سوق مزدهرة "للاضطرابات النفسيّة"

في العام 2013، يُفترض أن تصدر الجمعية الأميركية للطبّ النفسي (American Psychiatric Association, AAP) النسخة الخامسة من جدولها للأمراض العقلية، المعروف بـ DSM Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (كتاب تشخيص وإحصاء الاضطرابات النفسية). وهنالك نسخة تحضيرية منه مطروحة للنقاش على الإنترنت.
هذه القضية ليست عادية: إذ أنّ هذه الأداة المخصّصة أساساً للولايات المتحدة، والتي تُستخدم لأهدافٍ إحصائية لوضع تشخصيات لـ"الاضطرابات النفسية"، تتمتّع بتأثيرٍ كبيرٍ على الصعيد العالمي. وفي الواقع، سرعان ما ارتكزت منظّمة الصحّة العالمية، التي تأسّست في العام 1948 على جدول DSM هذا - وكذلك على الجدول السابق له الذي حمل إسم " Medical 203 "، الذي كانت وزارة الحرب الأميركية قد أعدّته [1] - بغية وضع تصنيفها الدوليّ للأمراض.
إلاّ أن سؤالاً يبقى مطروحاً: ما هي القيمة العلمية لهذا الجدول؟ في حين يلحظ منتقدوه منذ زمن طويل بأنّ المنهجية التي يعتمدها تتعارض مع كافّة المعايير العلميّة.
فلكي يتمّ التصديق على ملاحظةٍ ما، يجب بطبيعة الحال عزل بعض الثوابت. إذ أنّه يمكن للعارض نفسه - الصداع مثلاً - أن يعود إلى أمراضٍ مختلفة جداً. يجب إذاً تطوير التشخيص عبر طرح الأسئلة على المريض (ما يسمح بتسجيل العوارض) وعبر فحصه (الذي يسمح بتحديد العلامات السريريّة) [2]. يصبح حينها من الممكن معرفة سبب وأعراض المرض. بعد تحديد الثوابت، تصبح الملاحظات متوقّعة، ويمكن التحقّق منها من خلال الاختبار. فإن كان المرض عائد إلى سببٍ نفسيّ، ففي الأمر "تحويل" نحو الجسد (إذ يتجلّى الصراع النفسي من خلال الألم الجسديّ). وهذه النتيجة تسمح بالعمل على السبب النفسي، وبالتالي معالجته.
على عكس ذلك، يضع جدول DSM لائحة بـ"الاضطرابات" الظاهرة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار ما يحدّدها: فها هي مفصولة عن تاريخها والظروف التي تسبّبت بظهورها. فما هو الفرع الآخر من الطبّ الذي يسمح لنفسه بأن يغامر ممارسٌ للمهنة في تشخيص مرضٍ وفقاً لعارضٍ واحد يُسمّى "اضطراباً"؟ وعبر الاكتفاء بوصف الاختلالات، يكتفي الجدول بإعطاء كليشيهات سطحيّة عن العذاب النفسي. وبالرغم من ذلك، بات التصنيف الذي يعتمده واسع الانتشار.
دوماً المزيد من "الاضطرابات"
في العام 1952، أحصى جدول DSM 106 مرضاً. في حين يحصي اليوم 410 "اضطراباً". ويُفترض بالنسخة المقبلة تسجيل عشرين فئة إضافيةٍ على الأقل. من بين الأمراض الحديثة الولادة، نذكر "اضطراب الإفراط الجنسيّ" أو حتّى "الاضطراب الجنسيّ القسري"، الذي حلّ للتوّ مكان ما كان يُعرف "بالانحراف" الذي بات يُعتبر تعبيراً سلبياً. وكان يتمّ في الماضي تداول تعابير عامّة كـ"الاضطرابات السلوكية"، و"الإفراط الحركي"، و"الانهيار العصبي"؛ وكلّها توصيفات يحشى فيها أشياء كثيرة، استخدمت لوصف أدوية على غير هدى.
ما هو أكثر إثارة للقلق: هو أنّ هذا التوسّع في الوصف يرتبط أيضاً بالتكهّن باضطرابات مستقبلية. أنتم مرضى، لكنّكم لا تدركون ذلك! في النهاية، كما قال الدكتور كنوك في مسرحية الفرنسي جول رومان، "كلّ إنسانٍ بصحّة جيّدة هو مريض يتجاهل مرضه". وقد صرّح بعض "الخبراء" بأنّ 30 في المئة من السكّان مصابون بالانهيار العصبي دون علمٍ منهم، وبأنّه يجب بالتالي وصف الأدوية لهم من باب الوقاية. وقد يصل هذا التضخّم إلى حدودٍ قصوى مع اختراع "تناذرات الخطر". فـ"تناذر الخطر الذهاني" يسمح، مروراً من الوقاية إلى التكهّن، بوصف أدويةٍ مضادة للهلوسة لنسبةٍ لا بأس بها من المراهقين الذين يُعتبروا غير نمطيين. كما تقيّد "نزعة التكهّن" المريض بتشخيصٍ لمدى الحياة، يُرفق بوصف أدويةٍ لمعالجة أمراض لم تظهر بعد. فمن لا يذكر إجراءات الكشف المبكِر للجنوح الذي أوصى بها اليسد نيكولا ساركوزي في العام 2005 حين كان لا يزال وزيراً للداخلية؟
في مقدّمته، يدّعي جدول DSM الموضوعيّة الكاملة، بمعزلٍ عن أيّة عقيدة أو نظريّة مسبقة. لكن يكفي إنكار السببيّة النفسية لكي تُفرض بقوّة أكبر السببيّة العضوية. وهو أمرٌ لم يتمكّن من تأييده أي برهانٍ تثبته التجربة، بما فيها أعمال العلماء المتخصّصين في الأعصاب الأكثر شهرةً [3].
ما يحدّ من موضوعيّة منهجية جدول DSM هو أنّه لا يحدّد فئاته على أساس ملاحظات سريريّة، إنما استناداً إلى استقصاءات للآراء تمّ أخذها بشكلٍ تعسّفي من الأطباء النفسيين. هكذا من الصعب وصف هذه الآلية بالنموذجية على صعيد المنهجية العلميّة. وما هي النتيجة؟ أنّ المثلية الجنسية كانت تُعتبر حتّى العام 1987 مرضاً نفسياً. وتمّ إلغاء فئة سريريّة كالهستيريا - المُثبتة منذ العصر القديم -، وكذلك العُصاب النفسي.
ذلك أنّ معايير الثقافة الأميركية قد اعتُمدت هنا مرجعيّة. لكن من خلال إلزام ممارسي المهنة بالاستناد إلى الجدول بهذه الطريقة، يتمّ إرغامهم على الالتزام بفكرٍ موحّد.
لقد فُرض جدول DSM من الخارج، أوّلاً من قبل شركات التأمين، التي ربطت في العديد من الدول تعويضاتها باعتماد على معاييره. كما اقترحت شركات بيع الأدوية في الوقت نفسه جداول تطابق بين فئات DSM ووصف الأدوية. أخيراً، أمام هذا الواقع، أدخلت الجامعات الجدول إلى تدريسها، ومن ثم حيّدت تدريجيّاً وجهات النظر الأخرى من مناهجها: ومنه رُفضت السببيّة النفسيّة باعتبارها ذاتيّة وغير علميّة. بالطريقة نفسها، غالباً ما تكون المجلاّت التي تُعتبر مرجعيّة بالنسبة للباحثين هي مجلاّت أنكلوساكسونية، ونادراً ما تتعارض مع هذه الطريقة في رؤية الأمور.
حسابات اقتصادية خاطئة
بالتالي تتمّ قولبة أطباء المستقبل وسط جهلٍ للطبّ السريريّ التقليدي، ما يخلق قطيعةً في مجال البحوث لا يبرّرها ظهور أي مفاهيم جديدة. وترتكز مجمل الدراسات في الطبّ النفسي في فرنسا على تعلّم هذا الجدول، فقط إلى جانب علم الأدوية. وحدها أقسام علم النفس تحتفظ بالمقاربة المتعدّدة المذاهب الضرورية. أمّا بالنسبة للتخصّص الطبّي ما بعد المرحلة الجامعية، فيتمّ تأمينه بشكلٍ أساسيّ من قبل مختبرات تصنيع الأدوية.
النتيجة على مستوى العلاجات مقلقة: فتشخيص DSM لا يهتمّ سوى بالتصنيف السطحيّ لظواهر سلوكيّة بمعزلٍ عن البعد الذي تتّسم به التركيبة الإجمالية لعلم النفس المرضي، وذلك على عكس كافّة أشكال الطبّ النفسي السريريّ [4]: جدول من المعطيات يُفترض به أن يسمح بتقييم المرض. ومع هذا الكتيّب، قد نتساءل إن كان سيظلّ هنالك حاجة إلى الطبيب النفسي والطبيب العام والممرّض. "تجّار للمخدّرات" الشرعية قد يفون بالغرض: حتّى أن الصيدلي نفسه سيتمكّن من توزيع العقاقير النفسية. لكن كونها تريح المريض من عوارض المرض وليس أسبابه، يتمّ تجديد الوصفات بصورة تلقائية لترتفع إلى حدّ الإدمان. لدرجة أنّ بعض الأدوية التي كانت مفيدة في مرحلةٍ أولى تصل في النهاية إلى نتيجة عكسيّة. فعندما يُعتبر "الانهيار العصبيّ" مثلاً مرضاً - في حين أنّه مجرّد عارض لتركيبات تختلف جداً عن بعضها البعض-، هنالك خطرٌ في أن يستمرّ وصف مهدّئات الأعصاب لمدى الحياة. وهذه هي الحال عندما تتسبّب بالعجز الجنسيّ: سيغوص المرضى أكثر فأكثر في الانهيار العصبي، وسيضطرّون دائماً لتناول المزيد من الأدوية! هنا نتذكّر البروزاك الذي أُطلق في السوق باعتباره سلعةً للاستهلاك العام، والذي يعتبره اليوم الكثير من ممارسي المهنة دواءاً خطيراً [5]...
لا يولّد الخيار الحصري لمنظّمة الصحّة العالمية فقط حدوداً للعلاجات الممكنة: بل يؤثّر تدريجياً على الأنظمة الصحية لدى الدول التي تعتمد جدول DSM كأداة حسابيية. علماً أنّه إن كانت العلاجات التي تفضّل العلاقة بين شخصين تبدو من حيث المبدأ أكثر كلفةً بالبنى التحتية والعاملين المؤهّلين، فهي في الواقع أكثر توفيراً على المدى الطويل.
ويمكن تكوين فكرة عن أهميّة التكاليف التي يتمّ تكبّدها عبر رصد الاختلافات في وصف الأدوية بين الدول التي تمتثل لجدول DSM وتلك التي بقيت تعتمد في غالبيّتها وجهة نظر مختلفة: ففي فرنسا، يتناول حوالي 000 15 طفل الريتالين الذي يوصف لمعالجة "الإفراط الحركي"؛ في حين يصل عددهم في بريطانيا إلى 000 500.
بصورة أشمل، في حالات العصاب النفسي غالباً ما يزال تناول العقاقير النفسية خلال اتّباع علاج بالعلاقات الشخصيّة. وفي حالات الذهان المنخفض الحدّة، يتراجع أو يصبح حتّى ظرفياً. في فرنسا، يتناول الأولاد الذين يخضعون لعلاجٍ نفسي الأدوية بصورةٍ إستثنائية. إذ إن العلاقة بين شخصين هي التي تؤمّن تطوّر معالجة معيّنة، بالرغم من الاستعانة أحياناً بالأدوية خلاله.
الملعونون والمختارون
يخفّ استغرابنا اليوم للعلاقات المالية التي تربط لجان المتخصّصين في DSM مع صناعات الأدوية (والتي تمّ الكشف عنها مراراً [6])، عندما ندرك بأنّ العقاقير النفسيّة تشكّل سوقاً مربحة جداً. ففي الولايات المتحدة، حقّقت الأدوية المهدئة للأعصاب أرباحاً في العام 2004 بقيمة 20,3 مليار دولار، والأدوية المضادة للهلوسة 14,4 ملياراً. ومن هنا يمكننا أن نعتقد بأنّه يتمّ تعريف بعض الفئات "السريريّة" الجديدة وفقاً للحاجة لتسويق أدويةٍ جديدة...
هنالك أكثر من ذلك، فجدول DSM يقوم بتحجيم نيوليبرالي للطابع الإنساني. فغياب الخصوصيّة، وعرقلة العلاج النفسيّ، وارتفاع الكلفة بالنسبة للدول، تشلّ مجالي البحث والتعليم: وجميعها عواقب يتمّ انتقادها منذ وقتٍ طويل. إنّما لا تكفي إدانة المصالح التجارية، وتحقيق الأرباح في القطاع الخاص من خلال النظام الصحّي، إن لم نتنبّه إلى أنها تشرّع بدورها من قبل إيديولوجيا السوق. فالليبرالية تقطّر فكرة أنّ المنافسة شيءٌ طبيعيّ يتمّ تحويلها إلى قانون. ومن أين تستمدّ قوتها إن لم يكن من الثقافة البروتستانتية التي تواجه بين الملعونين والمختارين، بحسب تحليل ماكس فيبير لها؟ لقد امتدّت تلك التوصيات اللاهوتية السياسيّة لتتحوّل إلى رأسمالية عدائية تسرّبت روحيتها إلى كافة مستويات الحياة الاجتماعية.
هكذا تتحوّل "الاضطراب" و"الاختلالات" إلى دلالةٍ على فشلٍ ما، لترسم بدورها خطّ تماسٍّ مع المعايير الاجتماعية. فما يُعتبر "مرضاً" يحرز تقدّماً عند كلّ تصنيف، ومجرّد "تصرّفات فظّة" بسيطة أصبحت تستدعي العلاج. وأضحى الحداد على الميت يُعتبر مرضياً في حال تخطّى الشهرين، ومن المحتمل تقليص هذه الفترة أكثر. وفي حال عدم التمتّع بالمزايا الضرورية للدخول في المنافسة في السوق، يوصى بإجراء تدريبٍ معيّن. هكذا بقليلٍ من الجهد الإضافي سيصار إلى توسيع فئات الـDSM لتشمل الجميع. أنتم تشتكون؟ إخضعوا للعلاج إذاً! ومن سيتجرأ على الاعتراض، إذا ما تمّ هذا الانتظام باسم العذاب النفسي [7]؟
* طبيب نفسي، وأستاذ متقاعد في جامعة ستراسبورغ. شارك في نصّ العريضة: « Pour en finir avec le carcan du DSM » (http://initiative-arago.org/fr/).
[1] الذي أدّى دمجه مع البحرية عام1947 إلى ولادة وزارة الدفاع.
[2] Jean-Pierre Changeux, L’Homme neuronal, Hachette, Paris, 1998.
[3] Jean-Pierre Changeux, L’Homme neuronal, Hachette, Paris, 1998.
[4] Otto F. Kernberg, Les troubles graves de la personnalité : stratégies thérapeutiques, Presses universitaires de France, Paris, 1989.
[5] Christopher Lane, Comment la psychiatrie et l’industrie pharmaceutique ont médicalisé nos émotions, Flammarion, Paris, 2009.
[6] Lisa Cosgrove, Sheldon Krimsky, Manisha Vijayaraghavana et Lisa Schneider, « Financial ties between DSM-IV panel members and the pharmaceutical industry », Psychotherapy and psychosomatics, vol. 3, University of Massachusetts, Boston, avril 2006.
[7] العريضة التي تحمل عنوان "كي ننتهي من قيود الـDSM"، موجودة على الشبكة على الرابط: http://initiative-arago.org/fr
اللوموند ديبلوماتيك العربية نشرة 12|2011

إضافة تعليق