عادّية الجمال وموازينه

يوماً بعد يوم، وبهمة الفنانين المبدعين المغامرين الباحثين عن الجديد المتميز والمعبر، يتحول الجمال إلى أوجه جديدة في الحياة، تصل حتى إلى الأشياء العادية البسيطة والمهملة، وهذا ما يعلل تنوعه الهائل، وطرقه المتعددة في عصرنا الحالي، والتي تصل إلى حد التناقض، بين مكوناتها والقيمة الفنية والجمالية التي توحي بها، رغم أن المصادفة هي التي صنعتها، وعدسة الفنان الضوئي الموهوب، هي التي سجلتها وجمدتها في لقطة تقول الكثير رغم عاديتها!!.

فالجمال، وبمساعدة الخيال المحلق الخصب والمبدع، لم يعد مقتصراً على الرائعة الفنية التقليدية، لوحة كانت أم تمثالاً أم محفورة أم إعلاناً بل تعدت مظاهره هذه الأطر الضيقة والمحدودة، ليستشرف آفاقاً واسعة رحبة وغير مألوفة. وكما تعددت وتلونت مظاهر الجمال الفني، تعددت وتنوعت وسائل التعبير عنه، فهو لم يعد حكراً على الوسائل التقليدية التي خدمته طويلاً، وإنما تعداها إلى وسائل تعبير بصرية جديدة، تعيش حالة دائمة من التناسخ، والتطور والتبدل لارتباطها الوثيق بالعلم والتكنولوجيا وكشوفاتها المتلاحقة. الجمال الفني إذاً موجود في كل شيء في كتل الفوارغ المكبوسة، وفي الصناديق الفارغة الملقاة بإهمال، في ساحة أحد معامل تدويرها، وموجود في هذا الكم الهائل من الصور المأخوذة لرجال ونساء وأطفال ورياضيين وتجمعات بشرية تمارس فعلاً حياتياً معيناً نراه في لسان الحديد الناهض من الأرض باتجاه السماء، كما نراه في ثوب الزنبقة الرقيق، ما يحتاجه الجمال الفني ليتأكد ويبرز ويتجسد، هو عين الفنان القادرة على رؤيته وتجسيده، في شكل ما: قد يكون تمثالاً، أو لوحة، أو صورة ضوئية، أطرته ضمن كادر مدروس الحركة والعناصر والألوان، وتالياً وظفته ليقدم دلالة معينة، ضمن حالة تعبيرية واضحة وقادرة على إيصاله للآخر.

موازين الجمال ‏

من جانب آخر، حالة الانسجام والتوافق، بين الأثر الفني المجسم والمسطح والمحيط الذي يوضع فيه، داخل البيوت: على الجدران، أو في أركانها، أو خارجها: في الحديقة والشارع وعلى العمائر، لا تقتصر على الشكل والمضمون والحجم فقط، بل يجب أن تطول المادة والخامة واللون، سواء تلك الموجودة في الأعمال الفنية نفسها، أم وفي المكان أو في المحيط المقترح لاحتضانها فاللوحة المنفذة من الألوان المائية الشفيفة، تحتاج لمكان بسيط هادئ، يبرز ألوانها الرقيقة ويؤكدها، خلاف الألوان الزيتية القوية، أو ألوان الأكريليك ولوحة انطباعية، غنية بالتمتمات اللونية الواهية، تختلف عن لوحة وحشية، حادة وصريحة الألوان، قوية الخطوط كذلك الأمر بالنسبة للمحفورة المطبوعة، والملصق، والصورة الضوئية.

الأمر نفسه ينسحب على المنحوتة والمشغولة اليدوية، فالتمثال المنفذ من البرونز غير التمثال المصنوع من الرخام أو الحجر أو الإسمنت أو الخشب أو البوليستر فلكل خامة ومادة، متطلباتها وشروطها، ولكل منحوتة مستلزمات عرض مناسبة فتمثال البرونز يتوافق وينسجم مع الرخام أكثر من انسجامه مع الخشب، وتمثال الخشب أكثر توافقاً مع الأشياء المنفذة من الخشب أو الحديد والفراغ الذي تحتاجه منحوتة مصمطة وثقيلة، يختلف عما تحتاجه المنحوتة الرشيقة المليئة بالفراغات، فالمنحوتة تتقزم قيمها الفنية والتعبيرية، إن لم تحصل على حاجتها من الفراغ المحيط، وتوضع فوق القاعدة القادرة على إبرازها والانسجام معها كذلك الأمر مع اللوحة والمحفورة والصورة الضوئية والملصق والسجادة الجدارية، وغير ذلك من المعلقات التي تأخذ طريقها إلى جدار، أو زاوية، أو باب، أو ركن مكتبة، أو طاولة، أو درج، أو حاجز تزييني.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.