ما بعد الفوز: كيف يمكن لانتخاب زهران ممداني أن يُعيد تشكيل المزاج الأمريكي تجاه فلسطين؟

تمهيد: لحظةٌ تتجاوز مدينةً واحدة
في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 انتُخب زهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك، في حدثٍ استثنائي من حيث دلالاته الرمزية والسياسية والاجتماعية. فالمدينة التي تُعدّ مرآةً للولايات المتحدة من حيث الاقتصاد والإعلام والتنوّع السكاني، تختار شابًا ديمقراطيًا اشتراكيًا، أول مسلم يتولى المنصب، بعد حملةٍ ارتكزت على العدالة الاجتماعية، وترافقت مع انتقاداتٍ شرسةٍ لمواقفه المؤيدة لحقوق الفلسطينيين. هذا التحوّل مؤشّرٌ على تغيرٍ أوسع في المزاج العام الأمريكي، خصوصًا بين الأجيال الشابة، وعلى اتساع هامش الخطاب الذي يمكن قوله في المجال العام بشأن فلسطين وإسرائيل. لقد حُسمت الانتخابات، ولكن ما بدأ الآن هو الصراع على معنى هذا الفوز وحدوده وآثاره.
لماذا يهمّ أن يكون ذلك في نيويورك؟
نيويورك أكبر مدينة أمريكية؛ مركزٌ متشابك لشبكات الإعلام والمال والثقافة والحركات الاجتماعية. ومن هنا، فإن دلالة فوز ممداني تتجاوز رمزية “وصول مهاجر مسلم إلى السلطة” إلى إعادة تعريف “النوافذ الممكنة” في النقاش العام—ما يُعرف في علم السياسات بـ«نافذة أوفرْتون». حين يصبح عمدة نيويورك—بما يحمله المنصب من قدرةٍ على تحديد الإيقاع الأخلاقي للمدينة—مناصرًا صريحًا لحقوق الفلسطينيين ومنتقدًا لسياسات الحكومة الإسرائيلية، فإن ذلك يغيّر حدود المقبول والمقبول-جدلًا في وسائل الإعلام الوطنية، ويمنح جمهورًا واسعًا مبررًا أخلاقيًا–مدنيًا لإعادة النظر في مواقفٍ كانت محجوزةً سابقًا للنشطاء أو الأكاديميين.
ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
قبل هذه الانتخابات وبعدها، سجّلت مراكز بحثية مرموقة تحوّلاتٍ في الرأي العام الأمريكي بشأن إسرائيل/فلسطين. تُظهر بيانات «بيو» (أكتوبر 2025) تراجع النظرة الإيجابية للحكومة الإسرائيلية، وتفاوتًا بين تقييم “الشعب” و”الحكومة”؛ فيما تُظهر قراءات «غالَب» (مارس–يوليو 2025) انكماش الفجوة التقليدية لصالح إسرائيل، وارتفاع التأييد لحلّ الدولتين، مع ميلٍ واضح لدى الديمقراطيين والشباب إلى التعاطف أكثر مع الفلسطينيين. هذه ليست مجرد “تقلبات ظرفية”، بل مسارٌ ممتدّ منذ سنوات، تسارَع بعد حرب 2023 على غزة وطول أمد تبعاتها الإنسانية والسياسية. فوزُ ممداني يأتي إذن فوق موجةٍ صاعدة، لا ضدّ التيار، ما يعني أنه قد يعمل كمُضخِّمٍ مدني لما يتحرك أصبح داخل المجتمع بالفعل.
سياسة الهوية أم بناء تحالف المصالح؟
قد يُقرأ الفوز على أنه انتصار “لهوية” ضد أخرى، لكن تحليلاتٍ مبكرة تُظهر عنصرًا أهم: تعبئة غير المصوّتين والناخبين الشبان والمجتمعات المهاجرة التي طالما هُمّشت. لقد كشفت تغطيات تحليلية أن حملة ممداني نجحت في تحويل جماعاتٍ “لا تصوّت عادةً” إلى كتلةٍ فاعلة، عبر خطابٍ اجتماعيٍّ معيش—الإسكان، النقل، تكلفة العيش—ثم ربط تلك المطالب بأخلاقيات تضامنية عابرة للحدود (فلسطين نموذجًا). هذا المزج بين المحلي والكوني أعاد تعريف “الجدوى الانتخابية” لرسائل التضامن مع الفلسطينيين؛ لم تعد تلك الرسائل تُرى بوصفها عبئًا انتخابيًا حتميًا، بل يمكن—حين تُصاغ ضمن مشروع عدالةٍ اجتماعية—أن ترفد الحشد بدل أن تُضعفه
انشقاقاتٌ داخل الحلف الديمقراطي
لكن توسيع الهامش لا يعني نهاية الانقسام. فقد لفتت تقارير إلى أن فوز ممداني كشف تصدعاتٍ داخل القاعدة اليهودية الديمقراطية نفسها، بين أجيالٍ وتياراتٍ تفاوض معنى الأمن والهوية والتحالفات التاريخية للحزب. هذا الانقسام ليس تفصيلاً تكتيكيًا؛ إنه حقل اختبارٍ لما إذا كان ممكناً إعادة صياغة “العقد الأخلاقي” داخل الديمقراطيين بحيث يتسع لانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية من دون الوقوع في معاداة السامية، وبحيث يُعاد تعريف التضامن اليهودي–الفلسطيني داخل المدن الأمريكية الكبرى كنواةٍ لموقفٍ تقدّميّ جديد. إنّ أيّ نجاحٍ في هذا المسعى سيُترجم بالضرورة إلى إعادة تشكيل خيارات السياسة الخارجية عبر ضغطٍ قاعدي على ممثلي الحزب في الكونغرس.
ارتداداتٌ مضادّة
في المقابل، تتسارع إشارات الارتداد. فبعد أيامٍ من الفوز، ظهرت مبادراتٌ رمزية في الكونغرس لقطع التمويل الفدرالي عن نيويورك تحت إدارة ممداني، في محاولةٍ لتأديب المدينة وربط خطّها السياسي بالحرمان المالي. قد لا تُكتب لمثل هذه المشاريع حياةٌ تشريعية طويلة، لكنها تؤدي وظيفةً سياسية: إرسال رسالة ردعٍ لمدنٍ أخرى وللسياسيين المحليين المتحمسين لخطابٍ أكثر جرأة في فلسطين. إن لغة “العقاب المالي” تكشف أن الصراع على الرأي العام لن يظلّ ثقافيًا–إعلاميًا فقط، بل سيسعى خصوم هذا التحوّل إلى تحويله نزاعًا على الموارد وعلى شرعية البرامج الاجتماعية نفسها التي حملت ممداني إلى السلطة.
أين يمكن أن يظهر الأثر فعلاً؟
لا تملك المدن الأمريكية سياسةً خارجية رسمية، لكن لديها أدواتٌ مدنية وثقافية وتنظيمية لها أثرٌ تراكمي على الرأي العام:
- سياسات التعاقد والتمويل المحلي: يستطيع العمدة التأثير في معايير التعاقدات والمنح البلدية، بما في ذلك اشتراطاتٍ تتعلق بحقوق الإنسان أو التزام حرّيات التعبير داخل الشراكات الثقافية والتعليمية. حتى لو كانت قدرة المدينة محدودة قانونيًا في استهداف سلوكٍ خارجي، فإن صياغة مبادئ واضحة—تجعل “حقوق الإنسان” معيارًا قيميًا—تخلق لغةً معيارية تتسرّب إلى الإعلام والمؤسسات. (تجربة ممداني التشريعية السابقة في ألباني، كطرحه مشروع «Not On Our Dime» ضد تمويل الاستيطان بصفةٍ معفاة من الضرائب، تُشير إلى نمط تفكير قد يترجم في البلدية بصيغٍ قانونية–أخلاقية مبتكرة.
- تنظيم المجال الاحتجاجي وحماية حرية التعبير: يتوقف جزءٌ معتبر من تشكّل الرأي العام على كيفية تعامل الشرطة والبلدية مع احتجاجاتٍ واعتصاماتٍ ومسيراتٍ مؤيدةٍ لفلسطين. أيّ انحيازٍ إلى حلولٍ غير قمعية، وسياساتٍ تُقدّم السلامة وحقوق التظاهر، سيقلل مشاهد العنف التي طالما صُنِّفت في الإعلام بوصفها “خطرًا”، ويفتح فضاءً أوسع للسجال المدني المتعاطف مع الفلسطينيين. وهنا يبرز تحدٍّ مبكر أمام ممداني: كيف يتعامل مع الإرث الثقيل لبُنى المراقبة الشرطية في المدينة؟ إن ضبط هذا الملف سيُختبر سريعًا، لأنّ صور الشارع تصنع مزاج الشاشات
- المنظومة الثقافية والتعليمية: نيويورك مدينة المتاحف والجامعات والمهرجانات. لا يملك العمدة “وصايةً فكرية”، لكنه يملك قدرةً كبيرة على رعاية مشاريعٍ، وإطلاق مبادراتٍ، وفتح حواراتٍ عامةٍ تُؤطّر القضية الفلسطينية ضمن سرديات العدالة والذاكرة والحق في المدينة. إنّ نقل القضية من “ملف نزاع خارجي” إلى “سؤال أخلاقي مدني” حول الكرامة والمساواة والحياة اليومية، قد يكون هو الجوهر الرمزي لمرحلة ما بعد الفوز.
ثلاثة مسارات متوقعة لتأثير الفوز
1 تطبيعُ خطابٍ نقديٍّ عادل (سيناريو التوسّع الهادئ)
في هذا السيناريو، يحدث اتساعٌ تدريجي لعتبة القبول بخطابٍ ناقدٍ للسياسات الإسرائيلية، وأكثر حساسيةً لمعاناة الفلسطينيين، داخل الإعلام السائد والجامعات والنقابات والكنائس والمعابد نفسها. يقوم العمدة بدور “الراعي الأخلاقي”—لا المُحرّض الأيديولوجي—فيُعيد ضبط لغة المدينة حول فلسطين ضمن مفاهيم المساواة والعدالة والحقوق المدنية، ويشجّع تحالفاتٍ يهودية–عربية–سوداء–لاتينية تُعيد تعريف معنى “الأمن” و”التعايش” داخل المدن الأمريكية. هذا المسار يجد سندًا في اتجاهات الرأي العام الأحدث (تآكل التفويض الشعبي لسياسات الحرب، وصعود التأييد لحل الدولتين، وتعاطف ديمقراطي شبابي أعلى مع الفلسطينيين).
2) استقطابٌ مرتفع وارتدادٌ عقابي (سيناريو التعطيل)
يُواجَه أي انفتاحٍ رمزي بموجةٍ من “سياسة الشجب”—تشريعات عقابية، حملات إعلامية، مقاطعة اقتصادية، وربط كل مطلبٍ اجتماعي بتهمة “التسييس ضد إسرائيل”. قد تنجح قوى اليمين في تحويل نيويورك إلى “قصة تحذيرية” لمدنٍ أخرى، فتتراجع قياداتٌ محلية عن تبنّي اللغة التي جعلت فوز ممداني ممكنًا. إذا ارتبط هذا المسار بأزماتٍ اقتصادية–مالية أو بصور فوضى أمنية، فقد يتعرّض المزاج المتعاطف مع الفلسطينيين لضغوطٍ ارتدادية، ويُعاد تأطيره كرفاهيةٍ “ما بعد مادية”.
3) براغماتيةٌ صلبة وتحوّلٌ بطيء (سيناريو المزج)
تجنّبًا للتحطيم المبكر، قد يعتمد العمدة مقاربةً مزدوجة: إدارةً براغماتيةً في الملفات الخدمية (الإسكان، النقل، الأمن المجتمعي)، وخطابًا مبدئيًا في فلسطين لا يتجاوز القوة المعيارية بل يصونها. يحقّق بذلك شرط الشرعية الإدارية ويفتح الوقت لتحولاتٍ مدنيةٍ أعمق. في هذا السيناريو، تُبنى الأثرية على التراكم: صورٌ أقل قسوةً لقمع التظاهر، مناهج حوارٍ عام أوسع، بيئةٌ ثقافيةٌ أكثر توازنًا، وبالتوازي، استمرار اتجاهات الرأي التي رصدتها “بيو” و”غالَب”. هنا يصبح تأثير الفوز زمنيًا أكثر منه لحظيًا.
من “التحالفات الهوياتية” إلى “الضمير الكوني”
يرتكب التحليل أحيانًا خطأ اختزال كل شيء في “سياسة الهوية”. نعم، لكون ممداني مسلمًا مهاجرًا دلالةٌ قوية، خصوصًا في سياقٍ أمريكي يختبر حدوده مع الإسلاموفوبيا وميراث 11 سبتمبر. لكن الأهمّ هو كيف تُعاد صياغة اللغة: هل ينجح الخطاب البلدي في ربط فلسطين بمفاهيم العدالة التي يفهمها الناخب في حيّه—إيجارٌ معقول، صحةٌ عامة، نقلٌ كريم، شرطةٌ تُحاسَب—وبالتالي تحويل التعاطف من مشاعر عابرة إلى قيمة مدنية تستبطنها جماعاتٌ واسعة؟ هنا يتقدّم امتحان “تحالف المصالح”: الفلسطينيون والعرب والمسلمون، مع اليهود التقدّميين، والسود، واللاتينيين، وشباب الطبقة الوسطى المفقرة—هل يمكن أن يصوغوا معًا تعريفًا لمدينةٍ عادلةٍ يصدّق عليه الناخب كجزءٍ من مصالحه لا فقط من ضميره؟
حقل الاختبار الأول: الإعلام والجامعة والشارع
أوضحُ النتائج المبكرة ستظهر في ثلاثة فضاءات متشابكة:
- الإعلام: اتساع مساحة الآراء المؤيدة لحقوق الفلسطينيين، وتراجع ثنائية “الولاء/الخيانة” في التغطية. مؤشرات ذلك بدأت تظهر في زخمٍ تحليلي بعد الفوز، من يسارٍ يرى في النتيجة انتصارًا لتعبئة غير المصوّتين، إلى يمينٍ يصوغها تهديدًا “متطرفًا”. هذا التنازع مهم، لأنه يحدّد اللغة التي سينطق بها بقية البلد
- الجامعة: نيويورك حقلٌ كثيف الجامعات. إدارةٌ بلدية أقل عدائية للاحتجاجات الطلابية وأكثر احترامًا لإجراءات التعبير قد تُنتج صورًا أقل صدامًا وأكثر حوارًا، ما يحدّ من “شيطنة” التضامن مع فلسطين ويجعله جزءًا من تقاليد الحرم المدني.
- الشارع: طريقة إدارة التظاهر وضبط الأمن ستصوغ “الذاكرة المصوّرة” للأمريكيين في الشهور المقبلة—وهنا يواجه العمدة إرثًا مؤسسيًا ثقيلًا في بنى المراقبة الشرطية يحتاج إلى إعادة موازنة بين الأمن والحريات.
من التأثير الثقافي إلى السياسي الفدرالي: الطريق الطويل
هل سيفضي هذا كله إلى تغييرٍ مباشر في السياسة الخارجية الأمريكية؟ ليس سريعًا. السياسة الفدرالية تُصاغ في واشنطن، عبر توازنات الكونغرس والبيت الأبيض واللوبيات وتحالفات الأمن القومي. لكن الرأي العام هو الوقود الذي يُشغّل محركات تلك التوازنات. إذا نجح نموذج نيويورك في تعميم خطابٍ مدينيٍّ أخلاقيٍّ–عملي حول فلسطين، وإذا ترجمت المدن الكبرى—شيكاغو، لوس أنجلِس، فيلادلفيا—نبرةً مشابهة، فإن “تكلفة” الانحياز الأعمى ستزداد على الساسة الفدراليين، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي الذي تشقّه بالفعل أجيالٌ ورؤى متباينة حيال إسرائيل. عندها يُمكن للرأي العام أن يدفع، ولو ببطء، نحو مشروطيةٍ حقوقيةٍ أعلى في المساعدات والسياسات، وحماية أكبر لحرية التعبير عن فلسطين في الداخل.
مدينةٌ كبرى تعيد تعريف البوصلة
فوز زهران ممداني ليس معجزةً سياسيةً تُبدّل أمريكا بين عشيّة وضحاها، لكنه نقطة انعطاف: لحظةٌ تُعلن أنّ الرأي العام الأمريكي لم يعد ثابتًا عند سرديةٍ واحدة، وأنّ القيم المدنية—المساواة، الكرامة، المساءلة—قادرةٌ على أن تعيد تركيب “المسألة الفلسطينية” داخل الخيال الأخلاقي للأمريكيين. سيكون هناك ارتدادٌ وممانعةٌ ومحاولات تأديب؛ وسيكون على العمدة أن يثبت أنّ العدالة الاجتماعية في نيويورك ليست نقيضًا للأمن ولا للفعالية الإدارية. لكن إنْ صمد المشروع البلديّ ونجح في خدماته الأساسية، فإنّ أثره على الرأي العام الوطني سيظهر كخطٍّ يرتفع ببطء: مزيدٌ من المساحات للحديث الصريح عن فلسطين، ومزيدٌ من التحالفات العابرة للهويات، ومزيدٌ من السياسة التي تعترف بالإنسان قبل الأيديولوجيا. في ذلك كلّه، قد تكتشف أمريكا—عبر نيويورك—أنّ الدفاع عن كرامة الفلسطينيين ليس خروجًا عن “القيم الأمريكية”، بل عودةٌ إلى جوهرها المدني الأصيل.

إضافة تعليق