الشــعر والبــداوة.. مبــاراة الســيف والقــلم

مناظرة شغلت الشعر العربي وتلوّنت في كل فترة بروح الفترة وخطابها. لا نعرف متى بدأت هذه المناظرة هل بدأت مع عصر التدوين أم قبله وإذا كانت بوشرت قبله فليست المناظرة عندئذ بين السيف والقلم بما يرمزان إليه. أي الكتابة والحرب، وإذا توسعنا أكثر كانت المناظرة بين خلتين تبرزان في ابن القبيلة وهما الكلام ومؤداه في البداوة الشعر والقتال، وهذا ما يعني مباراة بين الشاعر والمحارب، كان للمحارب فضل على الشاعر وأرجحية واستمر هذا التفضيل إلا أنه مع عصر التدوين والمناظرة الفلسفية والمنطقية لم يبق هو نفسه فإذا نحن وقفنا مثلاً عند بائية أبي تمام الشهيرة:

السيف أصدق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجدّ واللعب

لا نجد ان المفاضلة هي بين الشاعر والمحارب وإذا توسعنا فيها فلا نجدها مباراة بين الحرب والكلام، فعصر أبي تماما وكذلك قصيدته نفسها هو عصر العقلانية الارسطوية وهو أيضاً عصر المنطق الارسطوي وهذان لا يرتدان إلى الحرب وانما هما من فنون الكلام وترتيبه. إنه فن التعريف والصياغة وترتيب الكلام وصياغته وإنزاله في مراتبه وليس في ذلك قبل بالحرب، فما هو الذي أخذ ابا تمام إلى هذه المباراة. لا ننسى ان قصيدة أبي تمام كانت احتفاء بفتح عمورية، انها قصيد عن الحرب غير ان هذا لا يكفي ففي مناسبة القصيدة وفي متنها أيضاً ان المعتصم استشار منجميه الذين ضربوا له الرمل وتأملوا في كتبهم واحصوا وحسبوا ثم نصحوه بألا يباشر الحرب، وان يؤخرها إلى وقت نضج التين والعنب، إلا ان المعتصم استعجل المعركة وباشرها وفاز فيها. قصيدة أبي تمام ليست مفاضلة بين الكتاب والسيف او القلم والسيف فالكتاب هو القرآن وفي القرآن سورة القلم ثم ان قصيدة أبي تمام تعلي من شأو العقل. وإذا عدنا إلى مناسبتها أدركنا ان القصيدة ليست مناظرة بين السيف والقلم بالمطلق، فهي نعي على نوع من الكتابة والكتب، كتب المنجمين وقراءة المنجمين، انها انكار للقوة الطلسمية للكتابة وانكار لإمكان استباق الغيب والتنبؤ به، أي ان بيت أبي تمام:

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهن جلاء الشك والريب

انما يبطل عمل المنجمين ويعتبر ان التنجيم باطل وان مرتكزاته (صحائفه ومقوماته) باطلة أيضاً، فالرجم بالغيب لدى أبي تمام من الأباطيل. ذلك يعني اننا إذا رجعنا إلى أبي تمام أدركنا ان المباراة هي بين السحر والفعل، الفعل لدى أبي تمام، أي التجربة أو الاختبار كما درج فيما بعد في المناهج، هما الفيصل وهما الحكم وليس في الإمكان استباق الفعل أو تقرير نتيجته قبل وقوعه. لا يمكن إنتاج الواقع بالسحر أو المحاكاة، انتاج الواقع انما يتم بالعمل والتجربة، وكما يقول أبو تمام ان الفعل هو الذي يصنع ويقرر لا قراءة النجوم واستجلاءها.

 

والعلم في شهب الأرماح ساطعة

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

ما يواجهه أبو تمام هو القوة السحرية الطلسمية للكلام، هو (العلم) السحري. وبالتالي فإن مناظرة السيف والقلم أو السيف والكتابة عند أبي تمام، ليست مناظرة بين الفكر والحرب، انما هي بين الفعل والشعوذة. لعل من المناسب هنا ان نذكر ان أبا تمام يناظر، فيما ينظم عن المناظرة أو المفاضلة، فانتصاره للسيف مبني على تسلسل منطقي للحجج وترتيب للأفكار، فما يقوم به أبو تمام في هذا السياق هو ممارسة فكرية، ولا يمكن حمل شيء كهذا على انكار الفكر.

كان المتنبي تلميذاً لأبي تمام أو مواصلاً له. لم يمحص المتنبي مناظرة السيف والقلم الا انه جرى عليها وعاد إليها وكان حكمه فيها هو الحكم الذي تحدّر إليه

حتى رجعت وأسيافي قوائل لي

المجد للسيف ليس المجد للقلم

هذا البيت أقرب إلى الكليشيه الشعري فليس فيه تمحيص أبي تمام في فتح عمورية. هنا السيف والقلم يذكر بحرفهما والتفضيل (تفضيل) السيف حاسم بيد ان المتنبي، مثله في ذلك مثل أبي تمام، لم يقصد من كلامه الانتقاص من الفكر، فالسيف هنا يتصل بالحرب حين تكون الحرب ركيزة السلطة، ولسنا نعلم شاعراً عربياً عكف على السلطان في شعره كما فعل المتنبي، فالمتنبي نفسه قرن حلم السلطة إلى حلم الشعر وإذا كان المتنبي أيقن من مكانته في الشعر فكان فيه الطائر المحكي ولم يكن الآخرون إلا الصدى، فإنه أعرب جهاراً عن سعيه إلى السلطة وحلمه بها، ولسنا نعرف شاعراً عربياً اتخذ من السلطة موضوعاً في شعره مثل أبي تمام. اقترنت الحرب عند المتنبي بحلم السلطة هنا، فإذا كان في شعره تغنى بالحرب وأنشد لها، فلأن الحرب هي صناعة السلطة وتأسيسها بالنسبة له عملية بناء. إن تلاحم الجيوش وتداخلها ووطيس المعركة هي المكان الذي تبنى فيه السلطة عياناً، فالحرب في شعر المتنبي هي بمداها وكتلها واحتدامها ووطيسها وميدانها المزروع بالجثث بعد المعركة. الحرب في ذلك كله هي معمار السلطة وهي التاريخ يحدث عياناً. وإذا قارنا بين الشعر العربي في الجاهلية أو اولية الإسلام وبين المتنبي، تبين لنا ان ملحمية المتنبي هي في تناوله الحرب كمعمار وكمعمل للسلطة وصناعة التاريخ، في حين ان الحرب كانت لدى الشعراء الجاهليين نوعاً من رياضة ومحلاً لشجاعة ومهارة فردية، لم تكن السلطة ولم يكن التاريخ نصب عيني الشاعر الجاهلي أو شاعر الغزوات الإسلامية في اوائلها.

الشعر الحربي ظل، بتحولاته وألوانه، مقيماً في الشعر العربي، بحيث إننا نستطيع أن نشتق منه ما يسمى أو ما زال يسمى بالشعر الوطني. فالشعر الوطني فضلاً عن انه يستعير من البداوة صوراً وألفاظاً كثيرة، انما هو لون من الفروسية الفردية، فيما يبلغنا في خلفية النص، ضجيج المعركة ودوي القتال. غير ان القصيدة الوطنية لا تملك ما كان يملكه المتنبي من مخيال السلطة وحلمها ومن معاينة التاريخ الذي هو معمار السلطة وبناؤها. في القصيدة الوطنية هذه نفس بطولي وانتصاري. لكنه نفس أجوف إذ لا يرى خلفه سوى فروسية مدّعيه تكاد تصل إلى الكاريكاتور.

 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.