الأغلفة الأنيقة: هموم الكتاب ومعضلات النشر

لا يمكن الحديث عن معارض الكتب من دون ربط هذا النشاط الثقافي بالكتاب عموماً، ذلك أن أي معرض للكتب ينهض أساساً على الكتاب، وتحديداً الورقيّ منه، وبالتالي فإن أية مقاربة نقدية لهذه المعارض، التي تمتد من الرباط مروراً بالقاهرة ودمشق وبيروت والرياض وصولاً إلى الشارقة وأبو ظبي؛ لا بد أن تتوغل خلف الأغلفة الأنيقة التي تتصدر رفوف المعارض، فالسؤال الأساسي يتمثل في مدى إمكانية هذه الأغلفة الأنيقة؛ اللامعة إخفاء هموم الكتاب ومعضلات النشر في العالم العربي، وكيف أن طبيعة الحياة اليومية تركت تأثيراً، ليس على طبيعة النشر والتسويق فحسب، بل كذلك على طبيعة المعارض وأنشطتها وبرامجها.
وفقاً لما سبق، فإن الاكتفاء بالقول إن معارض الكتب قد تحولت إلى أنشطة ترفيهية وتسويقية؛ منطوية على الطابع الدعائي والترويجي والسياحي، سيكون ناقصاً ما لم يذهب المرء إلى البحث عن أسباب وعوامل أخرى هي التي أفرزت مثل هذه الظاهرة. وقبل الخوض في هذه الأسباب، لا بد لنا من الإشارة إلى وجود تباينات في طبيعة المعارض ذاتها، فبعضها ذهبت بعيداً في إظهار هذا البعد الترفيهي الدعائي، وبعضها الآخر مازال يحافظ على قدر من الجدية والرصانة, بحيث تجتهد لئلا تتحول إلى مجرد نشاط سياحي، وثمة دور نشر عديدة حرصت على سمعتها، ولم تخضع لكل المغريات الشكلية، وفي المقابل هناك دور نشر رضخت للمغريات، واستجابت لرغبات القارئ الكسول بدلاً من تشجيع القارئ الحصيف. وبمعزل عن هذا التباين الذي نلحظه في معارض الكتاب، نكرر الإشارة إلى أن هذا التحول له أسباب وعوامل تتخطى حدود المعارض، لتلامس صناعة النشر برمتها، والعقبات التي تعترض سبيل هذه الصناعة.
ولعل معضلة الكتاب الورقي الرئيسة تتمثل، بالدرجة الأولى، في هيمنة ما يسمى بـ(ثقافة الصورة)، فهذا التطور التكنولوجي الهائل بات يحيط بحياتنا اليومية من كل جانب، من الفضائيات وانتشارها اللامحدود، إلى الإنترنت ومواقعه الإلكترونية التي لا تعد ولا تحصى، إلى (الآي فون) و(الآي باد)... وسواها من الوسائل السمعية والبصرية التي أخذت مكان الكتاب الورقي، واستحوذت على اهتمام شرائح واسعة من المجتمع وخصوصاً شريحة الشباب. ولئن حولت هذه التكنولوجيا الرقمية كل شيء إلى (صورة متحركة على شاشة مضيئة)، فإن الكتاب نفسه لم يسلم من هذا (الغزو التكنولوجي)، إذ بات في مقدور أي شخص أن يطالع كتباً وقواميس ومجلدات على شاشة صغيرة، وهذا الشخص لم يعد يشعر بأنه في حاجة إلى شراء كتاب أو زيارة معرض للكتب، بمعنى أن هذه التكنولوجيا، رغم جوانبها الإيجابية، قد خلقت لدى الجمهور عزوفاً عن الكتاب الورقي، وأثّر سلباً على معارض الكتب وعدد النسخ المطبوعة، ونسب المبيعات، فما كان من منظمي المعارض، والحال كذلك، إلا أن فكروا في اختراع وسائل جذب جديدة، تحمل طابعاً احتفالياً، بهدف كسب رضا الجمهور الغارق في (فردوسه التكنولوجي).
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فثمة هموم وعقبات أخرى كثيرة تعترض سبيل الكتاب، وتأتي على رأسها نسبة الأمية العالية؛ المنتشرة في بعض البلدان العربية، وهذه النسبة تصل إلى نحو 80 في المئة في بعض المناطق، ومثل هذا الرقم يفسر عدد نسخ الطباعة القليل لكل كتاب، إذ تقول السيدة فاتن علي التي تعمل في دار المدى بدمشق إن عدد نسخ الطباعة لا يتجاوز الألف نسخة للكتاب الواحد, (أي نحو 300 مليون عربي)، موضحة في حديث لـ(المجلة العربية) إن هذا الرقم يرتفع في حالات نادرة، كأن نطبع رواية لغابرييل غارسيا ماركيز أو لماريو بارغاس يوسا، إذ يصل عدد النسخ المطبوعة، عندئذ، إلى نحو أربعة آلاف نسخة، علماً أن مقارنة هذه الأرقام مع مثيلاتها في الدول الأوربية، مثلاً، تكشف عن حقائق مرعبة، وتبين مدى اللامبالاة إزاء الكتاب.
وإلى جانب الأمية، كإحدى مشاكل النشر، ثمة مسألة الرقابة في العالم العربي، وهي قضية شائكة؛ معقدة تحد من انتشار الكتاب الورقي ورواجه وتسويقه، والملاحظ أن هذه الرقابة، كما يقول الناشرون، لا تخضع لمعايير وضوابط واضحة وصريحة، وإنما هي رقابة مزاجية تخضع لذائقة الرقيب ومرجعياته الفكرية، وهذا الرقيب يبالغ في الحذر حينما يكون موضوع الكتاب متعلقا بالجنس أو السياسة أو الدين، فهذه المفردات تشكل (الثالوث المحرّم) في عالم النشر. وإذا ما جازف بعض الناشرين بطبع كتاب يتناول مواضيع متعلقة بهذا الثالوث، فإنه يخفق، غالباً، في عرضها في هذا المعرض أو ذاك. وليس غريباً، والحال كذلك، أن يقول الناشر اللبناني بشار شبارو في حديث متلفز له، بثّ قبل أسابيع على شاشة العربية، إن الكتب الرائجة في معارض الكتب هي تلك المتعلقة بالطبخ والأبراج والتجميل والموضة والشعوذة والدجل، فضلاً عن عناوين سخيفة من قبيل (كيف تصبح مليونيراً)، أو (كيف تكسب الأصدقاء)، أو (نصائح للرشاقة)... وسواها من العناوين التي تتصدر رفوف المعارض على اعتبار أنها تحقق ربحاً للناشر.
وثمة من يرى أن سبب العزوف عن الكتب ومعارضها يعود إلى ارتفاع سعر الكتاب، ويبرر الناشرون مثل هذا الغلاء بارتفاع سعر المواد الأولية التي تدخل في صناعة الكتاب، وارتفاع أجور الأيدي العاملة، ومن هنا يلجأ الكثير من القراء، مرة أخرى، إلى الشاشة ليجد الكتاب أمامه بسعر زهيد أو حتى مجاناً، بينما يمضي الناشر، بدوره، في تكريس البعد الكرنفالي للمعارض.
يقول الناقد والأكاديمي السوري د.خالد الحسين إن معارض الكتب هي من أبرز المحطات التي تتيح للقارئ وجبة متنوعة من المعرفة والثقافة، واصفاً المعارض بأنها أندية معرفية تجول بك في حقول الفكر والفن والفلسفة والتاريخ والحضارة واللغات، لكنه يشكو من أن هذا النشاط الثقافي الراقي أخذ دوره يتراجع.
ويوضح الحسين في حديث لـ(المجلة العربية) أن الطابع الترفيهي؛ الدعائي بات طاغياً، مشيراً إلى أن معرض الكتاب الدمشقي، مثلاً، قد تحول، في السنوات الأخيرة، إلى مكان لتوقيع الكتب بقصد جذب القارئ، والتقاط صور للذكرى مع هذا الشاعر أو ذاك الروائي، فضلاً عن أن الأنشطة الثقافية المصاحبة أصبحت نوعاً من التقليد الرتيب بعدما كانت منبراً للنقاش والجدل والاختلاف عبر استقطاب أسماء سامقة في مجالات الأدب والفكر والنقد.
ورغم ذلك، ينفي الحسين أن تكون المعارض، لوحدها، هي المسؤولة عن تراجع دور القراءة في حياتنا، مشيراً إلى أن الثقافة عموماً لا تحظى بدعم رسمي، كما أن وسائل الإعلام الرسمية والخاصة تفتقر إلى برامج تربوية جادة تحض على القراءة والمطالعة، وعلى نشر الوعي بأهمية الكتاب كوعاء معرفي لا يُقارَن بأي وسيلة معرفية أخرى.
من جانبه يشكو الناشر السوري سراج عثمان من إهمال الكتاب رغم المعاناة الباهظة في إنجازه وطباعته، ومثل هذا الإهمال يتجلى، كما يرى عثمان، في معارض الكتب التي راحت تتقلص كثيراً بالمقارنة مع أنشطة فنية وترفيهة أخرى تحظى بالدعم والرعاية والإقبال من طرف الجمهور.
ويوضح عثمان صاحب دار الزمان بدمشق أن المعاناة في صنع الكتاب تبدأ من المؤلف الذي يقضي عمره في البحث والتقصي ثم يختار فكرة معينة لكتاب ما، فيبدأ بالتدوين مستنداً إلى المصادر والمراجع الكثيرة، ثم يبدأ بالتعديل والحذف والإضافة، ومراجعة النص مرات عدة إلى أن يصل المخطوط إلى الصيغة النهائية، فيدفع بها إلى الناشر الذي يقوم، بدوره، بمراجعة الكتاب ودراسته وإخراج صفحاته وتصميم الغلاف له، ودفعه إلى الطباعة، التي تمر أيضاً بمراحل عدة، إلى أن نصل إلى الكتاب في شكله الورقي التقليدي، لتبدأ معاناة جديدة لها علاقة بالتخزين والشحن وعبور الحدود هنا وهناك.
ويستنتج عثمان في حديث لـ(المجلة العربية) أن صناعة الكتاب أمر شاق، لكن، رغم ذلك، لا يحظى بالدعم الرسمي، بل إن الجهات الرسمية تضع عقبات أمامه مثل آلية الرقابة وفرض رسوم جمركية عليه، مبيناً أن كل ذلك يؤثر على طبيعة معارض الكتب، إذ أصبح المشاركون فيها يبحثون عن طرق للربح السريع والمضمون بمعزل عن القيمة المعرفية للكتاب بوصفه خير جليس في الأنام، وفق تعبير الشاعر الكبير المتنبي.
ويطالب عثمان منظمي معارض الكتب بإلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الكتاب، وإلغاء أو تخفيض أجور الأجنحة المخصصة لعرض الكتب، وتوفير تسهيلات أمام إقامة أصحاب دور النشر والعاملين فيها الذين يشاركون في هذا المعرض أو ذاك، والحرص على عدم تضارب المواعيد بين معارض الكتب العربية، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات وغيرها سيخفف العبء عن الناشر، ويدفعه إلى الاهتمام بمضامين الكتاب ويبعده عن الانشغال بالربح، وهذا سيحد من الطابع التجاري والتسويقي للمعارض.
ويرى عثمان أن الهدف الجوهري من إقامة معارض الكتب ليس مجرد عرض الكتب الجديدة، رغم أهمية هذا الجانب، بل إن قيمتها تتمثل، أساساً، في هذا الفضاء الثقافي الذي توفره في هذه المدينة أو تلك، إذ يلتقي الكاتب والباحث والناشر مع القارئ ويخوض الجميع في حوارات ثقافية جادة بين أروقة هذا المعرض أو ذاك، ناهيك عن الصفقات، التي وإنْ أخذت طابعاً تجارياً، لكنها، في النهاية، تخدم الثقافة والمعرفة، وهما تشكلان الأساس في تطور الشعوب والمجتمعات، ولذلك فإن الاهتمام الرسمي والأهلي بمعارض الكتاب يعني، في أحد وجوهه، الاهتمام بتطور الأوطان وتقدمها.
ويختتم عثمان حديثه بالقول إن الكتاب صناعة، ولا حرج في البحث عن مردود اقتصادي، شريطة ألا يكون ذلك على حساب المعرفة والثقافة، وألا تتحول المعارض إلى ما يشبه المتاجر أو المولات، لأن معارض الكتاب تحوي عصارة الفكر الإنساني، وعلى منظمي المعارض والمشاركين فيها وزوارها الإخلاص لهذه الحقيقة.

إضافة تعليق