين وتضارب رواياتهم وتعدد نزعاتهم، واختلاف النسخ في الكتاب الواحد وكثرة الأغلاط في المطبوع والمخطوط، وتداخل أخبار القوم بعضها ببعض، وفقدان العدد الوافر من مصنفات الأقدمين، ومَنْعُ بعضِ الفرقِ كُتبَها أن يطَّلع عليها غيرُ أبنائها. وهذا كاف أن يجعل تأليف كتاب مثل الأعلام عملاً تعترضه المصاعب والمزالق.
ومن تمام الكلام عن الأعلام أن نشير إلى آراء عدد من العلماء الباحثين الذين وجهوا إلى العمل بعض ملاحظات وإن أشادوا بما صنع الرجل وأثنوا عليه، من ذلك قولهم إنه أغفل ذكر أعلام الهند والسودان وتركيا، غير إسقاطه لتراجم عدد من الصحابة وعلماء الشريعة ممن تنطبق شروطه عليهم.. فلماذا فعل ذلك.. أهي المصادفة، أم إنّ له رأياً لم يصرح به، أم أشياء غير أولئك؟!
كما أنّ في الكتاب هفوات نبّه على ما استطاع منها الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في مقال نشرته مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق في الجزء الثاني من المجلد الثالث والخمسين. وتتبع القاضي إسماعيل الأكوع بعضها في مقالة أخرى نشرتها مجلة العرب في عدد محرم وصفر 1394 من سنتها الثامنة. ثم اهتم الأستاذ الباحث أحمد العلاونة بما جاء في الكتاب من سقطات، فألحق بكتابه «ذيل الأعلام» قائمة ذكر فيها تصحيحات له واستدراكات بأماكنها من الأجزاء والصفحات، وقائمة أخرى أحصى خلالها إحالات الكتاب الساقطة، وثالثة خصصها للتراجم الساقطة من الكتاب مع وجود إحالات لها، ورابعة للتراجم المكررة، وخامسة للاختلاف بين الإحالة والترجمة. ثم صدر كتاب «الإعلام بتصحيح كتاب الأعلام» لمحمد بن عبد الله الرشيد، وهدفه كما يُقرأ من عنوانه تتبع ما يرى أنها أخطاء يستدركها عليه.
على أنّ مثل هذه الأعمال ترفع من شأن كتاب الزركلي رحمه الله، إذ لو لم يكن كتاباً هاماً لما اهتم به الباحثون، ولما تعلقت به ذيول ومتابعات، ولما خرجت على أثره كتب، أراد أصحابها أن يمسّكوا به للأهمية.
* * *
وأخيراً فمن عرف شخص خير الدين الزركلي، قال عنه: كان رجلاً أسمر، حلو القسمات، طويلاً إلى نحول أقرب، دائم الابتسام، مرحاً يروي الفكاهات، ويحب أصدقاءه، رأيه ناجح، وقلمه سيّال، وشعوره متزن من فجر شبابه، وهذا ما تدل عليه كتبه الأولى.
ذلك هو خير الدين الزركلي، لقد ملأ الدنيا بكتابه الأعلام.. وشغل الناس كلهم به. وحجب إبداعاته الأخرى، فتأخر فيه الشاعر والمفكر والأديب والصحفي.. وبرز الباحث العلم.. علم الأعلام. رحمه الله وأجزل مثوبته وتجاوز عنه في دار المقامة مع الأبرار الصادقين.

إضافة تعليق