الكتـاب السـينمائي متـى يغـدو حاجـة للناشـر والمُشـاهد أيضـاً؟

لا تزال الأسئلة مطروحة، وإن كانت الإجابات معروفة، أو شبه معروفة: لماذا تنفضّ الغالبية الساحقة من دور النشر اللبنانية عن الكتاب السينمائي؟ لماذا تقلّ إصدارات الكتب السينمائية عن دور نشر تُقدم، أحياناً، على الخطوة هذه؟ من يتحمّل مسؤولية غياب الكتاب السينمائي المتخصّص عن المكتبة اللبنانية تحديداً، في مقابل وفرة كَمّية على الأقلّ من الكتب تلك في المكتبتين السورية والمصرية في الدرجة الأولى؟ هل تقع المسؤولية على عاتق أصحاب دور النشر،

 الذين يعتبرون الكتاب السينمائي «مغامرة» لا تؤدّي إلى كسب مالي، أو استرجاع ما لتكاليف الطباعة والتوزيع على الأقلّ؟ أم أن النقّاد والعاملين في الحقل السينمائي، فكرياً وثقافياً وأكاديمياً ونقدياً، لا يسعون للتأليف النقدي أو الأكاديمي؟

مسؤولية مشتركة

أميل إلى القول إن الطرفين مسؤولان: المؤلِّف ودار النشر، وإن بنسب متفاوتة. صحيحٌ أن الكتاب السينمائي «مغامرة» لا يُقدم عليها إلاّ من أحبّ السينما، وشعر بقدرة ذاتية على خوض التجربة إيماناً منه بالسينما، أفلاماً وقضايا وكتباً. صحيحٌ أن تكاليف طباعة الكتاب السينمائي وتوزيعه أكبر من أي مردود ماليّ، في بلد قيل إنه منارة ثقافية للشرق، وإنه الأكثر انفتاحاً وتعليماً وقراءة، قبل أن يتبدّى البلد نفسه عن أسوأ مظاهر الثقافة والعلم (قال الناقد محمد رضا إن لبنان «بلد فيه الكثير من الثقافات، وإنه يحتوي على مثقفين كثيرين من أجيال مختلفة، لكنه رسمياً ليس معنياً بالفعل الثقافي، لكونه يتبع نظاماً رأسمالياً من جهة أولى، ولكون السينما مُحارَبَة من قيادات وزعامات حزبية ومن جهات ومراجع دينية، وصولاً إلى الدولة ممثّلة بالرقابة، من جهة ثانية»). صحيحٌ أن النقّاد اللبنانيين، وهم قلّة، عاملون في صحف ومجلاّت لحاجتهم إلى مداخيل تقيهم شرّ الحياة وبشاعتها، فلا يعثرون على وقت كاف للتأليف النقدي المختلف عن الكتابة المهنية الصحافية ومفرداتها. صحيحٌ أن البلد هذا لا يملك مؤسّسات قادرة على تمويل مشاريع كهذه، في مقابل غياب مطلق للدولة في الشأن الثقافي العام، باستثناء رعاية ما تمنحها لهذا النشاط أو ذاك. صحيحٌ أن دور النشر، بغالبيتها المطلقة، لا تقدّم منحاً سنوية تتيح للناقد أو الباحث فرصة التفرّغ للتأليف السويّ. صحيحٌ أن الجامعات الخاصّة تتباهى فقط بتأسيس مدارس «سمعية بصرية»، باتت منتشرة في البلد كسرطان قاتل، من دون أدنى اهتمام بسلامة التدريس والتدريب أولاً، ناهيك عن انفضاضها عن مشاريع بحثية ونقدية يُفترض بها أن تتكامل وحراكاً إنتاجياً لبنانياً (مشتركاً وإنتاجات غربية وعربية متفرّقة) حاصلاً في البلد حالياً ثانياً. هذا كلّه صحيح. لكن الأصحّ منه أن مأزق الكتاب السينمائي جزءٌ من مأزق أكبر: الثقافة منعدمة. الوعي المعرفي المنفتح على شؤون الثقافة والفنون والعلوم كلّها غائبٌ. أكاد أقول إن المأزق أخطر من ذلك: البلد برمّته في مهبّ رياح العنف والخراب. البلد برمّته معقود على فساد السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة، وعلى فوضى العلم والمعرفة والتربية المدرسية والتدريس الجامعي والحياة اليومية. البلد برمّته مهزوم ومدمَّر، وثقافته مشوّهة، وناسه مقيمون في الجحيم، سواء رفضوا حالة كهذه أم وافقوا عليها.

غير أن واقعاً كهذا يُفترض به ألاّ يمنع إمكانية خوض تجربة تأليف كتب سينمائية وإصدارها عن دور نشر محلية. واقعٌ كهذا يجب ألاّ يكون حائلاً دون الاجتهاد في المجال السينمائي هذا، خصوصاً أن الفن السابع بات أكثر الفنون شعبية، هنا وهناك، سواء تكبّد المشاهدون عناء الانتقال إلى الصالة السينمائية، أم تمتّعوا بمشاهدة الأفلام بواسطة أشرطة «دي. في. دي.». هذه مفارقة أشار إليها نقّادٌ وعاملون في دور نشر: ارتفاع شعبية الفن السابع، في مقابل انخفاض (مرير وقاس من دون أدنى شكّ) المستوى الثقافي والنظريّ لدى الغالبية الساحقة من المشاهدين. المفارقة هذه تفيد أيضاً أن شعبية الفن السابع معقودة على التجاريّ الاستهلاكي البحت. أي على أفلام مسلّية، تشويقاً وحركة وعنفاً وقتلاً، أكثر بكثير من أي نوع آخر، بما في ذلك الرومانسية والكوميديا إلى حدّ ما. ربما لهذا كلّه لا يستسيغ أصحاب دور نشر لبنانية فكرة الانهماك في إصدار كتب سينمائية، لا يُقدِم على تأليفها نقّاد وباحثون ومهتمون لانشغالاتهم المهنية في الدرجة الأولى، ولا يرغب في اقتنائها أناسٌ يُفضِّلون المُشاهدة أولاً، ومشاهدة البسيط والسهل والمسلّي ثانياً. أصحاب دور نشر أو عاملون فيها قالوا مراراً إن «المغامرة» المطلوب منهم خوضها محفوفة بـ«مخاطر» مالية، موجودة (المخاطر نفسها) على مستوى الإصدارات الأخرى أصلاً. أصحاب دور نشر وعاملون فيها قالوا مراراً إن المأزق أشمل من أن يُحاصَر بغياب الكتاب السينمائي: «المثلان السوري والمصري مهمّان. لكن التمويل هناك مقبل على الكتاب السينمائي من مؤسّسات رسمية في معظم الأحيان. هذا من دون التوقّف عند مستوى النصّ المكتوب أو المترجَم». بالإضافة إلى أن الكتاب السينمائي يُعاني مأزقاً في الغرب أيضاً: «هناك، احتلّت كتب السينما الفخمة والملوّنة والضخمة مكان الكتب الثقافية البسيطة»، كما علّق الناقد إبراهيم العريس.

تجارب قديمة

التجربة التي خاضتها «دار الطليعة» مثلاً، في ثمانينيات القرن المنصرم، جديرة بالاهتمام والتذكّر: «تبنّى الراحل بشير الداعوق مشروعي المعنون بـ«المكتبة السينمائية» في خمس دقائق فقط»، كما قال العريس. أضاف: «كان يُحبّ السينما. لم يُخضِع قراره لحسابات مالية. كان يوافق على نشر كتب سينمائية قائلاً إنه سيعثر على قرّاء، كما عثر على كتب. لم يعد هذا النوع من التفكير موجوداً اليوم. اتّصل بي الراحل عبد الوهاب الكيالي ذات مرّة، طالباً منّي العمل على وضع موسوعة ضخمة حول الفن السينمائي، دافعاً لي مبلغ أربعة آلاف ليرة لبنانية مسبقاً، وهذا مبلغ كبير جداً بمقاييس الفترة تلك. بعد أسبوعين، جاء إلى بيروت حاملاً معه كتباً ومراجع سينمائية لم أطلبها منه. قال لي: لعلّها تُساعدك».

هذه تفاصيل ترسم صورة مصغّرة عن واقع عرفته بيروت قديماً. هذه تفاصيل تشير إلى حالة نادرة، مرتكزة على ثنائية الوعي الثقافي والعمل التجاريّ. صحيح أن واقعاً كهذا منعدم حالياً، لكنّ أصحاب دور نشر عديدين «منكبّون» على شؤون ثقافية وفكرية وأدبية وسياسية وغيرها، بجمعهم الثقافيّ بالتجاريّ، لكن بعيداً عن السينما: «السؤال الذي يُفترض بنا طرحه كامنٌ في البحث عمن يكتب، وعمّا يُكتب في الشأن السينمائي. أين هي المخطوطات الخاصّة بالسينما المعروضة علينا؟»، كما قالت رانيا المعلّم (دار الساقي)، التي اعتبرت أن الكتاب السينمائي «تقليدٌ غير معروف عربياً كما أظنّ». لكن المسألة بالنسبة إليها محصورة بأمر واحد: «سبب واحد فقط يحول دون إصدار «دار الساقي» كتباً سينمائية: عدم تقديم أي مخطوطة سينمائية بهدف إصدارها. هذا في مقابل الاعتراف بأن من واجب الدار ووظيفتها السعي لإصدار كتب سينمائية. هناك تقصير في الإطار هذا ربما». الزميل العريس بدا، في قراءته مسألة غياب المبادرة من قبل النقّاد مثلاً، كأنه يُساجل المعلّم: «ليُجرّب ناقدٌ. ليبادر أحدكم. جرّب أنت أن تنفق ستة أشهر على وضع كتاب جدّي حول السينما، وقدّمه إلى إحدى دور النشر، ولنرى بعد ذلك أية حجّة سيقولون بها». المسألة بالنسبة إليه كامنةٌ في أن دور النشر لا تبدي أدنى رغبة في خوض أية مغامرة: «كل كتاب يُطبع الآن، يجب أن يكون مضمون الدخل والمردود». قال إنه شخصياً يُنجز كتباً بسرعة وبكثرة: «كلّها تُنشر مدعومة من مؤسّسات أو وزارات. أنشر بدرجة رئيسة في «المؤسّسة العامة للسينما» في دمشق، التابعة لـ«وزارة الثقافة»، والمموَّلة منها. حالياً، إنها أفضل ناشر سينمائي في المنطقة كلّها». هذا أمر واقع: لدى المؤسّسة سلسلة بعنوان «الفن السابع»، صدر منها نحو مئتي كتاب بين مؤلَّف ومترجم، أجمع كثيرون على أن بعضها ضعيف، لكن بعضها الآخر مهمّ.

الاختصاص كافٍ

في المقابل، قالت المعلّم إن هناك مشروعين سينمائيين عُرضا على الدار مؤخّراً: كتاب عن المخرجة اللبنانية الراحلة رندة الشهّال، «يتضمّن أرشيفاً وصُوَراً ملوّنة ودراسات وغير ذلك، أردناه مرجعاً»، لكن الأمر معلّقٌ لدى عائلتها. كتاب ثان عن المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، طُرح على الدار من قِبَل «نادٍ لكل الناس»، الذي يستعدّ لإصدار مجموعة أشرطة «دي. في. دي.» خاصّة بأفلام المخرج، إلى جانب الكتاب المذكور، وهو من تأليف الزميل العريس، الذي أصدره سابقاً عن «دار النهار للنشر» إثر الغياب الصادم للمخرج مطلع التسعينيات المنصرمة: «أبدينا حماستنا للمشروع هذا. لكن المسألة مرتبطة بقرار النادي». الزميل العريس أقرّ بالمشروع هذا، محيلاً الأمر إلى النشاط المتكامل للنادي، الخاصّ ببغدادي. العريس قال إن سؤال علاقة دور النشر اللبنانية بكتاب السينما طرح مشكلة أساسية متعلّقة بالرغبة في الثقافة السينمائية «ليس لدى دور النشر فقط، بل لدى الجمهور أيضاً. أكاد أقول لدى الجمهور خاصّة». استعاد ماضياً كان يُمكن للمرء أن يلتقي فيه ناشراً مهتمّاً بكتب السيــنما وبنشرها: «لا أقول إن الأمر صعبٌ اليوم، بل مستحيل. ربما لأن المشهد نفسه في أزمة: كتبٌ فنية وأدبية وثقافية كان يُطبــع منها ثلاثة آلاف نسخة لكل كتاب، بات يُطبع منها اليوم مئات قليلة من النسخ».

من جهته، اكتفى سيزار نمّور، المهموم بالفنون التشكيلية، بالقول إن «دار الفنون الجميلة» و«مكتبة ريستو فيرسو» معنيتان بأنواع الفنون التشكيلية، أي بالرسم والتصوير والتصميم والنحت: «إنه السبب الوحيد الدافع إلى عدم خوضنا تجربة الكتاب السينمائي، لابتعاد الدار والمكتبة عن الفنون الأدائية. أميل إلى التخصّص. أراه أقدر على إتاحة الفرصة للتعمّق في الموضوع الذي أتخصّص به. فضّلت البقاء في إطار الفنون التشكيلية، لأنها اختصاص قائم بحدّ ذاته، ومحتاج إلى جهد. اختصاص مفتوح على اشتغالات كثيرة أصلاً».

لا أعمِّم. الآراء القليلة المنشورة هنا صورة مختصرة جداً عن واقع حال يعاني أزمة ثقافية متكاملة ومفتوحة على الشؤون الحياتية أيضاً. الآراء هذه مُقدِّمة متواضعة لمشهد قاس بفراغه الثقافي الإبداعي، القادر على السجال والنقاش النقديين، والذاهب بهما إلى إنتاج ثقافي متكامل. الآراء هذه لا تختلف عمّا يقوله كثيرون في لقاءات متفرّقة، منذ أعوام عدّة. فالحاجة إلى كتب سينمائية لا تقلّ عن الحاجة إلى كتب إبداعية سجالية ومُنتِجة معرفة وعلماً ووعياً في شؤون أخرى أيضاً.

جريدة السفير 

إضافة تعليق

17 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.