الذائقة الجمالية وأسئلة الحراك التاريخي

يبدو من الصعوبة بمكان تحديد مرجعية واحدة تتشكل من خلالها الذائقة الجمالية للأفراد والجماعات، لذلك فإن موضوع الذائقة يبقى عصياً على فهم آليات تشكله من منظور واحد، إلا أنه أيضاً يبقى موضوعا قابلاً للاستعادة بوصفه معياراً حضارياً بالدرجة الأولى، ومعياراً تقاس وفقه النقلات والقفزات التي تحرزها المجتمعات في تحولاتها التاريخية، ولهذا فإن موضوع الذائقة الجمالية هو موضوع بالضرورة يشتبك مع السياسي والاقتصادي والثقافي والحقوقي، وغيرها من المجالات الإنسانية، وليس بالإمكان القول إن مستوى نمو الذائقة الجمالية في مجتمع ما يمكن أن ينفصل عن حراكه التاريخي، والحراك التاريخي كما هو معلوم سياق إنتاج المجتمعات لحاجاتها، وتأمين ضروراتها، وهي ضرورات تنتقل بحسب مستوى الإنتاج من صيغ بسيطة إلى صيغ أكثر تركيباً وتعقيداً كلما تغيرت العوامل الداخلة في العملية الإنتاجية ذاتها .
وإذا ما توقفنا عند ظاهرة من الظواهر العامة في الحياة الثقافية العربية، وهي تمجيد المناهج التعليمية لكل ما هو كلاسيكي شعراً أو نثراً، فإننا نلحظ نوعاً من الثبات في وجهة النظر إلى القديم، وذلك على الرغم من كل المتغيرات التي طرأت على المجتمعات العربية، وذلك أقله منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا الحالي، وبقي كل ما هو كلاسيكي يحظى بالاحترام على المستوى الرسمي، بينما نرى هرب الأجيال المتلاحقة منه، وشعورها بنوع من الضيق تجاهه، وهو ما يؤكد وجود خطأ منهجي في التعاطي مع الماضي والحاضر في الوقت ذاته، كما يدلل على غياب الأفق المستقبلي المتعلق بسؤال: ما الذائقة التي نريدها؟ وهو سؤال تبسيطي للقضية المطروحة، لكنه سؤال مباشر، ونحتاج فيه إلى عدم المواربة، والكذب على الذات المعاصرة، وقد ظلت الإجابة عن هذا السؤال غائبة، أو قد تركت بسبب فهم لا يرتبط بحركة التاريخ بين يدي المؤسسات التربوية، والتي لا تنفصل في آليات عملها عن مختلف المؤسسات الأخرى، وطرائق الإنتاج السائدة .
إن تمجيد كل ما هو كلاسيكي والإعلاء من شأنه يجب أن يعاد النظر فيه، ليس من باب التشكيك في المنتج الكلاسيكي ومدى جودته، أو ما قدّمه في السياق التاريخي، وإنما في سياق إنتاج آليات جديدة للتذوق، خاصة وأن التذوق مسألة غير منفصلة عن النقد، فنحن ندرك أن النقد في محصلته هو موقف معرفي، وهو موقف غير ثابت، بينما المنتج الكلاسيكي هو منتج محدد بعنصري الزمان والمكان اللذين تمّ إنتاجه فيهما، وهكذا فإننا أمام حالة من التعارض الفكري والفلسفي والمبدئي بين المنتج الكلاسيكي وبين بناء موقف نقدي منه، أي بناء تذوق جمالي ينتمي إلى العصر الراهن بكل ما قدّمه التطور التاريخي لنا من أدوات ومناهج جديدة، وكل ما منحتنا إياه شجرة الحياة المتجددة من ثمار معرفية وأدبية وفنية جديدة، وكل ما دخل في تكوين الإنسان المعاصر من متغيرات .
وإذا ما توقفنا عند مثال من الفن المسرحي المعاصر فإننا نجد أن هذا الفن لم يستغنِ عن الأعمال التي كتبها شكسبير منذ حوالي أربعة قرون، لكن المسرح المعاصر لا يقدم شكسبير ذاته، وإنما يستثمر طاقات المسرح الشكسبيري في بناء عرض مسرحي حداثي، ويطرح أسئلة جديدة لم يطرحها شكسبير في مسرحياته، ويعيد صياغة الشخصيات في أفق جديد ومغاير تماماً، ويستخدم التقنيات الحديثة لأغراض متعددة، ومنها استقطاب الجمهور الذي امتلك هو الآخر مفاتيح جديدة للتذوق الجمالي، وهو جمهور يختلف كلياً عن الجمهور الذي عاصر شكسبير، وتابع عروضه .
لقد قدّمت “هاملت” مئات المرات في القرن الماضي في بلدان غربية عدة، كما قدّمت في بعض البلدان العربية، وقد تمت صياغة رؤى جديدة في بناء هاملت، وذلك انطلاقاً من المقولة الشهيرة للمسرحية، وهي “أكون أو لا أكون”، ولكن لم يعد السؤال في كل تلك الأعمال سوى مدخل لطرح أسئلة جديدة محملة بقلق الإنسان المعاصر، وهواجسه في عوالم حديثة، عوالم تجتاحها معطيات إنتاجية جديدة، حيث ازدادت غربة الإنسان، كما ازدادت طموحاته .
لكننا إذا ما توقفنا عند المثال السابق نفسه، ونفذنا منه إلى المسألة التربوية في بلادنا العربية، فإننا لا نجد قراءات جديدة تقدّم حول المتنبي للطلبة، أو أمثلة مقاربة وجديدة للأسئلة التي طرحها شعر المتنبي، أمثلة تربط بين الراهن والماضي، ونحن نرى أنفسنا إزاء ذلك في مواجهة نصوص كلاسيكية وقراءة تقليدية لها تقدّم للطلبة، وجل ما تهتّم به المناهج هو كيفية تقديم شرح للمفردات التي تستعصي على أذهان الأجيال الجديدة، وكل ذلك يتم بطريقة لا يلامسها أي متغير، وكأنها خارج سياق التطور المعرفي الذي أنجزته البشرية، وهو ما يعكس أو يبرز عدة دوافع أو مبررات وراء ذلك، وأهمها أن القائمين على العملية التربوية ذاتها لا يمتلكون الإمكانات اللازمة لتقديم رؤى جمالية جديدة للنص الكلاسيكي، وبمعنى أدق، افتقارهم إلى الذائقة الجمالية والنقدية الضرورية لتلك العملية، أي أننا أمام حالة يحتاج فيها التربويون إلى إعادة تأهيل من جديد، وهذا أمر منطقي تماماً انطلاقاً من مؤشرات أصبحت معروفة للجميع، وهي مؤشرات تدني المستوى التعليمي في البلدان العربية، وهو ما ينعكس لاحقاً في المقارنات التي تجريها كبريات مراكز الأبحاث عن مستويات التعليم في العالم .
من جهة أخرى، ينبغي ألا نصاب بالصدمة من جراء واقع الذائقة الجمالية في الواقع العربي، فكيف لنا أن نجري مقارنة بين مستوى الذائقة الجمالية لدينا وبين بلدان أخرى متطورة في ظل ارتفاع نسبة الأمية التي تعاني منها الكثير من بلداننا العربية؟
هل يمكن جدياً الحديث عن تطور نوعي على مستوى عام في مجال الذائقة الجمالية، وتعدد مستوياتها، في ظل الأمية بمعناها القديم، أي عدم معرفة القراءة والكتابة، بينما نحت الكثير من الأمم إلى تعريفات جديدة للأمية، ومنها أن الأمي هو من لا يعرف لغة أخرى غير لغته، وهناك اليوم تعريفات أخرى، ومنها على سبيل المثال الأمية المتعلقة باستخدام الكومبيوتر وبرامج الاتصال الحديثة، حيث تحول الكثير من اقتصادات المجتمعات المتقدمة لترتبط جذرياً بتكنولوجيا الاتصال، وأصبح لدينا اقتصادات كاملة مبنية على المعرفة، وتسمى اقتصاديات المعرفة، بينما ما زال الكثير من البلدان العربية تحاول أن تمحو الأمية لدى قسم كبير من سكانها .
إن تطور الذائقة الجمالية ليس مسألة فردية محضة، مع أننا يمكن أن نلحظ تطوراً مهماً في تلك الذائقة لدى أفراد وفئات قليلة ينتمون إلى مجتمعات لم تنجز إلا قليلاً من الحداثة في بناها المختلفة، لكن هذا الأمر لا يمكن اعتباره مقياساً عاماً، خاصة عندما نتحدث عن مجمل الحصيلة المتعلقة بنمو الذائقة الجمالية في مجتمع من المجتمعات، وإنما يمكن اعتبار هذا الأمر هو استثناء عن القاعدة العامة .
وفي سياق ليس ببعيد، فإنه يجب الاعتراف بأن نمو الذائقة الجمالية أمر مرهون بتطور النظرة إلى الفرد نفسه في المجتمع، ويجب الاعتراف بأن المنجز الحداثي للذائقة الجمالية مرهون بتحقق مسائل أساسية في المجتمعات، وفي مقدمتها إحساس الفرد بأهميته، وبقدرته على التغيير، وعلى الرفض، وعلى إمكانية قبوله للأفكار الجديدة، وكل ذلك مرهون بمستوى المنجز الديمقراطي في المجتمعات، حيث ارتبط الفن المعاصر بأكثر الرؤى صدامية، وأكثرها قدرة على إحداث الصدمة لدى المتلقي، ولم يكن لهذا أن يحدث في ظل مناخ لا يتسم بقدر كبير من الحرية، فالحرية شرط من شروط الإبداع، كما أنها شرط أساسي في عملية التذوق، وهي تتيح إمكانات هائلة أمام تنوع الذائقة الجمالية، وتقطع الطريق أمام الأيديولوجيا أو الأفكار والمعتقدات المسبقة لتكون الحكم على منتج فني ما .
إن عودة بسيطة إلى معظم المناهج العربية التي تدّرس الآداب والفنون تكفي للكشف عن مدى إهمال تلك المناهج لأسماء مهمة في الحداثة العربية، وهي أسماء وصل بعضها إلى العالمية، لكن ذلك لم يشفع لها كي تدخل ضمن المناهج التعليمية في بلدانها، وهنا تكمن واحدة في مفارقات تربية الذائقة العربية، حيث يسود خوف غير مبرر من الحداثة الأدبية والفنية، وما تقدّمه هذه الحداثة من قيم جمالية، وهي قيم ليست مفصولة عن الفكر الحداثي وقيمه، وعن طاقة الحرية التي تكمن في داخلها، وكان يمكن لها أن تحدث بعض التغييرات الأساسية في تطور الذائقة الجمالية لدى الأجيال الجديدة، ومع ذلك فإن ثمة ما ظلّ يمنع منحها صفة الشرعية، وكأن الاعتراف بالحداثة ومنتجاتها سيلغي التراث الأدبي والفني العربي، مع أن المفروض أن هذه الحداثة نفسها كان يمكن لها أن تقدّم خدمات جليلة لذلك التراث، وأولها إعادة قراءته من موقع مغاير، موقع منفتح على منجزات العصر، وإمكاناتها، وممكناتها، واحتمالاتها، وهو ما يتقاطع مع ضرورات تطور الذائقة الجمالية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من المعيار الحضاري .
المصدر:دار الخليج

إضافة تعليق