بين التراث والتحولات.. دار الفكر تقرأ المشهد الثقافي السوري الجديد

الخميس, January 8, 2026
كاتب المقالة: 

بعد 68 عاماً من العمل في النشر الفكري والثقافي، تظل دار الفكر واحدة من أبرز دور النشر في سوريا والعالم العربي، محافظةً على حضورها وتأثيرها في المشهد الثقافي رغم التحديات المتعددة التي مرت بها على مدى عقود، عبر تقديم إصدارات يرتكز أبرزها على الفكر الإسلامي التجديدي، مع الاهتمام بالتراث الغني الذي يخدم المعاصرة.

في جلسة حوارية مع سانا الثقافية، تحدث المدير التنفيذي للدار حسن سالم ومدير النشر الدكتور نزار أباظة، عن أسباب استمرار الدار في الصدارة رغم القيود الرقابية السابقة التي كان يفرضها النظام البائد والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي واجهتها، كما استعرضا استراتيجيات الدار لمواكبة التطورات الرقمية، وتوسيع قاعدة قرائها، وخططها للعام الحالي.

سانا: ما هي الأسس التي ارتكزت عليها دار الفكر منذ تأسيسها؟

سالم: منذ أن أسس الكاتب والناشر عدنان سالم دار الفكر عام 1957 بالتعاون مع شريكيه أحمد محمد وأحمد الزعبي، قامت المؤسسة على نشر الفكر الإسلامي الواضح والمعاصر المرتكز إلى أفكار العلماء، أمثال مالك بن نبي والدكتور شوقي أبو خليل والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ علي الطنطاوي، والدكتور وهبي الزحيلي وعبد الوهاب المسيري.

أما عن القواعد والأسس التي تستند عليها فهي أن يكون لها بصمتها الخاصة فلا تنشر ما هو مكرر، كونها ليست داراً تجارية، بل تسعى إلى كل ما هو جديد انطلاقاً من انتقاء التراث الذي يفيد المعاصرة ويخدم الفكر التجديدي.

سانا: الشائع أن دار الفكر لا تنشر سوى الكتب التراثية والدينية، ما هو رأيكم؟

أباظة: منذ نشأة المؤسسة كان هدفها الأساسي الذي سعى إليه مؤسسها عدنان سالم هو الحوار مع الآخر، ونشر الفكر الإسلامي الواضح، مع السعي للنشر في جميع الاتجاهات للأطفال والكبار، ومدير الدار حالياً مشارك أساسي في الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال.

سانا: هل تجدون اختلافاً في أذواق القراء السوريين عن نظرائهم العرب؟

سالم: ننشر ما نراه مناسباً سواء كان للسوريين أو للعرب أو للمسلمين، نحن متواجدون في معظم دول العالم، وننشر لكل الناس ما نراه مناسباً، فجمهور القراءة في الخليج العربي مثلاً يفضل نوعاً معيناً من الروايات والمؤلفين، هذا كان دوماً مبدؤنا نشر الكتب التي نجدها جيدة ومناسبة فكرياً.

سانا: في الماضي كان من الصعب أن تنشروا كتباً عن الثورة السورية أو المعارضة أو عن جرائم النظام البائد، يبدو الآن أنه توجه أساسي لديكم، ما هي خطتكم في هذا الموضوع؟

سالم: دار الفكر مؤسسة عالمية ولكنها كانت مقيدة رقابياً في عهد النظام البائد، فكنا ننشر الإصدارات الممنوعة في لبنان وتركيا وغيرها، حيث أصدرنا كتاب المعارضة السورية للدكتور لؤي صافي وكتباً للمفكر برهان غليون.

أباظة: كان لي كتابان حولا إلى الرقابة ورواية صغيرة منعت من النشر لأنهم اتهموني بالشعوبية، ولكن الدار لم تعر اهتماماً لهذا الرفض فنشرت هذه الكتب خارج سوريا، لأن المعايير الثقافية أهم من النظرة الضيقة لدى الرقابة زمن النظام البائد.

سانا: هل زالت القيود على صناعة النشر في سوريا بعد التحرير؟

سالم: المؤشرات الإيجابية عالية جداً، لكن ما زالت هناك ضوابط قانونية معيقة، نحاول تجاوزها بطرق متعددة.
أباظة: الدار تعرف ماذا تنشر وما توافق عليه الدولة أو لا توافق.

سانا: ما خطة الدار لدخول العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي؟

سالم: مشكلتنا ليست بالعصر الرقمي ولا بالذكاء الاصطناعي، مشكلتنا أن العالم العربي لا يقرأ، ودار الفكر دائماً كانت تحاول تشجيع الجيل الجديد على القراءة، ونحن نتكيف مع أي تطور وحتى الكتاب الإلكتروني نشرناه.

أباظة: نحن نتعامل مع التطورات سواء في الطباعة أو في الإخراج أو في الكتب، لكن تبقى مشكلتنا الحقيقية ضآلة شريحة القراء.

سانا: كيف تجدون تعامل اتحاد الناشرين الحالي مع دور النشر؟

سالم: هو اتحاد جديد ولد مع الدولة الجديدة ويحاول تجاوز كل العقبات، وهو يقدم أقصى التعاون الممكن، ونحن والاتحاد وباقي الناشرين عائلة واحدة نسهل الأمور لبعضنا ونتعاون لنتجاوز الظرف الراهن، لأن صناعة النشر في سوريا كانت مقيدة جداً زمن النظام البائد بعلاقاتها في الداخل والخارج.

سانا: ماذا عن الخطط المستقبلية؟

سالم: تطلق الدار خطة عمل في كل عام منذ النشأة، الآن سنركز على الكتب السياسية، لأن هذه الكتب كانت ممنوعة طوال عقود، مع مراعاة باقي الاختصاصات في الرواية والأدب واللغة العربية، والتنوع هو السمة الأبرز في دار الفكر في كل شيء.

أباظة: المرحلة الحالية تتطلب التركيز على الحوارات، وهذه رسالة دار الفكر للناس في سوريا في ظل الوضع الجديد.

سانا: ما هي توقعاتكم بالنسبة لمعرض الكتاب المزمع عقده في دمشق في شباط القادم؟

سالم: المعرض فرصة كبيرة لدمشق لإعادة وضعها الثقافي في العالم العربي، وكان هناك إصرار شديد من الجميع على إقامته، والأمل معقود بهذا الحدث الثقافي المهم الذي يبلغ عمره 40 عاماً، وخاصة أنه كان واحداً من أهم معارض الكتب في العالم العربي، وحظي بإقبال كبير، ويجب أن يعود إلى ألقه.

واختتم سالم وأباظة حديثهما بالقول: “دار الفكر ما زالت مستمرة، بالرغم مما تعرضت له من تحديات كبيرة كالحصار في عهد النظام البائد والعقوبات وفيروس كورونا لكنها لم تضعف وبقيت منتجة ومتنوعة”.

وصدرت عن دار الفكر في الشهر الأخير من العام الفائت سلسلة متنوعة من الكتب شملت كتاب “الاقتصاد السوري مكامن القوة” وأبرز نقاط القصور، وكتاب “دكتور رغيد ومستر عاصي”، وكتاب “مسارات الانتقال رؤى في العدالة والمصالحة”.

المصدر: 
وكالة سانا
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

14 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.