معارض الكتب العربية: أرقام وتصريحات مبالغ فيها

إذا أردت معرفة حال المعارض العربية للكتاب، فلابد من الرجوع إلى تصريحات (هيرمان سبرويت) رئيس اتحاد الناشرين الدولي السابق الذي أكد أثناء زيارته، في إحدى المرات، لمعرض القاهرة الدولي للكتاب أن: «المعارض الدولية ينبغي أن تكون لها آلية منظمة، وأقول دائماً إن الطموحات وحدها لا تصنع معرضاً دولياً، ومعرض القاهرة محلي جيد، لكنه ليس دولياً». وزاد قائلاً: «أما عن مشاركة الناشرين الدوليين فليست مثل صالون باريس الذي ينظم بطريقة مختلفة مبنية على الدقة والنظام، حيث يتم تصنيف الناشرين وفق التخصص في كتلة محددة، والخدمة تصل إليهم بشكل أفضل وتوفر فهارس وافية، ويتم تسليم الكتب في المعرض قبل الافتتاح بوقت كاف».
إذًا، يبقى السؤال الملح الذي يطرح كل عام، قبل كل دورة معرض كتاب عربي ما: هل المعارض العربية للكتاب مثل معرض القاهرة وأبو ظبي، معارض دولية أم أسواق للبيع؟ وهل هي في خدمة صناعة النشر أم لا تتعدى كونها تظاهرات ثقافية تقام على هامش هذه المعارض؟
الناشر المصري محمد رشاد صاحب الدار المصرية اللبنانية رئيس اتحاد الناشرين المصريين قال إن معرض القاهرة للكتاب يجمع بين صفتين: السوق والمعرض, سوق لأنه مفتوح للجمهور لشراء الكتب، ومعرض لوجود صالة جيدة للعرض أي للمحترفين من الناشرين. أما صفة أنه معرض دولي فأكد رشاد أنه بالفعل معرض دولي منذ تاريخ إنشائه إلى الآن، رغم أن عدد دور النشر الأجنبية انخفضت مقارنة بفترة السبعينات. وأضاف رشاد أنه طالب أكثر من مرة أن يكون المعرض للعرض فقط كما هو في المعارض الدولية التي تفتح أبوابها في اليوم الأخير للجمهور، أما بقية الأيام فتكون للناشرين، وذلك بهدف تنمية صناعة النشر وتطويرها. والكارثة التي يراها رشاد حادثة في المعرض هو مكانه غير الملائم لنشاطه. فذكرته بما قاله (هيرمان سبرويت) من أنه في فرنسا ولندن وطوكيو تنظم المعارض شركات محترفة متخصصة بالتعاون مع الناشرين، وهذا ما يحدث في معرض فرانكفورت الذي تنظمه جهة متخصصة، وبخصوص مصر هناك ثلاثة اقتراحات قالها سبرويت، الأول أن يظل المعرض على وضعه الحالي أي تنظمه الحكومة (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، والثاني إسناد المسؤولية لمحترفي تنظيم المعارض، والثالث أن يصنع الناشرون معرضاً دولياً خاصاً بالتوازي مع معرض القاهرة، وإذا تقرر هذا سنرشدهم بصفتنا الاتحاد الدولي للناشرين إلى كيفية التنفيذ، ولا يهم من سينظم المعرض الدولة أم القطاع الخاص، المهم تلبية احتياجات الناشرين المحليين والدوليين. فسألت رشاد هل ترى أن الناشر المصري على استعداد لإقامة معرض دولي على غرار المعارض الدولية كفرانكفورت؟ أجاب رشاد: إنه على استعداد، ولكنه لا تستقيم المقارنة بين المعارض العربية والغربية.
الرأي نفسه، أكده د.محمد عبد اللطيف رئيس اتحاد الناشرين العرب قائلاً: «إن المقارنة أكيد في صالح المعارض الأجنبية، التي تراعي وتضع معايير لا تطبق بالكامل في المعارض العربية، مثل عدد الدول المشاركة، وكذلك عدد الناشرين الأجانب، ومدى نجاح عملية بيع وتوقيع عقود للنشر بين الناشرين المختلفين، والترجمة. ولفت عبد اللطيف النظر إلى أن ذلك لا يمنع من أهمية إقامة المعارض العربية في شكلها الحالي، الذي يبدو منه أنه كسوق للبيع. وأوضح عبد اللطيف أن معارض الكتاب العربية تكاد تكون هي الوسيلة الوحيدة لتوزيع الكتب في العالم العربي، الذي يعاني من نقص شديد ومخجل لشركات توزيع محترفة، مؤكداً أن المعرض العربي هو الموسم لبيع الكتب، معترفاً أن العالم العربي في مشكلة كبيرة. وأشار عبداللطيف إلى أن الأنشطة الثقافية المصاحبة لإقامة المعارض هي من أهم أسباب انعقادها، حيث يلتقي الجمهور العربي بالمفكرين والكتاب العرب على هامش إقامة معرض الكتاب. وعن أقرب معرض عربي يلتزم بالمعايير الدولية، أوضح عبداللطيف أنه معرض أبو ظبي للكتاب، الذي حاول أن يكون نسخة مصغرة من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب. لكنه غير ناجح بالدرجة الكافية، فلا يجوز أن تنقل صورة لمعرض دولي في بلد عربي دون أن تغير المناخ الثقافي نفسه، أو دون فهم المجتمع بعاداته وتقاليده التي تختلف بالطبع عن المجتمع الأوروبي. وعن دور الاتحاد الذي يرأسه، أشار عبداللطيف إلى أن هناك لجنة بالاتحاد خاصة بالتنسيق بين المعارض العربية للكتاب، تنسق المواعيد بين المعارض، فضلاً عن عقد لقاءات مع مديري هذه المعارض. وعما ينقص المعارض العربية لتكون معارض دولية، قال محمد رشاد، ومعه الناشر المصري عبد اللطيف عاشور المسؤول باتحاد الناشرين المصريين، وصاحب دار نشر خاصة، إن ما ينقص المعارض العربية هو توفير تسهيلات أفضل لبيع الحقوق والتسويق مع ناشرين أجانب، فضلاً عن وضع مكانة دولية لهم، تكون منظمة كمثيلاتها في الغرب من حيث البنية التحتية، وتخصيص صالة لعقد الاتفاقات واللقاء بين الناشرين العرب والأجانب، وتصنيف ناشري الأطفال، وناشري الكتب التعليمية، ففي معرض فرانكفورت قاعة مخصصة لهذا الغرض وهذا مطلب أساس، ومعرض القاهرة لا توجد به معلومات حول كيفية استيراد الكتب، وإقامة علاقة بين الناشر المصري والأجنبي. مفارقات الأرقام ولعل عبارة (مفارقات الأرقام).. وصف دقيق لما يشهده، على سبيل المثال، معرض القاهرة الدولي للكتاب-إذا جاز التعبير، فهناك خلاف دائر حول وصفه بالدولي، بل وحول وصفه بالمعرض. حاولنا رصد وتتبع معرض القاهرة للكتاب منذ عام 1981 حتى الدورة الأخيرة، التي أصابها الارتباك، نتيجة ثورة 25 يناير. واكتشفنا أن (المفارقات) في تصريحات المسؤولين، والمبالغة في تقديراتهم هي الفكرة الأساسية لحكايات (معرض القاهرة الدولي للكتاب). ونجيء إلى المفارقات التي تشمل فروع عديدة: عدد الكتب المعروضة، وعدد العناوين، وعدد الدول المشاركة، وعدد الزوار، وعدد دور النشر. أولى المفارقات ما يعلنه منظمو المعرض كل عام لعدد العناوين والدول المشاركة في المعرض، إذ تجنح الإحصاءات الصادرة عن معرض القاهرة الدولي للمبالغة دائماً، على سبيل المثال، يقال إنه في عام 1981 كان عدد الدول المشاركة نحو 27 دولة بـ(11) مليون عنوان في حين نكتشف أنه في عام 2004 اشتركت 97 دولة بـ(4) ملايين عنوان فقط. وبلغ عدد الدول المشاركة في دورة عام 1999 نحو80 دولة و85 في عامي 2001، 2000 و97 دولة في 2002، وظل الرقم (97) دولة مشاركة على الساحة حتى أصبح 25 دولة فقط في عام 2004 بعدد كتب 4 ملايين عنوان.
أما المحير في الأمر ما يعلنه المعرض بخصوص دور النشر المشاركة الذي كان 236 داراً في عام 1981 وأصبح في تزايد مستمر إلى أن وصل في عام 1998 إلى4250 داراً رغم أن العناوين المعروضة في هذا العام لم تتعد 4 ملايين كتاب معروض أو عنوان. ويزيد الأمر تعقيداً حول العدد الحقيقي لدور النشر الأجنبية، وعدد الدول المشاركة التي تكون في معظم الأحيان سفارات أجنبية، ومراكز أجنبية ثقافية بالقاهرة، لا ناشرين أجانب بجد. وتبقى المبالغة في عدد العناوين المشاركة فهي البطل في حكاية معرض الكتاب، ويذكر أنه في إحدى دورات المعرض خلال اجتماع شارك فيه متخصص من قسم المكتبات بكلية آداب القاهرة ذكر خلال الاجتماع رئيس أسبق لهيئة الكتاب أن معرض الكتاب به 18 مليون عنوان فرد عليه المتخصص في المكتبات أنه غير حقيقي؛ لأن منظمة اليونسكو أجرت إحصاءً كشفت أن هناك 14 مليون كتاب ظهرت منذ اختراع الكتابة حتى الآن فكيف يضم المعرض 18 مليون كتاب وأن عدد الكتب التي ظهرت في مصر حتى الآن لم تتجاوز 200 ألف. عدد الزوار أيضاً من المفارقات إذ وصل إلى 8 ملايين زائر في إحدى الدورات فيما الفعلي هو 750 ألفاً فقط، بل أحياناً تتضارب التصريحات. تصريح أكد أنه عام 2006 كان عدد الزوار 4 ملايين، وآخر يشير إلى العدد كان 3 ملايين فقط. وبعد عرض تلك مفارقات، نشير إلى أن كل دخل معرض القاهرة للكتاب، كما أكد مصدر باتحاد الناشرين المصريين، يأتي من الناشرين باستثناء 3 أو4 % من بيع تذاكر الدخول، وتبلغ الحصيلة 12 مليون جنيه يدفع الناشرون منها 95 %. لكن اللافت هنا أن الدولة تتخوف من الندوات الثقافية لذلك تسيطر عليها، فأرادت أن تتولى تنظيم المعرض كله من نشر وبيع وإقامة ندوات، رغم أنه معروف أن حصيلة المعرض يدفعها الناشرون، ومنها يتم تمويل الندوات الثقافية، واستضافة الضيوف من العالم العربي. تكرار لأفكار وسوء تنظيم وبعيداً عن الجدل الدائر حول وصف المعارض العربية بأنها دولية أم لا؟ أرجع الكاتب المصري محمود الورداني أزمة معارض الكتاب العربية، التي تقام بالأساس لتنشيط الحركة الثقافية، إلى تلك الإجراءات التي تقوم بها الحكومة للتخلص التدريجي من مثل هذه الأنشطة الثقافية، التي أصبحت -في رأيها- عبئاً أمنياً. واعتبر وجود 300 ندوة ضمن أنشطة هيئة الكتاب أمر مبالغ فيه، ولا يحتمله أي معرض، خاصة إذا كانت تلك الأنشطة تكراراً لأفكار الأعوام الماضية، وتعاني سوء التنظيم. وقال إن بعض التواضع قد يكون أكثر إفادة، موضحاً أن التباهي بالأرقام، والإسراف في استخدام أفعل التفضيل أمر غير ضروري، وكذا الحديث عن مناطحة معرض فرانكفورت، الذي يقوم على أنشطة وأفكار مختلفة تماماً عما في معرضنا من نشاطات. وأوضح أن لمعرض فرانكفورت مستوى آخر من التنظيم، وهو يضم أهم كتاب وناشري العالم، ويهتم بالترجمة وحقوق النشر والطبع، ودوره الأساسي عقد الصفقات بين الناشرين، فضلاً عن عمل أبحاث مهمة جداً في مجال النشر الإلكتروني. وعن معرض القاهرة للكتاب، أكد الورداني أن هذا المعرض تجربة مصرية خالصة، فيها بيع كتب، ومولد لبيع المنتجات، فضلاً عن عقد ندوات، وهذا يختلف عن مفهومنا عن المعارض الدولية التي تهدف فقط إلى عقد اتفاقات وبيع حقوق النشر والترجمة بين الناشرين، أما ما نفعله في المعارض العربية، فهي تظاهرات ثقافية من بيع كتب ولقاء مع المفكرين والكتّاب. وأشار الورداني إلى أنه لا يهمه وصف المعرض بأنه دولي أم لا، ما يهمه هو إبعاد الرقابة عن سوق بيع الكتب.
المجلة العربية

إضافة تعليق