«لمسة» إسرائيليّة في اللغة العربيّة

يتعارف، في شتاء العام 2009، في أروقة ملاصقة لغرف المؤتمرات في جمعية علمية إسبانية، باحثون ومتخصصون في شؤون اللغات والألسنية، ويتبادلون أطراف الحديث. شابان فرنسيان تابعا دراسة اللغة العربية، يشدهما حديث رجل متقدم في السن عن هذه اللغة: غناها، قواعدها العلمية التي تجعلها قابلة للتطور الدائم وتبعد عنها شبح الموت. إنه واحد من أشهر «رجال القواميس» في العالم، محاضراته «العالمية» موعد نادر للمهتمين بعلوم الكلام واللغات، إنه الإسرائيلي ليونيل كرنرمن (Kernerman).

بسرعة أوضح كرنرمن للشابين أنه مهتم بهما لأنه أطلق مع «دار أسيميل»، قاموساً «فرنسي - عربي وعربي - فرنسي». هذا القاموس جزء من سلسلة تعدّها داره، وتساعد على تدريس اللغة العربية، منها قاموس «هاراب» الإنكليزي للناطقين باللغة العربية وموجود في مكتباتنا ومعتمد لدى مؤسسات تعليميّة. وقد صدر بالشراكة مع الدار الكندية الشهيرة Harrap، وإن كانت الإشارة إلى Kernerman تتردد على غلافي القاموس. هذا إضافة إلى أن الدار الإسرائيلية تصدر عدداً كبيراً من القواميس بلغات متعددة، كان إنتاجها الأول في العام 1986 قاموساً لتعليم اللغة الإنكليزية للناطقين باللغة العبرية، تلاه آخر للناطقين باللغة العربية. والمقر الرئيس للدار في مدينة تل أبيب.

لم يخف لمحدثيه الفرنسيين رؤيته «العلمية» و«التجارية» للغة العربية. لم يدّع أي اهتمام بعرب 48، وبضرورة التوجه إليهم أو ما إلى ذلك، كان خطابه يلتقي عند ما قاله شمعون بيريز لصحافيين إسرائيليين عام 1993حين سألوا «هل من داعٍ لعملية السلام»، فرد «ما نبحث عنه ليس سلاماً (ترفرف فيه) الأعلام، بل سلام الأسواق».

كلام بيريز كان أشبه بترجمة لما قاله رئيس غرفة التجارة الإسرائيلية حينها، دان غيلرمن بأن إسرائيل يجب أن تتحوّل إلى السوق المركزي الإستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط.

في هذا الإطار، يمكن فهم اهتمام كرنرمن باللغة العربية، فهي قابلة للحياة الطويلة من دون التأثر بتقدم أو تراجع أصحابها على ساحة السياسة العالمية - وترتكز إلى قواعد علمية لذلك فإنها تشكّل تجارة رابحة، هذا إضافة إلى أن الاهتمام العالمي بالعرب لن يتوقف مهما تبدلت العناوين السياسية (الإرهاب، البترول، الحراك السياسي...).

لكن كيف تُعلم «دار كرنرمن» اللغة العربية؟ قراءة في القاموس الجديد الصادر بالتعاون مع «دار أسيميل» الفرنسية، تساعد على تقديم إجابة واضحة.

يعتمد القاموس ترجمة لكل كلمة من اللغة العربية (أو من الفرنسية)، مضافاً إليها مثال أو أمثلة لتوضيح استخداماتها، ولكن الأمثلة المستخدمة (لتوضيح الكلمات العربية) تغرف من عوالم الحروب، النزاعات، الاعتداءات. وهذا ما يساعد على إرساء فهم للغة العربية وأصحابها باعتبارهم معتدين دائماً، يتحدثون لغة محملة بتعبيرات الحرب كتجربة إنسانية يعيشونها باستمرار ويمارسونها. هذه الممارسة، أو هذا الأسلوب في تعليم اللغة، وفق ما أكد لـ«السفير» باحثون فرنسيون وعرب متخصصون، يساعد على ترسيخ صورة العرب كإرهابيين. هنا نذكّر بأن اللغة في جزء منها تتضمن تراكمات تغذيها بها الذاكرة الشعبية والتجارب المتنوعة. هكذا، وفق قواميس «كرنرمن»، فإن ذاكرة اللغة العربية، وبالتالي ممارسة أبنائها، هي ذاكرة حربية عنيفة، فأي ذنب للإسرائيليين في مواجهة هذا العنف الموروث؟ سؤال قد يتبادر إلى أذهان دارسي اللغة العربية بالاستعانة بقواميس «كرنرمن»، التي تقدم أحياناً ترجمات غير دقيقة، إذ نقرأ مثلاً أن كلمة نقطة تعني point، ثم نقع على مثال «نقطة عسكرية» كونها base militaire، وهي في هذه الحال ترجمة خاطئة إذ تعني الجملة الفرنسية قاعدة (لا نقطة) عسكرية، القارئ العارف باللغة العربية سيسأل لماذا تم حشر ترجمة غير دقيقة لتوضيح كلمة نقطة.

من الأمثلة التي نقع عليها في القاموس، ترجمة لكلمة cracher من الفرنسية إلى العربية، بأنها تعني بصق ويُعطى مثال «interdit de cracher» أي «ممنوع البصق»، أما حين تتم الترجمة من العربية إلى الفرنسية فتُترجم كلمة نفث بـcracher، ومن الأمثلة التي تُعطى «نفثت الطائرة صواريخها»، وهي عبارة لا يستخدمها العرب، بل يقولون مثـلاً نفثـت الطائرة دخانها، ولكن لماذا حشـر الصواريخ في المثال؟ هل الأمر مجرد ترجمة غير دقيقة؟ يصعب تصديق ذلك لأن من المشاركين في وضع الكتاب نزيه قسيس ونزار حلو، وهما عربيان، يعرفان اللغة واستخداماتها.

النكبة في قاموس «كرنرمن» هي catastrophe، والمثل المعطى هو نكبة فظيعة، لا توجد بالطبع أي إشارة إلى الدلالة التي تحملها هذه الكلمة في القاموس السياسي العربي باعتبارها هزيمة أدت إلى قيام إسرائيل. أما حين يتعلق الأمر بكلمة نكسة، فثمة مثال يتحدث عن النكسة العسكرية.

تطول لائحة الأمثلة التي تصب في إطار تكريس فهم اللغة العربية كلغة للعنف والحروب في هذا القاموس. الأغرب أن بعض إصدارات كرنرمن، تنتشر في عدد من الدول العربية بينها لبنان - تحت غطاء شراكته مع دور أوروبية وأميركية، وأن بعض مدرسي اللغة العربية للأجانب يعتمدونها من دون أي تدقيق في مضمونها، بل إن هذا المضمون لم يثر تساؤلاتهم.

أخيراً، منذ العام 2001، أطلقت «دار كرنرمن»، بالتعاون مع شركائها في أكثر من 20 دولة أوروبية وأميركية وآسيوية، قواميس وبرامج تدريس اللغات المعتمدة على التقنيات التكنولوجية الحديثة، وعلى الإفادة من شبكة الإنترنت، ويلفت موقع «دار كرنرمن» (kdictionaries.com) إلى أن عنوان مقرها الرئيس هو: 8 Nahum Street, Tel Aviv 63503 Israel، حيث تقديم مفصل لكل إصدارات الدار، ونشاطاتها.

 السفير

بيسان طي

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.