الارتقاء بالممارسة اللغوية للوصول إلى توأمة اللُّغة والفكر

لمّا كان التفكير من الوظائف الرئيسة التي تضطلع بها اللغات الحية , وكانت العربية واحدة من هذه اللغات التي حظيت بنعمة الحياة, وسعة الانتشار فإن التّغني بخصائصها وتميُّزها,والسعي إلى إقناع أبنائها بضرورة التزامها في أشكال تفاعلهم اللغوي إبّان المواقف التربوية والتعليمية من الفعاليات اللازمة لتكوين مواقف إيجابية نحو هذه اللغة, وتيسير سبل التواصل المباشر بينهم, وتشجيعهم على توظيفها في عمليات التفكير والإبداع المتصلة بميادين الحياة المتنوّعة التي باتت في الحيّزين الزماني والمكاني ترسف تحت وطأة طغيان عولمة لغوية وفكرية توصد أبواب الخلق والإبداع والابتكار أمام الضعاف على امتداد الساحة الكونية كلّها.
لكن الاقتصار على هذا التّغنّي في عالم الألفية الثالثة أضحى من الأمور التي لا تُسمن ولا تغني من جوع إن لم تسعفه ممارسات لغوية فعلية نابعة من قناعات ذاتية تتبدّى في توظيفات شفوية وكتابية ذات معنى, وإبداعات مستمرّة تمدّ الساحة اللغوية بمعين يزيدها ثراء, ويدفع مرتاديها من الأبناء والرّاغبين في الارتشاف من سلسبيلها إلى التباري في التواصل المتعدّد الأشكال عبر تّوأمة متناوبة التأثير بين الفكر من جهة, والألفاظ الفصيحة والتراكيب السليمة والتعبيرات الدّقيقة من جهة أخرى.
وعلى هذا تكون الدّعوة للالتزام عربية واحدة موحّدة في المدرسة على امتداد ساحة الجغرافيا العربية من الأسس التي لا معدى عنها في هذا الزمان على أن ترتبط هذه الدّعوة بحفز أولئك الملتزمين على جعل التزامهم اللغوي منطلقاً لتنمية مهارات تفكيرهم والارتفاع بممارساتهم اللغوية إلى المستوى الذي يعكس الانسجام بين الفكر واللغة في وحدة الممارسة التي تتبدّى في مناشط حياتهم اليومية ؛ الوظيفية منها والإبداعية.
ولا يخفى أن الوصول إلى هذه الوحدة في سلوك المتعلم يتطلب تحقُّق تفاعل عضويّ واع بين مفهومي اللغة والفكر بوصفهما التوءم الذي يستقي حيويته واستمراريّته من معين الممارسة اللغوية الفعلية بشكليها؛ الوظيفي والإبداعي في ميادين التواصل المتمثّلة بالحوار والمناقشة وإيضاح الفكرة وما إلى ذلك على نحو شفوي, أومن خلال الكتابة التي تأخذ أشكالاً متنوّعة مثل اليوميات والقصة والشّعر وغيرها على النّحو الذي يحمي القائم بهذه الممارسة متكلّماً أو مستمعاً أو كاتبا أو قارئا من شرك التعبيرات التي يتقزّم فيها اللفظ أمام المعنى أو التي يسفُّ فيها المعنى فيُقصّر عن الوفاء بمتطلّبات اللفظ انطلاقاً من أن الفكر يُمثّل الرُّوح التي تندغم في قوالب لغوية قوامها الألفاظ الفصيحة والتراكيب السليمة الموحية المُعبّر بها في موقف لُغويّ وظيفيّ أو إبداعيّ.
وعلى هذا فإن الممارسة اللغوية الصحيحة والفاعلة تتطلّب الارتقاء من مستوى العناية الأحاديّة باللفظ أو المعنى إلى مستوى العناية المتوازنة التي تتأتّى من التّدرُّب الواعي على اختيار الألفاظ الفصيحة والتراكيب السليمة والتعبيرات المؤدّاة على النّحو الذي يعكس التكامل بين وجهي اللغة في موقف تواصليّ تحققت له شروط النجاح.
فإذا ما اعتُني بهذا التوظيف بدءاً من رياض الأطفال, وساندتها جهود معلم واع مُتطلّع برغبة إلى إحداث تعلّم منشود تشكّلت لدى المستهدفين من التلامذة والطّلبة قاعدة متينة من المفاهيم الصحيحة, ويسّرت لتلك البراعم تفتّحاً ونموّاً مرغوبين فيهما بفضل التوظيف الواعي للخبرات الحسّيّة وشبه الحسّيّة المستخدمة في تكوين المفاهيم المُجرّدة, وفي التدريب على كيفيّة اكتسابها ,ثمّ القياس عليها, والإضافة إليها. ولا يخفى أن ثمرة اكتساب المتعلم للمفاهيم الّلغوية عمل مستمرّ متجدد تتكامل حلقاته في مراحل التعليم المتنوّعة بحيث تستند كل مرحلة إلى نتاجات ما سبقها, وتُمعن في تمتين البناء وتقويته اعتماداً على وعي كلّ من المعلم والمدرّس في المواد الدّراسيّة كلّها على امتداد المراحل التعليمية, واقتناعهما بما جرى التأسيس له في سلوكهما إبّان مرحلة إعدادهما, وفي مرحلة تدريبهما على تخيُّر اللفظ السليم المناسب للمعنى, والعناية بالتعبير عن الفكرة بألفاظ فصيحة وتراكيب دقيقة, وامتلاك الكفايات الضرورية لتدريب المتعلّمين بحسب مستوياتهم المتنوعة على توثيق الصّلة بين الفكر واللغة في سلوكاتهم اللغوية وإقدارهم على إظهار نتاجات هذا التدريب في السلوك اللغوي بشكليه؛ الوظيفي والإبداعي على النحو الذي يتميّز فيه سلوك المتعلّم اللغويُّ عن سلوك غيره ممن لم يحظ بمثل هذا التّدريب المثمر.
بمثل هذا التّوجّه العمليّ يُؤسّس لتوءمة فكرية لغوية ترى النور في سلوكات الناشئة التي يُتوقّع أن تتشكّل في بيئات دافئة يتولّى فنّ إدارتها معلمون ومدرسون وعوا مهماتهم, وآمنوا بنجاعة جهودهم وتكاملها عبر المواقف التي تعاملوا فيها مع المتعلمين في مراحل التعليم, وهم يخططون لأعمالهم الخيّرة, ويُنفّذونها, ويُقوّمونها بتشاركيّة واعية مع المتعلمين - بوصفهم المستهدفين من العملية التعليمية التعلُّمية - عبر أساليب شائقة فعّالة تُلحُّ على بناء الخبرات أو إعادة بنائها في ضوء الشروط والمعايير التي تعتمدها النّظم التعليمية المعاصرة لتحقيق النمو الشامل المتكامل لمتعلمين يُعدّونُ للإسهام الفاعل في بناء المجتمع وتطويره

إضافة تعليق