رقــابــات علـى كــل شــيء

«نستطيع أن نهجو الرقابة كما نشاء، من دون أن نستطيع وضع حدّ لها أو إيقافها، أو حتى التأثير على قرارات السيد الرقيب الذي يبدو واضح الغموض، من حيث انه يمثل سلطة تتحصن بقيم سياسية واجتماعية تدعي أنها تحمي المجتمع من الثقافة، وتحمي المثقفين من غضب الأعراف والتقاليد، سواء أكانت اجتماعية أم دينية»، إذ أنّ «الرقيب منذ أوائل القرن الماضي إلى اليوم، لعب دورا خاصا ومتميزا في رسم خط بياني للثقافة الجديدة والحيّة في العالم العربي».

لا نستطيع بالتأكيد أن نقف على نقيض مع ما قاله الروائي اللبناني الياس خوري، في افتتاح مؤتمر «الحريات الثقافية في المشرق العربي بين الرقابة وآفاق الربيع» (الذي عُقد يومي 16 و17 في فندق الريفييرا في بيروت، بتنظيم من «مؤسسة سمير قصير» وبالتعاون مع «البعثة الأوروبية» في لبنان ومؤسسة من «أجل المستقبل») لا نستطيع، إذ أن «الرقابات» المتنوعة، على كلّ شيء، حاضرة في المشهد اللبناني والعربي، لدرجة أنها تحيل هذا المشهد مرتبكا وضائعا بمعنى من المعاني، لأنك لا تفهم أحيانا هذا العقل الذي يتحكم بكلّ شيء، من دون أن يكون مالكا لأيّ شيء، سوى فكرته الباطنة التي لا تعرف من أين تنبع أو من أين تأتي، والتي تخوله أن يعطي قراره بالمنع أو بعدمه، وفق شروطه الغريبة.

بالتأكيد، يتطلب ذلك كله، الحديث المستمر، و«النضال» من أجل إيقاف ذلك، لكن علينا الاعتراف أيضا بأن مؤتمرا واحدا، وإن أشار إلى ذلك، فهو لا يستطيع أن يوقف ذلك كله، فالأمر يحتاج إلى وعي أكبر من «شعب» لا تعرف أين هو. أقصد أن المؤتمر، وعلى الرغم من جودة الكلمات والأحاديث والنقاشات التي قدمت، كان خليّا من «هذا الجمهور الآخر»، الذي عزف عن الحضور، وكأن الأمر لا يعنيه، فاقتصر الحضور على المعنيين والمشاركين، بمعنى آخر، غالبية الموجودين، متفقون على ضرورة إزالة الرقابة، لكننا لم نسمع رأيا مخالفا، فيما لو استثنينا الأب عبدو أبو كسم، مدير «المركز الكاثوليكي للإعلام»، الذي أشار إلى رأيه بمنع رواية «شيفرة دافنشي» (حين صدورها بالعربية) لأنها تقدم صورة مسيئة للمسيح، إذ اعتبر «أنا كإنسان مسيحي لا أقبله (الكتاب) لأنه يشوه كل حقيقة لاهوت المسيح ولأنه مذل للمسيحيين. نحن نعيش في مجتمع متعدد الطوائف وأنا أخاف من أن الشخص غير المسيحي ممكن أن يصدق أن هذا الشيء حصل وأنا لا أرضى بذلك». معربا أيضا عن رأيه بالقول «موضوع الرقابة حساس، ونحن لا نبحث عن شخص ما ونقمعه، إنما يرسل إلينا كتاب أو فيلم من الأمن العام يرون فيه حساسية ونحن لدينا لجان مختصة تتفحص هذه المواد وتعطي ردها للأمن العام».

على مدى جلستين إذاً، تطرق المنتدون من عدد من الأقطار العربية والغربية هي فلسطين (غزة ورام الله، لبنان، الأردن، تونس، مصر، فرنسا، إيرلندا) إلى جملة من القضايا توزعت على سلسلة من الموضوعات، هي «قوانين وآليات الرقابة على الثقافة في المشرق العربي» و«هل من مبررات للرقابة على الثقافة» و«الطلب المجتمعي على الرقابة في المشرق العربي» و«الأشكال الجديدة للرقابة على الثقافة في أوروبا» و«مبادرات الدفاع عن الحريات الثقافية» و«هل ترجم التغيير السياسي تغييرا على صعيد الحريات الثقافية»...

بيد أن الرقابة ليست «عربية» بامتياز، إن جاز القول، فهناك اليوم «رقابة» غربية، على قول الكاتب والمخرج الفرنسي جان دانيال مانيان إذ اعتبر أن «هناك الكثير من المسرحيات التي تهاجم في فرنسا بسبب بعض المتطرفين الذين لا يتقبلون الأعمال التي تمس بمعتقداتهم الدينية، وقد هاجم هؤلاء مسرحيات عدة وهددوا المخرجين والممثلين بالقتل بحجة أنهم يستخدمون المسرح لما اعتبروه إساءة إلى الدين المسيحي، بتشجيع من بعض تيارات اليمين المتطرف. وأسف أن يضطر مسرحه إلى الاستعانة بالقوى الأمنية ولمعدات كشف المتفجرات للحماية من المجموعات الكاثوليكية المتطرفة التي تحاول منع عرض مسرحية من مسرحياته»..

وبين ذلك كله؟ «لا مبرر للرقابة المسبقة على الإطلاق» كما أشار الوزير السابق طارق متري ، معتبرا أيضا «أن الرأي العام ليس مؤيدا لرفع الرقابة دائما، وحرية العمل الثقافي يجب أن لا تكون موضوعا للتفاوض بين الأجهزة الأمنية ومن وراءها وضغط المؤسسات الدينية وبين المثقف».

كلام لا بد أن يجد صدى إيجابيا عند العاملين في الحقل الثقافي. لكن أين يقع في نفوس الأمن العام والسلطات الدينية المتنوعة، التي لا تتوقف عن تسليط معتقداتها لمنع ما تعتقد أنه يمسها؟ لغاية أن نجد حلا، من المؤسف أن الرقابة مستمرة، وأن مؤتمرات أخرى لا بدّ أن تعقد...

ا ح

جريدة السفير

 

إضافة تعليق

18 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.