معارض الكتب تغرق في إشكاليات التنظيم

رغم أن معارض الكتب تقام على مدار العام، في عدة دول عربية وأوروبية، ولم تعد محتكرة من قبل مؤسسات ودور النشر، وإنما امتدت لتشمل المؤسسات التربوية والجامعات، فإنها ما تزال -عربياً- غارقة في إشكاليات التنظيم، والمعروض، والإقبال، والهدف من اعتماد هذه المعارض.
الناشر والشاعر جهاد أبو حشيش أكد أن معارض الكتب (فاقدة لدورها الريادي)، بيد أن وجهة نظر أخرى تنظر إلى هذه العملية باعتبارها (صناعة واستثماراً)، فكما يرى القاص والإعلامي جعفر العقيلي، فإن الصناعة تعني ضمناً أن هناك استثماراً لن يؤتي أكله من دون تسويق وترويج، وهو ما أصبحت تضطلع به معارض الكتب بامتياز في عصرنا الحالي بما يخص المطبوع بصيغه وأشكاله المختلفة.

الشاعر والكاتب طارق مكاوي يرى أن «الثقافة في بعض الدول العربية حالة عرض أزياء مستمرة، وبهلوانات ترقص على الحبال»، محملاً المسؤولية لدور النشر، والمؤسسات الرسمية الثقافية، موضحاً في حديثه لـ(العربية) أن «الكتاب آخر من يعرف عن معارض الكتب» لكن و«بالصدفة نعرف أن هناك كتاباً بيع لنا هنا أو هناك وبمحض الصدفة»!.

الباحث عبدالرحمن تركي، وبحكم طبيعته الأكاديمية، يرى أن المعروض يشبه بستاناً متنوع الثمار، بيد أنه يشير إلى أن الجانب الواضح في معارض الكتب (التسويق) من أجل الكسب المادي، فيما تكون بعض المظاهر الاحتفائية بكاتب هنا أو هناك كشكل آخر من أشكال التسويق التجاري، التي تضفي تنوعاً على المعرض.

وفي ضوء ذلك ثمة إجماع على أن معارض الكتب ليست من أجل الثقافة فقط، وإنما وجدت لأغراض تجارية وتسويقية، الأمر الذي يجعل (الهدف الثقافي) -في كثير من المعارض- يتيماً في بستان الكتب.

المعارض لا تؤسس لما هو حقيقي

ويتناول جهاد أبو حشيش -مؤسس دار فضاءات للنشر والتوزيع المختصة في الكتاب الثقافي- دور المؤسسات الرسمية ومسؤوليتها عن معارض الكتب، ودعم النشر، مفترضاً في وزارة الثقافة العربية زيادة دعمها للكتاب العربي وحركة النشر العربية، بيد أنه يشير إلى أن هذه الوزارات على أفضل تقدير «مربكة وحائرة وفاقدة لدورها الريادي الذي لا يتجاوز في أغلبه الاحتفالات الكرنفالية السريعة واللا مدروسة والتي لا تسعى إلى تطوير رؤية حقيقية تجاه الكتاب، قدر ما تسعى إلى ما يشبه المهرجانات الاحتفالية التي تبهر العيون ولا تؤسس لما هو حقيقي».

ويتابع صاحب ديوان (امرأة في بلاد الحريم) أن «المعارض العربية باتت كما السكين في الخاصرة فمن جهة أنت معني بالمشاركة فيها لتعرض ما لديك من كتب وإصدارات جديدة، ومن جهة أخرى أنت تعلم سلفاً أن آخر ما تهتم له معظم المعارض العربية هو البعد الثقافي الحقيقي، فما نراه من نشاطات في الكثير من المعارض لا يعدو كونه نشاطات كمية، فارغة من المضامين، واحتفاءات يتجمع فيها أصدقاء الكاتب على أحسن تقدير».

ويروي أبو حشيش بصفته ناشراً بعض ما يثير استغرابه لاسيما حين تنشر وسائل الإعلام عن إدارة معرض ما، وجود إحصاء عن مليون زائر مثلاً في الأيام الأولى، معلقاً على هكذا أخبار: «ليحصوا إذن عدد الذين اشتروا حتى يعرفوا أن معظم دور النشر، بالكاد تسترجع ما دفعته من تكاليف، باستثناء من لهم جيوب وأيدٍ في المؤسسات الرسمية وهؤلاء تكون طلبياتهم جاهزة لهذه المؤسسات قبل اشتراكهم في المعارض».

ويرى أن الأصل في المعرض «حدث استثنائي في العلاقة مع الكتاب، ولكن للأسف فالكثير من اتحادات النشر العربية باتت تعتبره الرافد الرئيسي لميزانيتها غير عابئة بالناشرين وما يتحملونه من مصاريف أصبحت لا تطاق، لقد تحولت معظم المعارض العربية إلى مناسبة اجتماعية استعراضية، وبذلك فقدت صلتها بروح الثقافة وكل ذلك يدعو إما إلى إلغائه، وإما إلى نزع صفة الضروري والمهم عنه، والالتفات إلى فكرة المكتبات شبه المجانية التي يجب على الدول أن تدعم وجودها إن أرادت أن تنتج مواطناً إيجابياً منتمياً وفاعلاً».

ويختم حديثه قائلاً «باستثناء معرض الشارقة للكتاب والذي يسعى لإرساء حالة ثقافية نوعاً ما نتيجة لتميز حاكم الشارقة واهتمامه بالثقافة، تجد أن معارض الكتاب العربية فقدت مضامينها الحقيقية بل أصبحت إداراتها تتعامل بفوقية لا علاقة لها بالثقافة مع الناشرين».

المعارض.. صناعة واستثمار

جعفر العقيلي له رؤية تدرس الموضوع من زاوية الكتاب باعتباره (صناعة)، قائلاً: «أنظر إلى موضوع معارض الكتب من زاوية أخرى، مرتبطة بما يدعى (صناعة الكتاب)، وهو مفهوم يعني ضمناً أن الكتاب يخضع في مراحل إنتاجه ونقله إلى الحيز العام، إلى متطلبات (الصناعة) بما تتضمنه من معدات وآليات وتقنيات وكلف اقتصادية تترتب على الناشر جراء ذلك».

ويستطرد صاحب المجموعة القصصية (ربيع في عمان): «ولأن الصناعة تعني ضمناً أيضاً أن هناك (استثماراً) من نوع ما، فإن هذا الاستثمار لن يؤتي أكله من دون تسويق وترويج، وهو ما أصبحت تضطلع به معارض الكتب بامتياز في عصرنا الحالي بما يخص المطبوع بصيغه وأشكاله المختلفة المقروء ورقياً أو إلكترونياً، أو الذي يجري تلقيه عبر حواس أخرى؛ سمعياً، أو باللمس بالنسبة للمكفوفين».

ويتابع العقيلي: «لكن الاحتفال بالكتاب بعامة، والاحتفاء به شهد انزياحاً لصالح المبالغة في التكريم في زمن يتراجع فيه الكتاب دوراً وأهمية، وهو أمر مرتبط بمعطيات الثورة الرقمية وعصر التقانة، إذ يبدو أن هنالك تهديداً للكتاب، بصيغته الورقية تحديداً، فالكتاب الورقي بوصفه وسيلةً ومصدراً للتلقي معاً، يتضاءل الإقبال عليه ويتنامى العزوف عنه عالمياً كما تشير إحصاءات واستطلاعات كثيرة، كما أن العالم يشهد تحولاً بخطا حثيثة نحو التكنولوجيا التي يتعاظم دور وسائطها المختلفة بوصفها وسائل للتلقي».

ويرى في حديثه لـ(العربية) «أن العزوف عن الكتاب، مرتبط بالعزوف عن القراءة نفسها، وهو أمر متصل بإيقاع الحياة المعاصرة التي باتت القراءة فيها تحتل درجةً متدنية على سلم أولويات المرء، نظراً لتعدد مجالات نشاطاته وتنوع مصادر تلقي المعرفة، حتى لو بدت هذه (المعرفة) سطحية أو خالية من الإثراء»، مضيفاً أن معارض الكتب أصبحت «بمعنى أو بآخر طقساً أو فعلاً إعلامياً ثقافياً، يتاح فيه تبادل التجارب، والاطلاع على الجديد من حصاد المطابع، وتلمس المزاج العام للقرائية من خلال إحصاءات الكتب الأكثر مبيعاً، سواء تعلق الأمر بكتاب بعينه أم بنوع محدد من الكتب التي تنتمي إلى حقل معين».

ويشير إلى أن «ما يرثى له، والمحزن حقاً، أن يكون هناك عدد كبير من الكتب الفاخرة شكلاً، الفارغة محتوىً، والتي يتكبد مؤلفوها أو ناشروها أو الجهات الداعمة لها، نفقات لا حدود لها، فيما هي تفتقر إلى الرسالة أو يعوزها المستوى الفني-المضموني اللائق».

الكتاب والمعارض ودور النشر

طارق مكاوي يرى أن «ظاهرة معارض الكتب التي تتوزع في العواصم العربية هي ظاهرة مريحة وبادرة طيبة، فهي تنشر كتاب العالم العربي وتسهم في دعمهم، خصوصاً إذا رافقها بعض الكتاب المحتفى بهم من خلال دور النشر أو الحكومات التي تتبنى هذه المعارض»، ويضيف قائلاً: «لا أستطيع أن أطلق حكماً على ما يدور هنا أو هناك ولا أستطيع الجزم بأن هذه الظاهرة تحقق أهدافاً عالية، لكنني أستقرئ الأمر على بساطة الكاتب الذي لا يعرف من كتابه إلا ما كتبه، فدور النشر تتبنى الكتاب الذي يدر عليها الربح، وقد تعطي هذه الدور الفتات للكاتب الذي حقق نصراً أولياً بنشره كتابه، طبعاً أنا أتحدث هنا عن قطاع من الكتاب لا يملكون إرثاً عظيماً، أو اسماً عربياً كما هو حال معظم المبدعين في الأردن والعالم العربي».

ويتابع صاحب ديوان (ورق أصفر): «حديثي يدور حول ما أسمعه من أصحاب دور النشر بأن هذا المعرض لم يكن موفقاً، لكنهم حققوا حضوراً به، وإن كانت القضية فقط تقف عند تحقيق الحضور، فهذا يعني أن هذه المعارض هي عبارة عن ألوان لجذب السياح ودعاة الثقافة إليها لأنها وكما يدعي البعض لا تحقق لهم أرباحاً، ولم أسمع لغاية الآن من زملائنا الكتاب أنهم يذهبون لدور النشر لأخذ عائدات كتبهم، بل إن البعض يتهربون من دور النشر لأن عليهم استحقاقاً لدى الناشر».

ويستطرد في حديثه لـ(العربية) قائلاً: «أعود مرة أخرى إلى ظاهرة المعارض والتي ربما تعكس دوراً طليعياً للدولة المضيفة. ولماذا لا نتجرأ أكثر وبصوت أعلى ونتكلم عن دور الثقافة في العالم العربي ووزاراتها والتي تعتني بالمعارض وترسم واجهة جميلة ومزيفة لحال البلد.. الثقافة في بعض الدول العربية حالة عرض أزياء مستمرة، وبهلوانات ترقص على الحبال، والثقافة شيء لا يتحكم به إلا دور النشر التي تعمل حبالها على رقبة المبدع الحقيقي وتخرج خاسرة دائماً بكافة مرابحها. نحن الكتاب آخر من يعرف عن معارض الكتب لكننا بالصدفة نعرف أن هناك كتاباً بيع لنا هنا أو هناك وبمحض الصدفة».

فوضى الكتاب.. والحاجة للتنظيم

عبدالرحمن تركي، يربط الموضوع من زاوية اهتمامه الأكاديمي، فالمعارض كـ(البساتين) توفر له -وللباحثين- المعرفة من مصادر متنوعة، بيد أنه يقول: «معارض الكتب حال المهرجانات و(الكرنفالات) ترتبط بالجانب التجاري بشكل وثيق، ولا تنفصل عنه، وبعض المظاهر الاحتفائية بكاتب هنا أو هناك هي شكل آخر من أشكال التسويق التجاري، التي تضفي تنوعاً على المعرض».

ويتابع تركي أن «المعارض في بعض الأحيان تبتعد عن التنظيم، فيصبح المتسوق غارقاً في بحر من العناوين، ومشتت في الجهات.. إنها فوضى الكتاب».

ويقترح في سبيل زيادة التنظيم وحل هذه المشكلة «أن تعمل الجهات المشرفة على توفير قاعدة بيانات للكتب حسب الاختصاص، تحدد فيها مكان وجود الكتاب، وبهذه الحالة يكون بالإمكان اختصار الوقت والجهد في البحث للوصول إلى عناوين بعينها»، مشيراً إلى «الحاجة الماسة إلى وجود المعارض وتطويرها وتنميتها، لأن هذا يصب في عملية تعزيز القراءة التي هي في تراجع عما كانت عليه في ظل ثورة المعلومات، ولأن المعارض بحد ذاتها تشكل قيمة ثقافية ذات شأن عال للمجتمع والدولة، فإن الدور الرئيسي في تطوير هذا القطاع يرتبط بالمؤسسة الرسمية ودور النشر، في تنمية التعاون بينهم لخدمة القارئ».

ويقول «إن المعارض العربية في مختلف الأقطار معنية في تعزيز التعاون فيما بينها أيضاً لتبادل الخبرات في سبيل جعل الكتاب العربي عبر المعارض عالمي الحضور، ولا يكون ذلك إلا باحتضان المعارض بتوجه الدعاية من الترويج للمعرض إلى الحديث عما يحتويه من مضامين قيمة، وبذلك يختفي ما يعرف بـ(الكتاب التجاري) الذي يقدم عناوين على شاكلة (كيف تصبح مليونيراً في عشرة أيام!)».

ويختم حديثه بالإشارة إلى (عناوين الربح) في معارض الكتب، «فتجد الاهتمام المتزايد بالكتاب الأكاديمي لأن هناك طلبة جامعات وأساتذة أكاديميون يقبلون للبحث عنه فيما تختفي كتب أخرى -أو تتضاءل- كأدب الأطفال التي عادة ما تكون مترجمة عن ثقافات أخرى، الأمر الذي يعني ضرورة تعزيز التوازن في عرض الكتب استجابةً لتنوع المجتمع الذي يبتعد عن القراءة والكتاب مع تقدم واضح للتكنولوجيا».

المجلة العربية

إضافة تعليق

3 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.