وليد نويهض: نحتاج إلى اختبار التجربة الإسلامية

من بيروت والى بيروت عاد.. وليد نويهض الصحافي المترحل بين العواصم، والمتكئ على كتب بلغت العشرة فقط في السنوات العشر الأخيرة، عدا المئات من المقالات. وكان قد سبقها الى عالم النشر عناوين كثيرة في عالم التأليف تراوحت بين التاريخ والفلسفة والسياسة والاجتماع... مع نويهض كان هذا الحوار عن كتابه حول تاريخ الفلسفة الإسلامية وقد صدرت بجزأين بعنوان» فلسفة مأزومة»، الى قراءته في الراهن العربي وصعود الحركات الإسلامية...

 ÷ بداية، أين استقرت راحلتك؟

 } عدت الى بيروت.

 ÷ هل ترحالك بين عدد من العواصم يعبّر عن صحافة مأزومة؟

 } الحياة السياسية للصحافة عموماً غير مستقرة. والبحث عن الرزق لا يمكن فصله عن البحث عن المعرفة والتعرّف إلى عادات وجماعات أهلية. فالانتقال أدى إلى نوع من الإرباك في الاستقرار الحياتي اليومي، لكنه ساهم في تعزيز الكثير من الأفكار انطلاقاً من منطق المقارنة بين تقاليد وعادات وثقافة وثقافة...

 نشوء الفلسفة؟

 ÷ ثلاثة كتب صدرت حديثا: فلسفة مأزومة في جزأين . وكتاب عن أبن خلدون. برأيك، أين تولد الفلسفة؟

 } هنالك أكثر من تعريف بولادة الفلسفة. مثلاً هيغل يرى أن الفلسفة تبدأ حينما يتحطم المجتمع، يعني عندما يبدأ المجتمع بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة تبدأالفلسفة بالخروج. أيضاً صاعد الأندلسي في كتابه عن طبقات الأمم، ذكر أن الفلسفة انتشرت في الأندلس عندما انهارت الدولة الأموية. وبرأي صاعد أن الدولة عندما تكون مركزية وقوية فإنها تهتم بالشؤون العمرانية والاقتصادية وغيرها من اهتمامات تعزز استقرار الدولة. بينما عندما تتفكك مركزية الدولة يبدأ الانفلات ، وهذه الفوضى تؤدي إلى انتشار الأفكار والكتب .هذه نظرية صاعد الأندلسي، التي وضعها قبل هيغل بستمئة سنة. هناك ملاحظة يمكن الانتباه إليها وهي أنه في الفترة الأموية لم تشهد الفلسفة تلك المنظومة المتكاملة، شهدت بعض التوجهات الفكرية وبعض الرؤى النظرية العامة. حتى المذاهب الإسلامية لم تتأسس في العصر الأموي، بدأت الفلسفة والفقه الإسلامي من نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، وهذا يؤكد أنه عندما تكون الدولة مركزية وقوية ومهيمنة على المجتمع تتراجع الفلسفة بوصفها قوة تفكير للمستقبل أو رؤية مخالفة للمألوف.

 ÷ يعني تولد إما من رحم الأزمات أو من مستوى الرفاهية التي يحصل عليها المجتمع...؟

 } ماذا تعني الرفاهية؟ تعني الاستقرار. مثلاً الفلسفة الأوروبية الحديثة بدأت كما يقول هيغل من عهد ديكارت. وهناك من يقول إن هوبس هو مؤسس الفلسفة الحديثة، ولكن إذا عدنا إلى تاريخ وظروف ديكارت أو هوبس نرى أن بريطانيا آنذاك كانت تشهد حالة غليان وانقلاب في حياتها وبدأت تنتقل من عصر إلى عصر، أيضاً فرنسا كانت تشهد الصراع البروتستانتي ـ الكاثوليكي وبرز ديكارت في تلك الفترة. إذاً عندما يكون المجتمع في حالة انتقال وفي حالة خروج من فترة معينة اتسمت بالاستقرار أو التقليدية. إلى فترة جديدة، سيؤدي هذا الجديد إلى تكسير التقاليد، وبالتالي سيثير الكثير من الأسئلة. وهذا ما حصل في العصر العباسي؛ العصر العباسي شهد نمو دولة ولكنها متهاوية الأطراف، وبالتالي دخل إلى بغداد والإسلام الكثير من الشعوب والثقافات فظهرت ما يسمى الفِرق الإسلامية. ولذلك نرى أن بدايات الفلسفة الإسلامية بدأت من طرح السؤال من هو؟ بينما الفلسفة اليونانية انطلقت من سؤال من أنا؟ وبالتالي الفارق بين الفلسفة العربية الإسلامية والفلسفة اليونانية، انطلق من السؤال.

 ÷ من هو المقصود: الله...؟

 } الله. ما هي صفاته .. فبدأ الخلاف على صفات الله وعلى أسماء الله. ماذا تعني هذه الأسماء، وماذا تعني هذه الصفات؟

 ÷ هل العقيدة الإسلامية تقلق من الفلسفة والتفلسف؟

 } عموماً الفقه هو فلسفة بحد ذاته. إذا قرأنا تطور المنظومة الفقهية نرى أنها منظومة فلسفية وكلامية. وأيضاً اعتمدت على التفسير والتأويل وهناك مناهج في التفسير. التفسير الباطني والظاهري وهناك الاستقراء، وهناك الاستنباط وغيرها من أدوات المعرفة وهي كلها أدوات تم استخدامها لتقريب النظرية إلى واقع البشر. مثلاً الإمام مالك يقول بالمصالح المرسلة. كلمة المصالح المرسلة هي المصالح البشرية، الوقائع الميدانية. ابن خلدون يقول: إن النص يرتبط بالوقائع الجارية، أي بالزمن الذي نحن نعيش فيه. إذاً قوة الفقه انطلقت من قوة الربط ما بين الوقائع الجارية والزمن الحاضر، وما بين القرآن والحياة، هناك إعادة تفسير وإعادة تفسير حتى يبقى الكتاب قوة حاضرة في يوميات البشر ومصالحهم الذاتية.

 ÷ تقول: إن الفلسفة هي فقه، والفقه هو فلسفة. ولكن حتى في ميدان الفقه الإسلامي هناك مدارس كثيرة متنوعة، ولم تتخط الاجتهادات فيها الإجابة على الكثير من الأسئلة التجريدية، أما في الجانب الميداني، فقد وصلت إلى حد الاختلاف والفتن، والتكفير؟

 } صحيح. مأزق الفلسفة الإسلامية يمكن اختصاره بعدة نقاط وأهم نقطة كانت العجز عن الإجابة عن مصدر العلة الأولى. من أين تأتي العلة الأولى؟ كما نرى أن الفقه والفلسفة يلتقيان وصولاً إلى هذه العقدة. من هو الفاعل؟ من هو الصانع؟ من هو مصدر العلة الأولى؟ ولذلك قلت بدأت الفلسفة الإسلامية من سؤال من هو؟ ومن ثم انتقلت إلى سؤال من هم؟ وماذا تعني من هم؟ هم تتعلق بالهوية الإسلامية. عندما اتسعت رقعة الإسلام ودخلت الشعوب والأقوام إلى هذا الدين الجديد طرح السؤال الثاني؟ من هم؟ من نحن؟ أي ما هو تعريف الهوية ؟ بدأنا نشهد ما يسمّى بكتب الفِرق والمِلل والنِحل. من الإمام الأشعري والبغدادي وصولاً إلى كتاب الشهرستاني عن المِلل والنِحل.. إذا قرأنا كتب الملل والنحل، وكتب الفرق وكتب المقالات الإسلامية ، كانت كلها تتحدث عن الهوية، هوية المسلم، من هو المسلم؟ إذن انتقلنا من السؤال الأول من هو ما هي صفات الله الى من نحن من هو المسلم؟ وبدأت هنا نزعة التكفير؛ أي أن المسلم الذي يتبع كذا وكذا هو المسلم، بينما المسلم الآخر الذي لا يتقيّد بالواجبات والحقوق فهو مشكوك في إسلاميته. وبدأت هنا النقاشات وكل هذه المقالات لها طابع فلسفي.

 ÷ ولكن المدارس الفلسفية في الغرب على تنوع خلافاتها واختلافاتها لم تؤد إلى تكفير طرف لآخر، لماذا؟

 } المنظومة الفقهية الإسلامية قائمة على مجموعة تعارضات، وأيضاً كما الفلسفة تخضع إلى البيئة السياسية والثقافية والظروف التاريخية، الفقه أيضاً يخضع إلى مستوى تطور المعرفة والحياة الاجتماعية والعلاقة مع الجماعة الأهلية، هذه مسألة جداً بديهية وواقعية، لذلك نرى أن الفقه الإسلامي انتشر في بعض المناطق الجغرافية وانحصر في بعض المناطق الجغرافية، هناك مثلاً المذهب المالكي انتشر في منطقة المغرب العربي والسودان، وانحصر في المناطق الأخرى. بينما المذهب الشافعي انتشر في مصر وبلاد الشام وانحصر في مناطق أخرى. الأحناف، المذهب الحنفي انتشر في تركيا وباكستان وآسيا. والمذهب الحنبلي انتشر في الجزيرة العربية وبعض العراق. أيضا المذهب الجعفري منتشر في أكثر من منطقة عربية وفي باكستان وأفغانستان وإيران، والزيدي انتشر في منطقة واحدة هي جبال اليمن.

 ÷ في كتابك فلسفة مأزومة تحكي عن حالات من الاصطدام كانت تحصل بين الفيلسوف من جهة، وبين السلطان بما هو قوة والعامة من جهة ثانية.

 } صحيح، أحياناً كان الاصطدام مع العامة أكثر مما مع السلطة، يعني كانت هناك مشكلة مع العامة. متى كانت تتأزم مشكلة الفيلسوف في ذاك العصر؟ عندما كان السلطان يحتاج إلى قوة عسكرية لمواجهة خطر خارجي. يعني عندما تعرضت دولة الموحدين إلى مخاطر خارجية من الفرنجة في إسبانيا، كان السلطان يحتاج إلى رجال الدين للخطب الحماسية، للتجنيد، للانخراط في القوة العسكرية لمواجهة هذا الخطر، هنا كانت المنظومة الفلسفية تنضرب وتتراجع في تلك الفترة، فترة الاستنفار. وعندما ينتصر الحاكم في معركته العسكرية وتستقر الدولة يعود إلى المسيرة السابقة، وهي الانفتاح على المفكّرين والفلاسفة.

 ÷ أو إلى احتواء هؤلاء الفلاسفة يعني من باب دعمهم المالي ربما...

 } إذا عدنا إلى سيرة كل فيلسوف نرى مثلاً الكندي عمل في الترجمة وكان يصحح اللغة ويطلع على كل كتاب قبل ترجمته وإصداره. الرازي كان رئيس مستشفى في أيام المعتضد. المعرّي كان له ظروف مختلفة. الغزالي في بداية عهده كان على علاقة حميمة مع نظام الملك وكلفه بالتدريس في نظامية بغداد. ومن ثم ترك التدريس والتحق بالصوفية لفترة.

 ÷ يلاحظ أن بعض الفلاسفة كانوا ميالين إلى أن يكونوا مقرّبين من السلطة ومراكز القوة.

 } هذا صحيح.

 ÷ وهل هذا ما زال ينسحب على واقعنا الحاضر بما هم مثقفون ومفكّرون؟.

 } هناك الكثير من أقلام النخبة المعاصرة في حالة هدنة مع السلطة أو في حالة تعاون أو في حالة هروب أحياناً ...بعض النخب تروّج.

 ÷ ترويج ارتزاقي؟.

 } الفارابي مثلاً عندما كتب المدينة الفاضلة طرح هذا السؤال. لماذا كتب الفارابي المدينة الفاضلة. وتبين انه كان على علاقة مع الحمدانيين، وكانت القبيلة الحمدانية التي أسست دولة صغيرة في جنوب بغداد وانهارت تفكّر بالنزوح والانتقال إلى حلب، وبالتالي جاء هذا الكتاب ليترافق مع نمو وصعود نجم سيف الدولة الحمداني، الذي كان على علاقة خاصة مع الفارابي، كما كان على علاقة مع المتنبي. وبالتالي جاء هذا الكتاب عن المدينة الفاضلة في سياق تاريخي محدّد وهي صعود الدولة الحمدانية.

 هوية ضائعة؟

 ÷ أريد أن أرجع إلى سؤال عن عنوان كتابك فلسفة مأزومة، البحث عن هوية ضائعة. ما هي هوية هذه الأمة بتصوّرك؟

 } كان النقاش دائماً حول من نحن وكيف يمكن إعادة تعريف الأمة، لأن هذه الأمة بدأت من الجزيرة العربية وخلال قرن انتشرت من إسبانيا إلى غرب الصين، فبالتالي دخل الكثير من الجماعات والأقوام والثقافات ما أدى إلى طرح سؤال من نحن، وكيف يمكن أن نحدّد هوية المسلم. من هنا بدأت الأسئلة الكبيرة، ولكن كان هناك قدرة للفقهاء على الإجابة والاستجابة، بينما الفيلسوف كان في حالة تأزّم دائمة. والسبب هو عندما كان يصل في سؤاله عن السبب والمسبّب يقف عاجزاً أمام العلة الأولى. مشكلة الفلسفة أنها لا تستطيع أن تتطور في بلد إسلامي لأنها غير قادرة على تجاوز هذه العقدة، بينما الفقيه نجح في تكوين نوع من المصالحة ما بين العقيدة التي ينتمي إليها والأدوات الفلسفية التي يستخدمها لتوضيح أو لتأويل العقيدة.

 ÷ حتى لا أظلم هذا العالم الإسلامي، أريد أن أسأل عن هذا الواقع العربي الذي يتكلم لغة القرآن، ونحن فيه دائماً أمام فتن متنقّلة تبعدنا عن معالجة أسبابها؟

 } علينا أن لا نخلط بين المراحل، هناك مرحلة يمكن أن نقول إنها كانت مرحلة منتجة ومزدهرة، ليس فقط على مستوى الفقه والفلسفة، وإنما أيضاً على مستوى العلوم.

 ÷ حتى أيام دار الحكمة ببغداد وعصر العباسيين والمأمون كان هناك فقراء وفساد، واغتيالات، ومؤامرات ودسائس. طبعاً هذه من صلب الطبيعة البشرية، كما حصل في الغرب، لكن هناك انتفت مسألة الأقليات وظهر الإنسان المدني..

 } سوء توزيع الثروة يشكّل أحد المشكلات. إذا عدنا للتاريخ الإسلامي نرى أن هناك ما يسمّى بكتب الأموال كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي ـ كتبه بتكليف من هارون الرشيد. وإذا عدنا وقرأنا هذا الكتاب نرى أنه منظومة فكرية اقتصادية رائعة، ولكن المشكلة أن السلطة لم تكن قابلة لتطبيق هذا النوع من الاقتراحات والفرضيات والبرامج، وأيضاً عندنا كتاب أبن العربي؛ وهو غير ابن عربي الصوفي؛ هو قاضٍ كبير في الأندلس وله كتاب الأموال وهو ذو أجزاء ويتحدث عن مصادر ثروة الدولة وكيف يمكن أن توزع، ولكن للأسف الشديد حتى هذه الأفكار لم تكن قابلة للتطبيق بسبب هذه الفروقات الاجتماعية والعصبية.

 ÷ هنا، نعيد السؤال عن رأي ابن خلدون وقراءته؟.

 } عاش يومياً هذا الانقسام لأنه ولد في تونس من عائلة كانت غنية وثرية حين كانت في إشبيلية، ومن ثم انهارت وبقيت أشلاء الجاه المفقود. ومنذ ولد ابن خلدون في جو من العلم والفكر انتقل إلى الجزائر وعاصر فترة الدولة المرينية وعاش هذا الانقسام في العائلة الواحدة بين أولاد العم وأولاد الخال، ومن ثم انتقل إلى بني الأحمر في غرناطة، وعندما قتل صديقه الوزير ابن الخطيب؛ قرر اعتزال السياسة والاعتكاف للكتابة.

 ÷ إذاً، الفلسفة بما هي معرفة وتراكم معرفي، كما تقول بكتابك، اصطدم بسقوط بغداد على يد المغول وسقوط الدولة الأندلسية على يد الغرب (الفرنجة). هل هذا اللااستقرار الذي لم ينتج سياق معرفي واحد متراكم شكل أزمة لهذه الفلسفة؟.

 } صحيح، الدولة المركزية الإسلامية انهارت بانهيار الدولة الأموية التي وصلت في أوجها في عصر الوليد بن عبد الملك، ومن ثم بدأت بالتراجع في العصر العباسي حين نجح عبد الرحمن الداخل بالذهاب إلى الأندلس وأسس دولة أموية، فأصبحت الأندلس منعزلة ومنفصلة عن الدولة العباسية، من ثم بدأت تنمو الدولة الفاطمية التي انتقلت من المغرب إلى مصر وتأسست الدولة الفاطمية، فأصبح المسلمون أمام مجموعة دويلات دولة أموية في الأندلس، ودولة فاطمية في مصر، ودولة عباسية في بغداد وبلاد الشام وامتداداً إلى إيران والهند. أيضاً في الهند والبنجاب والسند نشأت دويلات، بالتالي كان الحاكم في بغداد أمام خيارين إما أن يدخل في صراعات لا نهائية مع هذه المستجدات، وإما أن يعترف بها. أحياناً يعترف بها مقابل الخراج فنشأت دويلات مثل الدولة الساسانية والدولة الخوارزمية والصفارية. كلها دويلات نشأت في شرق آسيا أو في منطقة أذربيجان ومناطق السند والهند. إذاً، مفهوم الدولة المركزية كما نراه اليوم أو كما نعرّفه اليوم لم يكن موجوداً في تاريخ العصر الإسلامي وتحديداً منذ العصر العباسي وصعوداً. إذاً، هناك انقسامات وكان هناك مجموعة دول تتعايش وتتصارع في وقت واحد. الصراع العباسي الفاطمي على بلاد الشام أدى إلى دخول الفرنجة واحتلال القدس. كان هناك ما يمكن أن نقول عنه نوع من التفكك، الذي أدى إلى بعثرة القوة الإسلامية وتوزيعها إلى مناطق نفوذ متعددة إلى أن جاء القرن الخامس عشر. في القرن الخامس عشر الميلادي بدأ الانهيار الحقيقي للحضارة الإسلامية، بدأت بعد انتقال مصدر القوة من العالم الإسلامي إلى أوروبا، وذلك عندما نجحت أوروبا في اكتشاف طرق تجارية بديلة من خط الاطلسي وصولا الى أكتشاف أميركا ورأس الرجاء الصالح، حينها بدأت الخطوط التجارية القديمة بالضمور والتراجع، ما أدّى إلى نمو أوروبا.

 ÷ هل هذا الانتقال من الشرق إلى أوروبا يدخل في السياق الطبيعي لصعود وانهيار الحضارات في إطار تفسير ابن خلدون؟

 } ابن خلدون عاصر هذا التفكّك وعندما انتقل من المغرب إلى القاهرة أندهش بهذه المدينة المستقرة والغنية التي تختلف عن تلك المدن أو القرى الذي جاء منها، وبالتالي قرّر أنه لن يعود إلى المغرب.

 ÷ أقصد هذا الانتقال من الشرق إلى أوروبا، هل هو نتاج تفسير لنظريته؟

 } نظرية ابن خلدون مع بعض التعديلات يمكن سحبها وتطبيقها على التطور الأوروبي، لأن أوروبا أيضاً دخلت في صراعات. لم تكن هناك دولة مركزية في أوروبا، وكانت دول أوروبا تتصارع وتتقاتل على المياه الإقليمية والسيطرة على خطوط التجارة الدولية إلى أن نجحت بريطانيا في الإمساك بها، من ثم قامت الثورة الاستقلالية في أميركا وطردت بريطانيا من هناك، بالتالي بدأ نمو أميركا بمعزلٍ عن الهيمنة الأوروبية. أيضاً أوروبا دخلت في صراعات قومية، صراعات عرقية، صراعات دينية ومذهبية، لكن الفارق بيننا وبينهم أنهم هم استفادوا من هذه الصراعات وقرروا الخروج منها انطلاقاً من إعادة صياغة مفهوم الدولة، وقرروا أن الدولة المدنية هي الإطار الناظم أو الوعاء الناظم الذي يحتوي كل هذه الاختلافات.

هناك نقطة مهمة جداً على المستوى المعرفي، المعرفة الإسلامية شهدت الكثير من الإنجازات ولكن للأسف الشديد السلطات في تلك الأيام لم تستخدمها، مثلاً ابن النفيس اكتشف الدورة الدموية. وهذا اكتشاف خارق للعادة في أيامه، لم يترك أي أثر على تطور العلوم. مثلاً ابن الهيثم، أكتشف نظرية أنكسار الضوء، التي يُعتمد عليها حتى الآن في الإنجازات العلمية البصرية المعاصرة، لم يأخذ بها أي فيلسوف أو أي فقيه. لم يكن هناك قوة قادرة على الاستفادة من هذه الإنجازات العلمية، بينما في أوروبا كانت الاكتشافات العلمية تؤثر على الفلسفة، وتؤثر على رجال الدين. مثلاً كوبرنيكس، عندما تحدث عن حركة الأجرام استفاد من هذه الاكتشافات الإسلامية...

عندما اكتشف هارفي الدورة الدموية تأثر ديكارت باكتشافه واعتمد نظريته لتطوير فكره الفلسفي.

ديكارت عندما بدأ انقلابه على الفلسفة الكلاسيكية فلسفة أرسطو، انطلق من سؤال بديهي، قال لماذا أتعلم فلسفة أرسطو، وأرسطو عاش في زمن يختلف عن زمني وفي ظروف تختلف عن ظروفي، وأنا الآن أعيش عصر اكتشافات، هناك اكتشافات طبية وهندسية وفلكية، يجب على الفلسفة الحديثة أن تنطلق منها لتعيد هيكله منظومتها.

 ÷ هل يبدو وكأن العنف كامن في هذه البيئة الاجتماعية العربية؟

 } إن ثقافة القبيلة لا زالت. فهي تقوم على السيطرة وأحياناً على التصارع مع القبيلة الثانية. وأيضاً عقلية النكايات، وعقلية التوريث، هذا لا يعني أننا نسقط الحسنات والإيجابيات من القبيلة، فكرة الغزو قد تكون لها عناصر إيجابية ولكن أيضاً لها أنعكاسات سلبية، لأن اقتصاد الغزو لا يقوم على التراكم، آخذ وآخذ ولا أنتج، ومن ثم أنتقل إلى غزو آخر.

 ÷ هذا ما زال سائداً إلى اليوم لذلك اقتصاد العالم العربي اقتصاد ريعي وقائم على الاستهلاك وليس الإنتاج؟

 } تماما العالم العربي عالم مستهلك وليس منتجاً. هو اقتصاد يقوم على استهلاك ما ينتجه الآخر، و نحن نفكر بعد أن يسبقنا الآخر بالتفكير.

إضافة تعليق

5 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.