الناس اليوم يقرأون أضعاف ما قرأه أسلافهم

لا يذكر اسم الأديبة الشابة حياة الياقوت إلا ويقرن به حبها للغة العربية ودفاعها المستميت عنها، الأمر الذي دفعها إلى استخدام كاميرا هاتفها الجوال لالتقاط كل ما تصادفه من «جرائم» ارتكبت بحق اللغة كما قالت، سواء كانت يافطات إعلانية أو مرورية أو تجارية فقامت بنشرها في كتاب بعنوان «من ذا الذي قدد البيان؟» ثم أمهرت الصورة بتعليق تصحيحي ساخر تارة ومرح تارة أخرى. وقد تم تحميل نسختها الإلكترونية من الكتاب عبر الإنترنت بنحو «22 ألف مرة خلال عامين ونصف العام».
ونشرت الياقوت أيضا، قبل أيام، في معرض الكويت الدولي للكتاب فكرة إبداعية أخرى للحفاظ على اللغة العربية، وغرسها في الأطفال العرب، وهي مجموعة بعنوان «كلامستان» وتضم أربع قصص وضعت في قالب مرح ومشوق للطفل، تشرح له القواعد النحوية على طريقة السرد القصصي الممتع. وليست هذه هي المحاولة الأولى للياقوت للحفاظ على كيان اللغة العربية من محاولات البعض النيل منها بل أطلقت في وقت سابق «دار ناشري الإلكترونية» غير الربحية للترويج لأفكارها البناءة والإبداعية.
درست الياقوت العلوم السياسية كتخصص رئيسي، مع تخصص مساند في اللغة الإنكليزية وآدابها. ثم حصلت على الماجستير في علوم المكتبات والمعلومات. تعمل مدرسة مساعدة في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت. بالإضافة إلى ذلك، أسست في عام 2003 «دار ناشري للنشر الإلكتروني»، وهي أول دار نشر إلكترونية غير ربحية في العالم العربي. بدأت الكتابة في الصحف مذ كانت في السابعة عشرة، ونشرت أول مقالة لها في جريدة القبس، كما ألّفت مجموعة من الكتب الأدبية واللغوية. ترى الياقوت أن خبراتها تمثل مزيجا من مجموعة من الأشياء التي تبدو مختلفة وبعيدة وان كان امتزاجها مفيدا، تقول: «لا أستطيع أن أتصور نفسي في إطار معين، أو أن أسير في «حارة» واحدة من الطريق. وفيما يلي نص اللقاء معها:
مدينة الكلمات
• ماذا عن كتابك الجديد كلامستان؟
- هو عبارة عن سلسلة من 4 قصص قصيرة للأطفال. الهدف منها تبسيط بعض قضايا اللغة المعقدة للأطفال عن طريق وضع الأفكار بقالب خيالي ومرح. الهدف أن يقرأ الطفل قصة مرحة ومضحكة ومثيرة لخياله، وفي الوقت نفسه يستفيد معلومات لغوية بطريقة غير مباشرة.
الجديد فيه هو هذا العنصر، غالبا ما تكون الكتب اللغوية للأطفال فيها قواعد، لكنها مخففة ومزينة، أما في كلامستان (وهي مدينة خيالية تسكنها الحروف والكلمات) فسيد الموقف هو القصة والمرح، والفائدة اللغوية تأتي بشكل انسيابي غير واعٍ.
اللغة (أي لغة وليس فقط العربية) المحكية سهلة نسبيا، لكن اللغة المكتوبة فيها تجريد كبير يستعصي حتى على الكبار.
لطالما تساءلت من أين مثلا جاء التنوين؟ ولماذا اختارت امة العرب أن تنون بعض الكلمات؟ قد يجد اللغويون إجابة تاريخية – لغوية معقدة على هذا التساؤل الفضولي.
لكني متأكدة أن الأطفال يتململون من تلقيننا إياهم التنوين بطريقة فجة. وكذلك الأمر مثلا مع الحركات (الكسرة، والضمة، والفتحة)، لماذا هذه الحركات ليست حروفا مستقلة؟ وأيضا، ما الفرق بين الهاء والتاء المربوطة. ولماذا تتصل بعض الحروف بما يليها (مثل الحاء) ولا تتصل بعض الحروف بما يليها (مثل الدال). كلها هذه أسئلة مزعجة، وأن يجاب للطفل عليها بأنه هذا «ما ألفينا عليه آباءنا» قد تسكتهم، لكن سيظل هناك في قلبه خيبة أمل تجاه هذه اللغة الصعبة وغير المفهومة والممتلئة بالقواعد التي عليك أن تحفظها وتطبقها، ولا يهم ان فهمت أم لم تفهم.
زواج «التاء»
وتتابع الياقوت:
- من هنا، قررت كتابة هذه القصص، لأحكي للأطفال قصة خيالية تشفي فضولهم وتريحهم من هم التساؤل، وتساعدهم في المحصلة على القراءة والكتابة بشكل سليم.
فمثلا، في قصة «تاء مربوطة»، تحدثت لهم عن أن حرف الهاء تزوج بحرف التاء، فأنجبا طفلة هي التاء المربوطة. والتاء كما نعلم من حيث الشكل لها شكل الهاء لكن لها نقطتان مثل التاء، وهي تنطق أحيانا هاء وأحيانا تاء. وكثيرا ما يخطئ الكبار فيها. فهذه القصة الخيالية تعرف القراء على خصائص التاء المربوطة، وكيف تكتب وتقرأ، لكن من خلال قصة طريفة.
وفي مسابقة الحركات مثلا، تخيلت أن الأحرف الثلاثة (الألف، والواو، والياء) ولدت الحركات (الفتحة، والضمة، والكسرة). وهذا صحيح لغويا، فالحركات حروف علة مخففة. ثم تكلمت بقالب خيالي عن مسابقة عقدتها الحروف الثلاثة، جعلت شكل الحركات بشكلها المعروف حاليا، وحددت مكانها (مثلا لماذا الفتحة فوق الحرف، بينما الكسرة تحته؟).
الانزعاج.. الانزعاج
• ما الذي دفعك لتأليف هذا الكتاب؟
الانزعاج! أنزعج حينما أسمع شخصا يقول ان عقدته اللغة العربية، وإن أبناءه درجاتهم جيدة الا في هذه المادة. أنزعج حينما يخطئ الناس في أمور لغوية بسيطة، ويبررون ذلك بقولهم انهم لم «يتأسسوا» جيدا في المدرسة. وأنزعج أكثر حينما يظن الكثيرون أنه لا بأس أن نخطئ في اللغة العربية، فهذا نبهني للسؤال: هل هي لغة معقدة وقديمة وصعبة وزاخرة بالقواعد المملة وغير المفهومة؟
لغة بهذا الجمال والتنوع والمرونة، أتشكل عقدة لدى أبنائها؟هذا شيء عجيب! شيء «يقهر»!
• لماذا توجهت للأطفال؟
- »العلم في الصغر، كالنقش على الحجر». لكن من قال اني أتوجه فقط للأطفال؟ كلنا نحب القصص، ونحب الخيال. ربما أفقدتنا الدنيا وتجاربها القاسية مقدرتنا على الانبهار مثل الأطفال، لكننا مازلنا نحب القصص. شهريار أحب القصص، شهرزاد عالجته بها. حاكم الهند دبشليم كلّف الفيلسوف بيدبا بكتابة كتاب يخلد ذكره وينفع العوام والمثقفين على حد سواء، فاختار بيديا كتابة قصص على لسان الحيوانات، وكان «كليلة ودمنة». نتظاهر بأننا نستصغر القصص، وأنها شيء بسيط صالح لعقول الصغار فقط لتلهيتهم بها. لكننا في قرارة أنفسنا نحب القصص، ونعلم أثرها البالغ في أسر مخيلتنا وتشكيلها.
ظاهريا ورسميا، سلسلة «كلامستان» موجهة للأطفال. لكن سعادتي ستكون كبيرة لو ساعدت قصصي شخصا كبيرا على إعادة الثقة بالعربية وحبها.
من قدّد البيان؟
• ما الكتب الأخرى التي قمت بتأليفها؟
- بالنسبة للكتب المطبوعة، لي: كتاب «من ذا الذي قدد البيان؟ أخطاء وخطايا لغوية مصورة»، صدر عام 2006، رواية «ألس في بلاد الواق واق»، 2011.
ومجموعة كلامستان «أربع قصص: تاء مربوطة؛ نون، نون، تنوين؛ مسابقة الحركات، الحروف تمد أيديها»، 2011.
وصدر لي قصة مطبوعة ضمن حملة ركاز عام 2009 بعنوان خيال الوقت.
أماإلكترونيا، فنشرت: «فوق السرب (مقالات)، عام 2003،سبع حسوما (مجموعة قصصية)، 2010،حكاية الهمزة (كتيب تعليمي)، 2010».
• ما حكاية كتابك «من ذا الذي قدد البيان؟» وهل نشر إلكترونيا؟
لي كتاب ورقي بعنوان «من ذا الذي قدد البيان؟» قمت بنشره إلكترونيا أيضا. ليكون صدقة جارية يستفيد منها الكل. وتم تنزيل النسخة الإلكترونية أكثر من 22 ألف مرة خلال عامين ونصف العام. وهذا دليل على الإمكانات الرائعة للنشر الإلكتروني. وضعت في هذا الكتاب أدلة مصورة على «جرائم» ارتكبت بحق اللغة.
في كتبي اللاحقة مازلت أطبعها ورقيا، لأن الكثيرين لا تروق لهم النسخ الإلكترونية، ولا يزالون يسألونني من أين يمكن الحصول على نسخ ور قية.
عن مشاريعها المستقبلية تقول الياقوت: منذ عام 2008 بدأت في كتابة رواية، وانتهيت منها قبل فترة، وأنا حاليا في مرحلة التنقيح والتصحيح واختيار العنوان النهائي.أدعو الله أن تنشر بدايات العام القادم.
هذا أكثر عمل أخذ مني جهدا ووقتا. خلال فترة تأليف هذه الرواية أصدرت أكثر من عمل، ولم أنته منها بعد.
الجهد منبعه أن قسما منها يتحدث عن فترة تاريخية سابقة، وكان عليّ التحقق من دقة الكثير من الأمور. كما أن السرد يتم على مستويين؛ فهناك راوية رئيسية للرواية هي بطلتها، وهناك مستوى آخر للسرد غير مباشر يقدم وجهة نظر أخرى للأحداث.
هذه الرواية كبرت معي، وكبرت معها. أدعو الله أن تخرج للقارئ بسلام، وأن تحقق ما عليها أن تحققه من تنوير وتغيير في التفكير.

إضافة تعليق