إعادة الإعتبار للمطالعة في مناهج التربية ضرورة لإيجاد الطفل القارئ

على الرغم من أن أي مصدر للقوة ليس بوسعه أن يولّد قدراً من النور أكبر مما يولده كتاب صغير –كما قال أحدهم- إلا أننا في مجتمعاتنا العربية ما زلنا لا ندرك أهمية الكتاب سواء كان صغيراً أم كبيراً، لإيماننا الضعيف بتلك القوة التي يتمتع بها الكتاب في مجتمعاتنا، لذلك فإن هذا الإيمان لا يمكن أن يتم إلا عبر تكوين مجتمع قارئ أساسه وجود طفل قارئ يحتاج أولاً وأخيراً إلى كتاب مناسب يناديه ويغريه لفعل القراءة، والمؤسف أن هذا الكتاب القادر على فعل ذلك مازال يعاني عثرات وخيبات، ومازال يخضع لسلسلة من التجارب تنجح أحياناً وتفشل أحياناً أخرى، مع الإشارة إلى جهود عديدة تُبذَل في سبيل أن يغدو كتاب الطفل كائناً كاملاً.. وفي تحقيقنا التالي حاولنا أن نتلمس واقع هذا الكتاب من خلال شخصيات هامة تحاول توفير مناخ مناسب لإيجاد طفل قارئ ليكون عماد مجتمع قارئ يكون فيه الكتاب حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها
كتاب الطفل يحتاج إلى كتّاب شباب
تبيّن السيدة أنطوانيت القس مديرة منشورات الطفل في الهيئة العامة السورية للكتاب في وزارة الثقافة أن المديرية هي الجهة التي تقرّ النشر لكتاب الطفل الذي يصدر عن الهيئة، وذلك بعد أن يخضع المخطوط الوارد إليها للتقييم من قبل لجان متخصصة بكتاب الطفل والمواضيع التي يتناولها، إلى جانب وجود لجنة متخصصة بالجانب الفني للكتاب، أما المعايير التي يتم على أساسها التقييم فتتعلق بأهمية الموضوع وجدّته وسلامة اللغة فيه .
أما الصعوبات التي تواجهها المديرية على صعيد كتاب الطفل فهي تتعلق بالطباعة، وإن كانت ترى القس أن التأخير في إصدار الكتاب إلى حد ما صعوبة مفهومة بالنسبة للمديرية لعلمها بضغط العمل الكبير في الوزارة بسبب عدد الدوريات والمجلات والكتب التي تُطبَع في مطابعها، مشيرة إلى أن كتاب الطفل عموماً بحاجة إلى تطوير على أكثر من صعيد، سواء ذاك الصادر عن دور النشر الخاصة أم المؤسسات الرسمية، خاصة على صعيد المواضيع التي يتناولها والتي باتت في معظمها مكررة تُطرَح منذ عشرات السنين، في حين أن طبيعة عصرنا اليوم تتطلب معالجة وأسلوباً وخيالاً مختلفاً يثير فضول الطفل ويحثّه على السؤال والاستنتاج لتنمية فضوله ومداركه بما يتناسب مع التطور الذي يحدث في العالم المحيط به، مشيرة إلى أن الكتابة للطفل هي من أصعب أنواع الكتابة بعكس ما يظنّ كثيرون ممن يستسهلون الكتابة له، ولهذا ترى أن تطور كتاب الطفل يحتاج إلى كتّاب شباب يحملون الأفكار الجديدة وإلى متخصصين بالكتابة للأطفال، خاصة وأن الكتّاب الذين يكتبون لهم في معظمهم كتّاب للكبار، وهذا يخلق صعوبة في أن يعود الكاتب إلى الطفل الذي بداخله فيكتب بلسانه بدلاً من أن يكتب له، ولتطوير هذا الكتاب توضح أنه من الضروري أن تولي المؤسسات الرسمية التي تعنى بكتاب الطفل الاهتمام الكافي الذي يبدأ بالاهتمام بمضمون الكتاب وشكله وطريقة تقديمه إلى جانب الدعم المالي الكافي ليصدر الكتاب بالشكل اللائق ولتشجيع الكتّاب على المشاركة والمساهمة في تنمية عالم الطفل وإغناء خياله وشخصيته بالشكل الأمثل، كما تؤكد القس أن الهيئة العامة السورية للكتاب حققت قفزات نوعية على صعيد كتاب الطفل في السنوات الأخيرة قياساً عمّا كان عليه الأمر في السابق من حيث اهتمامها بشكله وصوره ورسوماته.
كتاب الطفل جزء من
مشكلة الكتاب بشكل عام
أما صبحي سعيد مقرر جمعية الأطفال في اتحاد الكتّاب العرب فيشير إلى أن كتاب الطفل جزء من مشكلة الكتاب بشكل عام في بلدنا، فقد عجز ناشروه عن الارتقاء به شكلاً ومضموناً وتصديراً وبناء علاقة جيدة بين الكاتب المبدع والجمهور، وعلى الرغم من اعترافه بوجود أعمال جيدة موجّهة للطفل إلا أنه يبين أننا لم نستطع تقديم كتاب جيّد متكامل للطفل على صعيد المضمون والشكل، ويعتقد أننا نحتاج اليوم بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بشكله، إلى جانب تحديد المراحل التي سيخاطبها وحلّ مشكلة التسويق والتوزيع، المشكلة الأكبر برأيه في مجال كتاب الطفل، كما يوضح سعيد أن مشكلتنا مع كتاب الطفل تبدأ مع الأسرة التي لا تشجع أطفالها على القراءة، ومن ثمّ مع المدرسة التي ضعف دورها في تفعيل العلاقة بين الطفل والكتاب، إضافة إلى وجود دور نشر لا يهمها موضوع الكتاب كقيمة أدبية وفكرية وفنية بقدر ما يهمها تقديم كتاب بتكاليف رخيصة لتتعامل معه كأية سلعة تجارية، ويتوّج ذلك عدم وجود نقد حقيقي موضوعي لماينشر وهذا إن عنى فإنه يعني بالنسبة لسعيد أن الجميع شركاء في أننا لا نفكر بإيجاد الكتاب المناسب الذي يشدّ الطفل، لذلك ورغم الإنجازات الجيدة التي حققها كتّابنا في مجال أدب الأطفال إلا أنه يقرّ بوجود فجوات ومطبّات فيه تبعده عن أطفالنا، ومنها بعد هذا الكتاب عن الواقع الحقيقي الذي يعيش فيه طفلنا، إلى جانب تكرار المواضيع المتناولَة دون البحث عن موضوعات جديدة، ويعترف سعيد أنه وغيره من كتّاب الأطفال مقصّرون في إعطاء قدر من الأهمية لأدب الطفل الذي مازال دون أولويات الكتّاب الذين في معظمهم يكتبون الرواية والقصّة والشعر ليلتفتوا أحياناً للطفل، وبالتالي هذا يعني أن المخلصين لأدب الطفل قلّة قليلة .
صناعة الكتاب تراجعت
في حين تؤكد الكاتبة مريم خير بيك أن الرحلة مع كتاب الطفل شاقّة ومكلفة جداً وتحتاج إلى التأني والخبرة والدراسة الدقيقة المتمرسة كي يصل إلى يد الطفل فلا يرميه بعد أول صفحة يقرؤها، وتشير إلى أن صناعة الكتاب وإن أصبحت أسهل اليوم بما وصلنا إليه من تطور في التقنيات إلا أنها تراجعت كمّاً ونوعاً، الأمر الذي يتطلب منا النهوض بهذا الكتاب من جديد لأن طفلنا بأمسِّ الحاجة إليه ولاسيما في مثل هذه الظروف، والمطلوب لتطوير كتاب الطفل –كما تبيّن خير بيك- اختيار الإنسان الذي له علاقة وثيقة بهذا المجال والكاتب المبدع أولاً، والفني القادر على إخراجه بأفضل شكل وإلى وجود مؤسسات لتسويقه حتى لا يكون صناعة خاسرة، ولهذا كلّه تؤكد أنه لا بدّ من وجود مشروع وطني تتضافر فيه الجهود للوصول إلى كتاب يرضى عنه الطفل، وتبيّن أننا اليوم بأمس الحاجة لهذا المشروع، خاصة وأن العمل للطفل يحتاج إلى فريق عمل قادر ومتخصص (رسّام، مخرج، خطّاط، كاتب) وكل هذا يرتّب تكاليف أعلى بحيث إن تكلفة قصة ملوّنة لا يتجاوز عدد صفحاتها 8 صفحات تكون أكثر من تكلفة كتاب للكبار عدد صفحاته 50 صفحة، وهذا ما يفسّر برأيها ابتعاد دور النشر عن الاهتمام بكتاب الطفل، خاصة وأن ربح كتاب الطفل يكون عادةً أقلّ بكثير من ربح كتاب الكبار.. وتناشد خير بيك في ختام كلامها كل المعنيين بكتاب الطفل أن يبذلوا جهوداً أصدق وأكثر جدية في سبيل تقديم كتاب يناسب الطفل، خاصة في ظلّ هذه الظروف التي يعيشها شعبنا العربي الذي يتعرض لكل أشكال الغزو السياسي والثقافي والاجتماعي ليكون الكتاب المصدر الأهم لتثقيف الطفل .
دوافع طفلنا للقراءة تتراجع
كما تأسف السيدة منى سالم مسؤولة قسم الأطفال في دار الفكر لأن دوافع طفلنا للقراءة والتعلم تتراجع، فلا الأهل مهتمون بتعويد أطفالهم على القراءة، ولا المدرسة تحثهم على مواصلة التثقيف الذاتي والمطالعة الحرة خارج كتابهم المدرسي، ولا ثقافة المجتمع تقوم على نشر الوعي القرائي كوسيلة لتنمية قدرات أفراده وسط طوفان المعلومات، ورغم أن الكثير من المؤسسات والهيئات العامة والخاصة قد تنبهت لأهمية القراءة في زمن الانفجار المعرفي إلا أن المهمة الأكبر برأيها أوكلت إلى دور النشر التي بدل أن تنصرف إلى تطوير كتبها ونوعية ما تقدمه أخذت تصرف جل جهودها إلى مهمة تسويق كتبها وترويجها وخلق منافذ جديدة لبيعها.. وتؤكد سالم أننا لا نستطيع أن نفصل واقع الكتاب عن واقع المجتمع الذي يعيش فيه، فالصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا بدّ أن تترك بصماتها على مؤلف الكتاب ورسّامه وناشره الذي عليه أن يعبر الحواجز بكتابه إلى السوق ويحقق رسالته في الوصول إلى الطفل والارتقاء به وبمقدراته، ولذلك فإن المطلوب لتحسين كتابه هو إصلاح مناهج التربية التي ربطت التعليم بالمقررات المدرسية وبترت العلاقة بين الطالب والكتاب حين صرفت همه إلى نيل الشهادة، والمناهج عندما تمارس هذا الدور كما تبيّن سالم تلغي كل دور لمكتبة المنزل أو المدرسة ولحصة المطالعة، في حين أن مناهج التربية والتعليم هي المسؤولة عن غرس عادة القراءة لدى الإنسان من أجل بناء مجتمع قارئ، كما لا تستطيع سالم إنكار الجهود المبذولة لناشري كتب الأطفال ومحاولاتهم الارتقاء بهذا الكتاب رغم كل الصعوبات، وترى أن دور النشر قد تنبهت إلى أهمية النشر للطفل على أنه استثمار للمستقبل وإن تباينت درجة الاهتمام هذه حسب رسالة الناشر وأهدافه، وتعتقد سالم أنه حين يدرك المجتمع أن التحديات أمام مستقبل أطفاله بامتلاك ناصية العلم والتقانة بشكل أساسي سيسعى إلى تمكين أطفاله من امتلاك هذه الناصية .

إضافة تعليق