أدب الخيال العلمي وصناعة الأحلام

على الرغم من أن أدب الخيال العلمي يمثل الآن نوعا تقليديا من الكتابة، ورافدا هاما من روافد الكتابة القصصية والروائية في أدبنا المعاصر، وأنه أصبح الآن نمط من الإبداع له خصوصيته في طريقة كتابته، وفي التوجهات التي يذهب إليها، إلا أن النظرة الأولية لنسقه الخاص، والطريقة التي تصاغ بها إبداعاته والتي تنطوي على منابع اساسية لا يمكن الاستغناء عنها في تشكيل هيكله العام، وتحديد خطوطه الأساسية يجعلنا نقول إن الأعمال الإبداعية في أدب الخيال العلمي قد وطدت أقدامها في الساحة الأدبية الآن بحيث أصبحت مكتبة أدب الخيال العلمي الآن عامرة بأعمال إبداعية عالمية ومحلية يقبل عليها جمهور القراء في الوطن العربى وفي جميع أنحاء العالم إقبالا كبيرا.
وأصبح بذلك أدب الخيال العلمي يطلق عليه أدب صناعة الأحلام أو أدب التنبؤات حيث تحققت كثير من الأحلام والتخيلات التي تنبأ بها هذا الأدب في بواكيره وبداياته الأولى وأصبحت بالفعل الآن حقيقة واقعة.
وأدب الخيال العلمي كنسق وصيغة خاصة في الكتابة الإبداعية يتكون من ركيزتين أساسيتين وهما المخيلة الأدبية الممتزجة بالحقائق العلمية المجردة والتي يستقي منها الكاتب عناصر التكوين الأساسية لهذا الأدب، والحقائق العلمية ذاتها المستمدة من الطبيعة والواقع والابتكارات والمخترعات والتكنولوجيا الحديثة والممتزجة هي الأخرى بمخيلة الكاتب والمنتجة في النهاية سردا قصصيا وروائيا من الممكن أن نطلق عليها صناعة الأحلام أو الأدب التنبؤى أو الإبداع العلمي وغير ذلك من المسميات التي تضعه الآن في إطار من الواقعية العلمية إن جاز هذا التعبير.
وإذا حاولنا أعطاء هذا النوع من الأدب تعريفا جامعا قاطعا فإنه شأنه شأن بعض الأجناس الأدبية المحكية يعتبر من الآداب المراوغة المحيرة، وإن كانت هناك ثمة محاولات عديدة لتعريفه تعريفا خاصا أقرب إلى الدقة بحيث يبلور ملامحه ويحدد ظلال وخطوط شرعيته في الحركة الأدبية المعاصرة . وعلى الرغم من أن جميع التعريفات التي حاولت بلورت ملامحه قد اجتهدت في وضع إطار محدد له، إلا أن أدق تعريف له هو : " أنه جنس ادبي واع تماما لذاته تمام الوعي يعتمد العلم وواقعيته الطبيعيه من خلال أدبية خاصه به وحده ": وبذلك تكون الطريقة التى عرّف بها هذا النوع من الأدب لها علاقة وثيقة وتكافلية بالطريقة التي يكتب بها/
يدين " الخيال العلمي " باسمه، وليس بوجوده كما كان يصرح أحيانا، إلى " هوكو جيرنزباك " . وقد ابتكر جيرنزباك مصطلح الخيال العلمي باسم " Scientifiction " عام 1926 ليميز محتويات إحدى دورياته التي كان يحررها والتى كانت معروفة باسم " القصص المذهلة " Amazing stories " والتي تحول اسمها بعد ذلك إلى " قصص مدهشة من الخيال العلمي " Astounding Science Fiction " وظل هذا المصطلح قائما لسنوات عديدة مرتبطا بقصص هذه الدورية حتى تم استخدامه على الروايات والقصص التي تحمل سمات الخيال العلمي في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن.
على أن العلم الذي نراه ونسمعه ونشعر به في هذا النوع من الأدب هو " الواقعية " المجردة بخطوطها المألوفة، وبنفس تفسيرتها وتأويلاتها التي تطلق على الأدب القصصي والروائي في حالاته العادية، وهي جزء لا يتجزأ من التخييل الذي تكوّن وتشكل في إدراكنا ووعينا، معتمدا في ذلك على قابلية التركيز في نواح كثيرة من طبيعة الحياة وتشكيلاتها النافذة في واقعنا وفي أعماقنا.
كما تظهر ذلك أبسط دقائق محتويات أجهزة المايكروسكوبي، وما تراه وراء عدساتها من رؤى تحقق النتائج المرجوة من تجاربها وهو ما ينطبق تماما على طبيعة أدب الخيال العلمى ، وهكذا فأنه ليس من المفاجئ ان نرى ما نسميه القصة العلمية تستخدم نفس الوسيلة القصصية ولكن بعد مزجها بحدث مستمد من حقائق علمية متناهية الدقة والواقعية.
وعليه أيضا فإن القصة العلمية كما سبق وأن أوضحنا هي في الحقيقة خيال يبحث عن المجهول بعبارات علمية مفهومة، مستخدما في ذلك الاختراعات الخيالية والاكتشافات العلمية الحديثة وتكنولوجيا العصر في أمكنة عديدة تشمل باطن الأرض، وأعماق البحار والفضاء الخارجي، أما الزمان في أدب الخيال العلمي، فغالبا ما يكون في المستقبل البعيد، أو الماضي البعيد أيضا.
وأحيانا فيما قبل التاريخ، وفي أبعاد جديدة تتناسب مع معطيات وتوجهات الحاضر، وهنا يلعب التخييل مداه في بلورة التخييل العلمي وتجسيد غرائبية الموقف والشخوص والممارسات، وبالتالي يتكون جانبا هاما من تأصيل هذا النوع من الأدب الذي يستخدم كل الممكنات لإيجاد أرضية قوية يقف عليها بجانب الآداب الأخرى المتواجدة على الساحة الأدبية . ففي بعض الأحيان تشبه القصة العلمية القصة الخيالية الطوبائية، ولكن الكتّاب الأوائل في هذا المضمار في الأدب العالمى نجحوا في تسجيل هذا النوع من القص في ريادتهم لهذا المجال واضعين نصب أعينهم أن هذا النوع من الأدب سوف يكون له شأن كبير على المدى البعيد مثلما كان للعلم ذاته التأثير العميق والكبير في تحويل كوكب الأرض إلى حضارات متشابكة وممتزجة الأطار تشترك فيها جميع الشعوب في تبادل المنافع والمصالح والثقافات والآداب.
ونذكر هنا بعض الكتاب وبعض النماذج الذين أثروا هذا الأدب بنتاجهم وأعمالهم مثل " ميرى شيللى " وهي زوجة الشاعر " بيرسي بيش شيللي " وأبنة الفيلسوف والكاتب " وليم كودن " التي اشتهرت بخلق شخصية " فرانكشتاين " من خلال " حادثة واحدة " هي خلق حياة بشرية في المختبر، وأعتقد أن أطفال الأنابيب الآن هي التحقيق العملي لهذا التنبؤ الذي كان يراود خيال إحدى المبدعات في زمان غير بعيد، كما أن خيال الكاتب الأمريكي " إدجار آلن بو " في بعض قصصه الخيالية المرعبة وبصورة خاصة في قصته " سقوط بيت آشر ".
وقصة " جرائم قتل في شارع مورج " قد وضع من قصصه الغرائبية تنبؤات أخرى حول مصير الخير والشر في هذا العالم . وهو ما نراه واضحا حولنا في كمية الشر التي تملأ العالم الآن والتى يذهب ضحيتها الآلاف من البشر كل يوم وكل ساعة في معظم البلدان.
أما الكاتب الفرنسي " جول فيرن " فقد كانت مدرسته الكلاسيكية في القصة العلمية تعتمد على الاختراعات المجربة والمقترحة التي أضافت إلى القصة بعدا جغرافيا إضافة إلى البعد العلمي كما في قصته " خمس أسابيع في منطاد " 1863، و" رحلة إلى مركز الأرض " 1864 ، وروايته " عشرين ألف فرسخ تحت الماء " 1870 . وهذا الخيال التنبؤي نجده واقعا نلمسه ونقرأ عنه من خلال غزو الفضاء والنزول إلى أعماق البحار وأغوارها المتناهية العمق.
أما " هربرت جورج ويلز " المعروف باسم ه . ج . ويلز فقد كتب الكثير في هذا المجال وتعتبر رواياته " الرجل غير المرئي " 1897 و " حرب العوالم " 1898 ، و " حكايات الفضاء والزمن 1899 ، و " آلة الزمن " 1895 من الأعمال التي حققت تنبؤات الإنسان فيما وراء الطبيعة وفيما يحلم به في صناعته الحالية ، كما نجد أن هناك بعَض الأعمال الروائية الطوبائية والهجائية تستعمل أحيانا مواد وتقنيات القصة العلمية ، فمثلا نجد أن الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين في قصته " بانكي كنتيكت في بلاط الملك آرثر " قد استخدم موضوعه الأثير، وهو السفر خلال الزمن معبرا عن رؤيته الساخرة من الواقع المزري الذي يتعايش معه في هذا الزمن.
وبحلول القرن العشرين أصبح واضحا أن القصة العلمية وما تركته من أثر عند جمهور المتلقين للأدب القصصى والروائي قد عمق الولع بها مما جعل المتلقي يشعر بإنه يتقدم إلى أعمال نوعية جديدة من الأدب تأثرت بالأختراعات الجديدة والعلوم الحديثة وتكنولوجيا العصر ، فأخذت القصة العلمية تتزايد كتيار أدبي جديد، و تحظى بقبول واسع عند بداية الأربعينات نتيجة الاختراعات المذهلة التي ظهرت أثناء وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث قذف العلم بالإنسان إلى متاهات الفضاء الخارجي وإلى أعمق أعماق البحار والمحيطات بحثا عن عوالم مفقودة ومتخيلة ومسكوت عنها علميا وأدبيا.
ومن الكتاب البارزين فى هذا المجال في تلك الفترة " إدجار رايس بورزو "(1875 – 1950) الذي اختلق شخصية طرزان ومسلسلات قصص الغابات ومغامراتها ومعه " إتش بى لفكرافت " و" أوكست يرلث كذلك جاء بعد" أتش . جي . ويلز" العديد من الكتاب الذين آثروا أدب الخيال العلمى بكتاباتهم أمثال الكاتب الأنجليزي "ألدوس هكسلي" صاحب روايات " عالم جديد شجاع " و" تقابل الألحان " و " ضرير في غزة " و" الجزيرة " و" صيف بعد صيف " والكاتب الروسي" ألكسي تولستوى" و"صموئيل بتلر "و"آرثر كلارك" صاحب روايات " 2010 أدويسا الفضاء " و" عالم 2001 المفقود " و" المدينة والنجوم " وغيرها من الأعمال الفذة المتميزة . واسحق عظيموف صاحب روايات " كهوف من صلب " و" الأرض هي غرفة واحدة فقط " و"نهاية الخلود " و " مأساة القمر " وغيرها من الأعمال.
ويعتبر الكاتب الأمريكي " راي برادبري" من أشهر كتاب القصة العلمية الحديثة، وهو كاتب متمرس في هذا المجال جمع بين شطحات الخيال ونظريات العلم الحديث في أعماله ، وقد سلح نفسه بالوعى العلمى السليم الذي مكنه من استخدام خياله في صياغة المادة العلمية صياغة فنية روائية.
وبذلك طبق مبدأ أينشاتين الشهير الذي يقول : " إن الخيال خير من مجرد المعرفة بل يأتي قبلها، فالمعرفة هي تحصيل الحاصل، أما الخيال فهو ابتكار ما لم يحدث وإخراجه إلى حيز التنفيذ لكي يتحول إلى معرفة يحصلها من يشاء . وكثيرا ما قال براد بيري لنفسه إنه لا بد أن يوجد شيء من المعلوم في المجهول، كما أنه لا بد أن يوجد شيء من المجهول في المعلوم، وليس على الكاتب أو الروائي أو العالم إلا أن يبحث عنه وأن يجده . فالمعرفة الإنسانية لا تتجزأ بل هي سلسلة متصلة تؤدي كل حلقة منها إلى الحلقة التي تليها وهكذا.
وبذلك يتحول المجهول إلى معلوم بصفة مطردة . وعلى الروائي أن يستخدم خياله ووعيه في تجسيد المرحلة التي تمهد لتحويل ما كان مجهولا إلى معلوم أو ما كان خيالا إلى معرفة . و"لبرادبري" العديد من المجموعات القصصية والروايات العلمية نذكر منها " الكرنفال المظلم " 1947 ، " يوميات من الكوكب مارس " 1950 ، و " صور إنسانية " 1952 " و " صور إنسانية " 1952 ، و " تفاحات الشمس الذهبية " 1953 ، و " 451 فهرنهيت " 1953 والتي أعدت للسينما ، و " بلد أكتوبر " 1955 ، و " عندما ينير الليل " 1955 ، و " نبيذ الزهرة " 1957 ، و " عقار لشفاء الكآبة " 1959 وغيرها من الأعمال الإبداعية المستمدة من التخييل العلمي الذي يتنبؤ بالمستقبل ، ويحدد ملامح وظلال ما وراء الواقع العلمي من منجزات ومبتكرات ومخترعات حديثة.
ولم يقتصر نشاط برادبري على القصص والروايات العلمية ، بكل كتب للمسرح والسينما والإذاعة، ومن أشهر أعماله السينمائية سيناريو فيلم " موبي ديك " عن رواية هيرمان ميلفيل ، وقد أعد برادبري هذا السيناريو نظرا لما يحتويه صيد الحوت الأبيض من حيل سينمائية وعلمية تناسب مزاجه الفني.
وقد حقق براد بري في مجال كتابة الخيال العلمي فلسفة خاصة إذ جعل الإنسان مركز الدائرة الذي تدور حوله كل قصصه وأعماله الروائية ، ذلك الإنسان الذي غالبا ما يتنازل عن إنسانيته وبالتالي يجعل الحياة صعبة بل أكثر استحالة من العصور المظلمة هو نفسه الباحث عن الحقيقة سواء في معناها التخييلي أو في معناها العلمي المكونة للحضارة على مر العصور والأزمان ، وقد سار على نهجه العديد من كتاب هذا النوع من القص بأن جعلوا الإنسان هو المحور الرئيسي لكتاباتهم.
ولا شك أن أدب الخيال العلمي في العالم العربي قد بدأ يتزايد حضوره في الساحة الأدبية ويتواجد في العديد من الإصدارات الدورية وبدأت أسماء كثيرة تطرق هذا النوع من الكتابة بعد أن ترجمت من الإبداع العالمي الكثير من نماذجه، وعلى الرغم من ذلك فإن التراث العربي القديم قد سبق كتاب الغرب في تأصيل إرهاصات أدب الخيال العلمي على مستوى الأعمال الأدبية في التراث الإنساني بصفة عامة من خلال أعمال الفارابي ومؤلفه العظيم " آراء أهل المدينة الفاضلة " والذي سبق به كتابات السير توماس مور عن المدينة الفاضلة " اليوتوبيا ".
كذلك مؤلف ابن طفيل المعروف بـ " حي بن يقظان " والمأخوذ عن " رسالة ابن سينا عن حي بن يقظان، والتي سبق بها ابن سينا و ابن طفيل رواية " روبنسون كروزو " لدانييل ديفو و قصص " طرزان " لإدجار رايس بوروزو، و" رحلات جيلفر " لجوناثان سويفت وأعمال سيرانو دي برجراك.
ولا شك أن الأدب العربي الحديث قد بدأت تظهر فيه مؤخرا إرهاصات أدب الخيال العلمي على يد توفيق الحكيم من خلال قصته " في سنة مليون " التي نشرت عام 1953 ثم مسرحية " رحلة إلى الغد " التى نشرت عام 1958 ، كما كتب الدكتور يوسف عز الدين عيسى عددا من التمثيليات الأذاعية والقصص القصيرة تناولت جوانب ميتافيزيقية من الخيال العلمي وتنبؤاته المثيرة، وكتب الدكتور ياسين العيوطى قصة قصيرة تحت عنوان " المعجزة أو مستشفى في عام 3001 " نشرت في مجلة الهلال عام 1968.
كما كتب الدكتور مصطفى محمود روايته " العنكبوت " 1964 ، و" رجل تحت الصفر " عام 1967، وكتب سعد مكاوي مسرحيته " الميت الحي " 1973 وبعض القصص القصار في هذا المجال، وكتب محمد الحديدي روايته " شخص في المرآة " 1975 ثم جاءت كتابات رؤوف وصفي في قصص الخيال العلمي ، ومترجماته حول هذا الموضوع ، وكتب صبري موسى " السيد من حقل السبانخ " 1986، وكتب صلاح معاطي مجموعتيه " انقذوا هذا الكوكب " 1986، " العمر خمس دقائق " 1992 ، وكتب عمر كامل روايته " ثقب في النهر " 1987 وحسين قدري روايته " هروب إلى الفضاء " 1979، وإيهاب الأزهري روايته " الكوكب الملعون " 1987، وأميمة خفاجي روايتها " جريمة عالم " 1992 وغيرهم من الكتاب الذين ولجوا هذا المجال وكانت أعمالهم القصصية والروائية والمسرحية علامة هامة في مجال أدب الخيال العلمي فى مصر .
كما طرق هذا المجال أيضا مبدعون من العالم العربي يقف على رأسهم الكاتب السوري الدكتور طالب عمران وهو المتخصص الوحيد في هذا المجال من خارج مصر، ومن أعماله " العابرون خلف الشمس " 1987 ، ومجموعة " ثقب في جدار الزمن " 1992 وهي مجموعة كتب مقدمتها كاتبنا الكبير نهاد شريف، و مجموعة " تلك الليلة الماطرة " 1993، كما أن له في هذا المجال أيضا عددا من الروايات وقصص الأطفال.
كذلك كتب الكاتب المغربى محمد عزيز الحبابي روايته " أكسير الحياة " 1974 وأحمد عبد السلام البقالي روايته " الطوفان الأزرق " 1979 ، كما كتبت الكاتبة الكويتية طيبة الأبراهيمي " الأنسان الباهت " و" القرية السرية " و" الكوكب ساسون " 2003 وهي تنحو فى أعمالها حول الأتكاء على ظلال الحقيقة بين الخيال العلمي والفلسفة . كما كتب الكاتب السودانى جمال عبد الملك الملقب بابن خلدون مجموعته الرائدة في الأدب السوداني " الجواد الأسود " عام 1994.
ولعلنا فى معرض الحديث عن أدب الخيال العلمى نضع خطوطا عريضة تحت أسم الكاتب الكبير " نهاد شريف " المتخصص في هذا الأدب في مصر والتي تمثل أعماله حجر الزاوية في هذا الأدب على مستوى العالم العربي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى . فنهاد شريف أخذ على عاتقه منذ بواكير وبدايات أعماله هذا المنحى النوعي من الكتابة وهو فى ذلك يقول : " تعلمنا من تجاربنا السابقة والمتعددة أن الأدب الحقيقي هو الذى يتعامل مع الواقع المعاش.
ويبدع في نقل ملامح من حياة الناس وعلاقاتهم وصراعاتهم من أجل الحياة وهو يغوص في أعماق النفس البشرية باحثا عن الجوهر . وتعلمنا أيضا أن الأدب الملتزم هو ذلك الذي يطمع إلى تغيير الواقع نحو الأفضل والأحسن من خلال المنظور المحلي المألوف . وفي أوائل القرن الحالي وفي نطاق ربعه الأول تعرف البعض منا على نوعية مغايرة من الأدب اقترنت وقتذاك بالأفكار الملتصقة بالعلم ونظرياته بطريقة أو بأخرى . إلا أن النوعية الجديدة اعتبرت ثانوية أو هي أدب طارئ وهجين.
ولا يرقى في قيمته وأهيمته إلى مستوى الأدب المتداول. ومن ثم يستحق من قارئه الأستخفاف وربما لا يقرأ إلا للتسلية وتزجية الوقت . على أن الحال تبدل مع اقتراب منتصف القرن فقد سمعنا كلمة " العلم " تتأكد عبر أعمال جادة راحت تتردد وتنتشر كثيرا عبر الإذاعة والسينما والتليفزيون ، وانطلقت تلح على آذاننا وابصارنا إلحاحا منقطع النظير وفي أيقاع عالي القيمة بالغ الجاذبية.
ثم سرعان ما اكتشفنا أن هناك عديدا من مؤلفات أدب الخيال العلمي يجد أغلبنا متعة في قرائتها، وفائدة في التعرف على ما تطرحه من قضايا حيوية تختص بالعلم ومجالاته وتقنياته وما يدور حوله من تنبؤات وتحذيرات . وهكذا أصبح " أدب الخيال العلمي" الأسم الذى يطلق على نوعية جديدة من الأدب لا أكون مغاليا حين أصفه – في يومنا – بأنه أكثر أنواع الأدب قيمة ولا تقل أهميته عن غيره من الآداب المعتاد قراءتها خاصة إذا كان أدب الخيال العلمي هو الأبن الشرعي لعصر مقوماته وخبراته كلها تصب في فن الحياة المليئة بتكنولوجيا العصر ."
كتب نهاد شريف روايات " قاهر الزمن " 1973 و " سكان العالم الثاني " عام 1977 ، و " الشيء " عام وهي نصوص روائية تبني موضوعاتها على رؤى تنبؤية مستقبلية يتوقع العلماء تحقيقها في الزمن القادم مثل تجميد العلماء لحين استعادتهم للمشاركة في الأعمال العلمية وأيضا بناء مدن فاضلة تحت سطح الماء تكون خالية من الشر ومبنية على أسس من الحق والخير والجمال.
وأيضا في رواية " الشيء " جسد نهاد شريف غزو سكان من العالم الخارجي لكوكب الأرض ومساهمة العالم كله متحدا في مواجهة هذا الخطر الخارجي . أما مجموعاته القصصية وهي " رقم 4 يأمركم " و " الماسات الزيتونية " 1979 و" الذي تحدى الإعصار " 1983 فهي أعمال قصصية تعبّر عن إشكاليات وقضايا تمس جوهر الإنسان وحياته من وجهة النظر العلمية البحتة ، كما أن لنهاد شريف كتاب تحت عنوان " أنا وكائنات الفضاء " يكشف فيه عن رؤيته الخاصة تجاه العالم.
لا شك أن أدب الخيال العلمي قد أصبح حقيقة واقعة داخل الساحة الأدبية يتفاعل مع الواقع ويجسد لنا من القضايا الإنسانية ما يجعل هذا الأدب هو فعلا أحد صناع الأحلام التي تتحقق فعلا بعد مزجها بالواقع من خلال الكتاب الذين يعكفون عليه في صومعتهم ويجسدون من خلاله مدنا فاضلة تعيد صياغة الواقع من جديد من خلال الحلم، ومن خلال رؤية جديدة تستخدم العلم وتحقق من الخيال أجمل ما فيه من متعة ذهنية وفكرية وثقافية.

إضافة تعليق