الإنسان العربي من الكهوف إلى القصور

لم تكن حياة أسلافنا الأوائل تتشابه مع حياتنا الحاضرة في معظم التفاصيل والأحداث، فقد رسم الأجداد كل معالم الطريق التي نسير عليها اليوم شبراً بشبر وخطوة بخطوة، ولهذا فإننا ننعم بالاستقرار والهدوء إلى حد ينسينا ماكانوا عليه من حياة العناء والشقاء والنصب، فحياتهم مليئة بالمتاعب ولاتكاد تخلو من الأعمال الشاقة والمضنية منذ نعومة أضافرهم. ومن المعلوم أن أصل الإنسان كما عرفنا من خلال الكتب السماوية هو (آدم وحواء), ومنهما تناسلت كل هذه المليارات من البشر، إذ تجاوز عدد سكان العالم في هذا العام 2012م سبعة مليارات نسمة حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة، كل ذلك حدث خلال مسيرة من الزمن تنيف عن مليون سنة تقريباً كما يراها علماء الآثار بحسب الأدلة والأدوات التي تم العثور عليها.
ولنتصور أن الأجداد الأوائل (آدم وحواء) عليهما أفضل الصلاة والتسليم كانا قد عاشا في وسط شبه الجزيرة العربية، ومنها انطلقت الحياة ودبت الأقوام تتكاثر وتكبر وتنتشر في سائر المعمورة، وتنوعت بعد ذلك أصنافهم وتغيرت أشكالهم بين الأبيض والأصفر والأحمر والأسود, وهذه الأصناف الرئيسة هي التي عرفها علماء الجنس البشري والإنثروبولوجيا بالأجناس، وحدث فيها من التحولات والتغيرات ما جعل كل طائفة منها تتخذ لها سمات وملامح تنفرد بها.
وهكذا وصلت الجماعات البشرية إلى أقصى أطراف الكون عبر رحلات جماعية كبيرة وأخرى متوسطة وأخرى رحلات أسرية وفردية بحثاً عن ملاذ آمن ومصادر للماء والكلأ، وكانت تنقلاتهم تلك حافلة بالكثير من المخاطر التي أودت بالكثير منهم وفاز القليل الآخر في الوصول إلى مبتغاه، وتتابعت الرحلات في أرجاء الكون بحثاً عن الأمن والاستقرار عندما تتبدل الظروف وتسوء الأحوال الجوية وتنقلب المروج الخضراء إلى أراض صفراء قاحلة جدباء لا ماء يأتيها ولا تنبت بها شجيرات تكون للبهائم غذاء.
ونظراً لهذه الظروف المضطربة والقاسية لم يكن يأوي جذع الإنسان وأسرته غير فجوات صخرية طبيعية في الجبال والمرتفعات تحميه من حرارة الشمس ومن الرياح ومن هجمات الحيوانات الضارية التي تتقاسمه المأكل والمشرب وتحاربه كما يحاربها وتنازله بين الفينة والأخرى لكي تعيش وتحافظ على نسلها كما هو الحال تماماً عند بني البشر. فكانت الكهوف والمغارات الكبيرة والواسعة الملاذ الآمن للأسر والجماعات البشرية، فمارس فيها حياته حينما يقيم بشكل مؤقت في المناطق التي تتوافر فيها سبل العيش، وحينما تنقطع في مواسم الجدب والجفاف فإنه يرحل ويتركها باحثاً عن المناطق الرطبة التي تنزل بها الأمطار وتنبت بها الأشجار وتكثر بها المراعي، وهكذا استمرت حياته في الكهوف والمغارات, تاركاً لنا فيها انطباعاته من خلال الرسوم التي كان يرسمها وينقشها على جدران الصخور في داخل المغارات وحول المراعي في الجبال والوديان، كما ترك لنا بعض أدواته القديمة التي استخدمها عند مداخل الكهوف أو بداخلها بجوار بقايا الطعام والعظام التي كان يرمي بها بعد الأكل في موضعها أو بالقرب منه.
وعندما كان يأتي موسم الأمطار ويرى الحيوانات البرية وهي تتجه إلى منابع المياه أو تتجمع حول مصبات الأودية لتشرب وترتوي فإنه يستغل تلك الفرص لأخذ موقعه قريباً منها وتوجيه سهامه ونباله المصنوعة من الحجر الصواني الصلب الذي قام بتشكيله بأشكال جميلة بعد أن مر بمراحل متنوعة ويرميه تجاهها فتقع صرعى حول مصادر المياه، فيقوم بتقطيعها بسكاكين حجرية ونصال من صنعه قد خصصها لهذا الغرض، وهكذا يفعل كلما انتهت وليمته الأولى وجاع أطفاله ونساؤه ممن يقيمون في الكهوف بانتظار هديتهم من اللحوم الطازجه التي يعتمدون عليها كوجبة رئيسة إلى جانب حبوب الدخن والشعير والذرة البيضاء.
ومع مرور الوقت اكتسب هذا الإنسان الكثير من الخبرات من خلال المصاعب التي عاناها في حياته اليومية، ولهذا فقد أقام بعض الجدران البسيطة بالقرب من المنابع ومصبات المياه ليختفي حولها أثناء قيامه بصيد الحيوانات البرية مثل الوعول والأيائل والمها والبقر والضباء وغيرها، فساعدته تلك الحجارة المنتشرة بالموقع على بناء جدران صغيرة ثم تطورت هذه الجدران حتى أصبحت مباني دائرية تكفي لشخص واحد أو شخصين أحياناً، وقد تحيط بالموقع والمواقع التي تتوافر فيها الحيوانات وتتجمع للشرب وتسمى هذه المباني بالجمع (المرابي) ومفردها (مرباة)، ومالبث أن توسع جهده الفكري في عمليات الصيد فأقام بذلك الجدران والحوائط على شكل حلقات كبيرة تسمى (حلقات الصيد) بمشاركة واسعة من أبناء عمومته، وهي دوائر كبيرة ربما يصل قطرها إلى أكثر من مئة متر تتصل بجدار طويل بمحاذاة الجبال والمرتفعات الشاهقة بحيث تقاد الطرائد من الحيوانات إلى هذه الحلقات عبر ممر طويل فلا تجد بعد ذلك مناصاً ولا مفراً من الصيادين الذين يتربصون بها من خلال مواضع متفرقة تقع عند أطراف الحلقة وبها فتحات مخصصة للرماية ليتمكنوا من الرماية باتجاه الطرائد بكل حرية ويغلقون عليها منفذ الخروج الوحيد الذي دخلت منه، وتوجد الكثير من حلقات الصيد هذه في مناطق الجبال في صحارى شبه الجزيرة العربية في مناطق المملكة العربية السعودية واليمن وعمان ومناطق من الخليج العربي أيضاً ومناطق أخرى مجاورة.
وفي مرحلة من مراحل الجفاف الذي اكتسح مناطق العالم في عصر الهولوسين أي منذ نحو عشرة آلاف سنة تقريباً أصبحت الكثير من مناطق شبه الجزيرة العربية مناطق جدب قاحلة، قلت فيها الأمطار وأضحت المروج الخضراء التي كانت تغطيها في عصر البلايستوسين وماقبله أراضي صفراء بدأت تغزوها الرمال نتيجة الجفاف، ولهذا فقد اضطر الإنسان للانتقال من جديد بالقرب من منابع المياه ليقيم حولها فابتنى له مباني دائرية الشكل وبيضاوية وشبه مربعة، أي أنه كان يبني بناءً غير منتظم بالحجارة، وربما أقام سقف غرفها من الجذوع وأغصان الأشجار كما هو الحال عند بعض البادية في وقتنا الحاضر، وكانت هذه التجمعات متقاربة بحيث تحتمي بعضها ببعض ويستخدمون بعض الأماكن العامة المشتركة مثل الساحات التي تتوسط هذه المباني، حيث يجلسون في أوقات الراحة في المساء بعد قضاء يوم شاق.
وخلال العصر البرونزي في الفترة من 4500 - 3200 ق.م تقريباً ظهرت أنماط وأشكال مختلفة من الأواني المنزلية المصنوعة من الفخار والحجر الصابوني والحجر البركاني والكلسي وعليها بعض الزخارف مثل النقوش المتموجة والخطوط المتقاطعة ورسوم الثعابين التي تحرسها وغير ذلك من الفنون الجميلة التي انتشرت في جنوب شبه الجزيرة العربية والخليج، وظهرت بالمقابل أنواع مختلفة من المباني منها المباني البرجية الكبيرة التي استخدمت كمقابر والحلقات الكبيرة والمباني العنقودية والتجمعات المختلفة التي ابتنت المباني البيضاوية والمربعة ذات الجدران الضخمة والمزدوجة والتي لها مداخل واسعة، كما ظهرت خلال تلك الفترة بعض السدود وحواجز المياه عند مصبات الأودية في الجبال، وظهرت أشكال متنوعة من المباني الدينية (المعابد) في هيئتها البدائية بأحجار كبيرة ومنمقة ومشذبة بشكل جيد، وظهرت كذلك الأنصاب العالية (الحجارة المنصوبة) كتلك الموجودة في موقع الرجاجيل بسكاكا في السعودية وأيضاً في تهامة اليمنية وكذلك في ريبون بحضرموت وغيرها، والمباني الصندوقية المبنية بالحجارة المنحوتة الضخمة التي تعرف بـ(الميغاليثية)، كما انتشرت المقابر الكبيرة والتماثيل الضخمة المصنوعة من الحجارة والتي تظهر ملامح الرجال بوجوههم الملتحية وأيديهم وخناجرهم وعسيبهم الذي يتمنطقون به حول خصورهم، وهذا النوع من التماثيل يطلق عليها (Dolmens) وهي من أبدع بدايات نحت التماثيل الحجرية الضخمة في شبه الجزيرة العربية، حيث تنتشر بشكل كبير في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة في مواقع من السعودية وحضرموت.
وهكذا استمرت الحياة في أغلب المناطق في شبه الجزيرة العربية في المرتفعات والهضاب، ولم تكن مواقع القرى والمستوطنات في بطون الأودية إلا في مرحلة متأخرة جداً من العصر الحديدي، وقد بدأ الإنسان في العصر الحجري المتأخر وبدايات العصر البرونزي من اكتشاف التدجين ومعرفة أصول الزراعة واكتشاف عمليات الإنبات، ولهذا بدأ يعرف مواسم ظهور النبات وحلولها، ومع مرور الوقت استطاع أيضاً أن يصاحب الحيوانات البرية ويكسبها ويستهجنها فاستطاع خلال الألف الثاني قبل الميلاد أن يستهجن الجمال ويسخرها لمعاونته في حياته, فبدأ يستعين بها في نقل مواده وحمولاته من مكان إلى آخر، وعرف أنها تتحمل أكثر من غيرها في السفر لمسافات طويلة، ولهذا استطاع أن يتنقل بحرية أكثر من مناطق إلى أخرى بشكل جماعات ويترحل من بلاد إلى أخرى ويشق الصحارى القاحلة وينقل البضائع من مناطق إلى أخرى بواسطتها.
ومن خلال هذه الخطوات الجديدة التي غيرت حياته استطاع أن يفهم البيئة من حوله ويسخرها لصالحه، واستطاع أن يتواصل مع بني جنسه من البشر في بقاع العالم الذين انتقلوا منذ أزمان طويلة ولم يعرف عنهم أي شيء، فنقل بعض صناعاته مثل الفخاريات والأدوات الحجرية التي يستخدمها وبعض التماثيل والأواني وتعرف على إنتاجاتهم وصناعاتهم ونقل ما يحلو له منها إلى بلاده عند عودته إليها.
وفي مرحلة من مراحل الاستقرار الآمن وبناء التجمعات القبلية الواسعة وظهور زعماء القبائل وتشكل مايشبه الحكومات والقيادات التي ظهرت وبنيت المدن المسورة في بطون الأودية وعند مداخل الأودية الواسعة والكبيرة حيث تسيطر على الطرق التجارية وتتحكم فيها وتأخذ عليها الضرائب مقابل الحماية وتوفير المتطلبات لقادة القوافل كالمأكل والمشرب ومكان الإقامة والحراسات والأدلاء وغير ذلك، وكان كل ذلك في المرحلة التي أطلق عليها المرحلة التاريخية أو كما تعارف عليه في شبه الجزيرة العربية بفترة ظهور الممالك العربية، وخلال هذه الفترة بدأ التدوين وبدأت الكتابة تظهر بشكل جيد ومعروف سبقتها مراحل المخربشات والرسوم والكتابة التصويرية في الجبال وعلى الصخور والكهوف، وهذه المرحلة هي التي شهدت تطوراً ورقياً ثقافياً واسعاً بسبب ازدهار التجارة والتداخل والتواصل مع الشعوب الأخرى، بالإضافة إلى اشتغال الناس في مناطق إنتاج الطيوب والبخور بعمليات جمع اللبان والبخور في مواسم الحصاد في مناطق ظفار ومناطق من حضرموت مثل سقطرى والمناطق المتاخمة للصحراء كوديان رماه وثمود، وكذلك الاتجار بالتوابل والأخشاب الفاخرة التي يستقدمونها من الهند وغيرها، فكانت المناطق الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية تشتهر بأشجار اللبان الذي راج خلال القرون الأولى قبل وبعد الميلاد لكونه يستخدم في تطييب المعابد وتطهيرها من الروائح التي تسببها إراقة دماء القرابين والذبائح التي تقدم للآلهة، بالإضافة إلى الاستخدامات الطبية للبان مع المر والصبر والهرد وغيرها، وكان اللبان والبخور بالذات يصدران بشكل كبير إلى اليونان والرومان (الإغريق) مما در الكثير من الأرباح على منتجيها في جنوب شبه الجزيرة العربية فجعل أراضيهم كأنها أراض مليئة بالنفط كما هو في زماننا الحاضر، ولهذا سعى أهل تلك المناطق لبث الكثير من الإشاعات وترويج الأقاويل حول مواقع شجرة اللبان تلك وادعوا بأن الثعابين الضخمة تحميها وتحرسها من كل الطامعين الذين يفكرون بالقدوم إليها.
وفي تلك الفترة التاريخية استقرت المستوطنات إلى حد كبير بالمقارنة مع الفترات السابقة، وبدأ النشاط الثقافي يزدهر وتعددت الحرف واشتهر المهرة من الصناع بمختلف الصناعات مثل التعدين والحياكة وصناعة الأواني المنزلية من الفخار والحجر والبرونز كما ازدهرت الصناعات الفنية كالنحت على الحجر والرخام والألباستر وصب البرونز لعمل الأواني والتماثيل والألواح المكتوبة بخط المسند، والإبداع في تزيين العمارة بأنواع متعددة من الزخارف والرسوم المنحوتة بالشكل البارز والغائر وثلاثي الأبعاد، وتبارى الخطاطون في التفنن والإبداع والتفرد بأنواع وأشكال متعددة ورائعة من الحروف الخطية فتميزت كل مرحلة زمنية بخط معين له أصوله وقواعده الخاصة وبإتقان لا مثيل له احترفه خطاطون مهرة كانوا يشتغلون للمعابد وكتابة القرابين المقدمة للمعابد في مختلف المدن بالجزيرة العربية.
ومن أبدع ماعرفت به هذه المرحلة من الاهتمام البالغ بالزراعة واستثمار الأراضي الخصبة في مختلف أراضي اليمن خاصة ووسط وشمال شبه الجزيرة العربية، وهذا جعلهم يبدعون في إنشاء السدود الكبيرة ويوجهون المياه القادمة من السيول الموسمية بحيث يحافظون عليها ويستغلونها في إرواء أراضيهم بنظام السقي بوسائل مثل الكظائم أو القنوات المغطاة بعقود في باطن الأرض أو بنظام الأفلاج أو بالسقي بالطاسة أو بتوزيع المياه بالساعة، وقد أثبتت النقوش المكتوبة من عصر ما قبل الإسلام عملية توزيع المياة بين أصحاب المزارع بطرق جميلة ومنتظمة وراقية جداً.
وهكذا يرى السائح في أراضي جنوب شبه الجزيرة العربية الكثير من المعالم الأثرية الباقية التي تدل على غلو ومبالغة في الإعمار، فقد غطت معظم أراضي الأودية والمرتفعات الجبلية الكثير من المباني والحصون والقلاع التي بناها الإنسان للدفاع ولحماية أراضيه من هجمات الأعداء وغيرها، حتى أنه ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى تلك المبالغات بقوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ, وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء:128-129).
وقد أشار القرآن في نفس الوقت إلى هذا الطغيان والجبروت ونكران النعمة عندما أعرض قوم سبأ فأرسل الله لهم السيل المعروف بسيل العرم ليهدم السد المعروف بسد مأرب، وهو السيل الذي أهلك الحرث والنسل وشتتهم وفرق قراهم وباعد بينهم كما في قوله تعالى: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) (سبأ:16).
وظهرت خلال تلك المرحلة الكثير من المباني والقصور الفاخرة والعظيمة ولعل أشهرها قصر غمدان التاريخي في عاصمة اليمن (صنعاء), قال عنه الهمداني مؤرخ اليمن الشهير إنه: «أول قصور اليمن وأعجبها ذكراً وأبعدها حيناً قصر غمدان وهو في صنعاء». هذا بالإضافة إلى العديد من القصور والعمارات الفاخرة في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية نتيجة الثراء الفاحش حتى أنه وصف بعض المؤرخين القدماء بيوت سكان شبه الجزيرة العربية بوجود الذهب على بعض جدرانها وأثاثها، وهو أمر قد يكون فيه مافيه من المبالغة إلا أن حجم الثراء كان في زمن من بداية عصر الميلاد وحتى بداية العصر الإسلامي كان بالفعل أكثر من أن يوصف.
واستمر الإنسان في سعيه الحثيث نحو تطور ونمو فكره الثقافي وبالتحديد في التطاول في البنيان وتمجيده وعلى وجه الخصوص العمارة الدينية (عمارة المعابد) في عصور ماقبل الإسلام و(عمارة المساجد) في العصر الإسلامي، وكذلك (عمارة القصور والمحافد والحصون), وقد أوردت التقارير التاريخية والأثرية أسماء الكثير من تلك المباني بما حوته من تفرد وتفنن وإتقان في التشييد والبناء والضخامة في التكوين واستخدام أفخر المواد المعروفة واستقدام العمال المهرة بما يمتلكون من خبرات راقية ومتعددة في النقش والتزويق والتلوين وخصوصاً من الأتراك والهنود والفرس، وقد شيدت خلال مطلع العصر الإسلامي الكثير من القصور في الصحاري العربية كان يخرج إليها الحكام والأمراء ليقضوا أوقاتهم في اللهو والاستمتاع بالصيد كما هو الحال في (قصير عمرة) و(قصر الحرانة)و (قصر الطوبة) في بادية الشام بالأردن.
وخلال العصر الإسلامي بنيت الكثير من المعالم الضخمة على مدى أربعة عشر قرناً، منها ما هو بالطين وهو البناء التقليدي الذي بدأ يختفي تدريجياً في أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية وحل محله البناء بالإسمنت والخرسانات، وتبارى الناس في العلو والتفاخر ببناء الأبراج الشاهقة التي يصل ارتفاعها إلى حوالي كيلو متر تقريباً، الأمر الذي يجعل الإنسان يفكر بأن العقل البشري منطلق نحو عالم مليء بالتجدد والنماء، وفي نفس الوقت عالم يصاب بين الفينة والأخرى بالانتكاسات والكوارث التي لسان حالها يقول بأن دار البقاء ليست كتلك التي تبذلون فيها الغالي والنفيس، وتسخرون جل أوقاتكم لأجل التفاخر والتطاول بالبنيان، وهي السمة والعلامة التي تدل على نهاية العالم.

إضافة تعليق