أين الثقافة؟

ينتقد الروائي البيروفي الحاصل على جائزة نوبل للآداب ماريو بارغاس يوسا في كتابه الصادر مؤخراً “حضارة الفرجة”، ونقلت وكالات الأنباء والكثير من المواقع الإخبارية مقتطفات منه حال الثقافة في الغرب، لم يعد هناك وفق يوسا أي أهمية للمفكر في النقاشات العامة، وأصبحت ثقافة التسلية هي السائدة، وأستحوذ الطهاة ومصممو الأزياء على أدوارالبطولة التي كانت للمثقفين في الماضي، نحن نعيش عصر الثقافة الخفيفة، ولم يفت يوسا أن يتطرق إلى حقول ثقافية مثل تردي النقد الادبي والفن التشكيلي الذي يعيش حالة من اللامبالاة بلغت حداً لا يطاق، والسينما التي باتت مجدبة فنياً وموضوعياً وتعتمد على ابهارات التقنية وحسب، ويبلغ سخط يوسا أوجه في توقعه زوال الثقافة في المستقبل القريب .

في إحصائيات أخرى لافتة نعلم أن عدد الكتب المنشورة في جمهورية التشيك اقترب من العشرين ألف كتاب في العام الماضي في دولة لا يتجاوزعدد سكانها 11 مليون نسمة ومساحتها 30 ألف ميل مربع، وهو رقم يتعلق بالكتب الورقية فقط، ويستوقفنا في هذه الإحصائية اشتمالها على  ما يقرب من 5  آلاف رواية و1500مطبوعة مخصصة للأطفال . أما في بلد آخر مثل فرنسا فبلغ عدد زوار متحف اللوفر 9 ملايين خلال العام نفسه .

يبدو أن هذين المشهدين يتكرران بصورة أيضاً لافتة في ثقافتنا، فمن النادر الآن أن تقرأ لأحد المثقفين العرب من يحدثك عن مشروعه للنهضة أو تصوره للمستقبل، بل هناك من يعلن صراحة عن أفول الفلسفة في العالم كله، ويستخدم هذا الإعلان كحجة تبرر الكسل الفكري الذي نعيشه، هذا بخلاف الحجج الذاتية المعتادة والتي باتت كالأناشيد المدرسية، أما حضور كل ما له علاقة بالتسلية وطغيانه على الفضائيات العربية ووسائل الإعلام المختلفة فلا يحتاج إلى أي رصد أو تذكير، إضافة إلى عشرات من المتابعات والتعليقات التي تؤكد يوميا تراجع المنتج الثقافي في حقوله كافة .

في المشهد السابق نجد أنفسنا أمام جملة من المعطيات، فبرغم التقارير المتتالية والتي أشارت إلى تراجع معدلات إنتاج الكتاب والترجمة والقراءة في الوطن العربي، ومع الأخذ في الاعتبار الزخم الذي أثارته ودفع العديد من الجهات والمؤسسات المعنية إلى محاولة تجاوز الفجوة مع بلدان مثل إسبانيا، إلا أن إحصائية خاصة بجمهورية التشيك تغري المتابع بطرح تساؤلات عدة مقارنة مع الحالة العربية منها ما يتعلق بإشكاليات المنتج الثقافي على الأرض مثل عدد دور النشر، والتي أصدرت هذا الكم من الكتب، وتوافر الدعم والتمويل في ظل أزمة اقتصادية ملحوظة، ولا تنتهي بالثقافة نفسها بوصفها الجامع لاعتبارات تاريخية ولغوية، فلا يمكن مقارنة الثقافة التشيكية بنظيرتها العربية، مع احترامنا وتقديرنا لكل الثقافات، فالوطن العربي بأكمله وفي “زمن الرواية” لا يصدر 5 آلاف رواية في العام، ومن هنا تأتي المفارقة/الإشكالية  المطروحة للبحث والتأمل .

الحالة التشيكية كاشفة للآخر، نحن، فعلى مستويات مختلفة يمكن لهواة التبشير بزوال الورقي في مواجهة الإلكتروني أن يتأملوا دعواتهم، وأيضاً على منظر اجتماعي أن يحلل نوعية التعليم التي أصدرت شريحة من الكتاب والقراء ذوي وزن نسبي مقارنة بعدد السكان، وعلى ناقد أدبي أن يرصد تلك البيئة التي أنتجت هذا الرقم، الصعب، من الروايات، وعلى محبي جلد الذات تتبع مسارات رؤية العرب في  الاستفادة  التي لا تتحقق أبداً من تجارب الآخرين: الغرب، اليابان، شرق آسيا والآن التشيك .

أما مشهد ال9 ملايين زائرلمتحف اللوفر فينطبق عليه ما قاله الجبرتي في وصفة لتجربة المولد الكهربائي التي قام بها علماء الحملة الفرنسية أمامه “ولهم فيه، يقصد المجمع العلمي في القاهرة حيث أجروا التجربة، أموروأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها أشياء لا تسعها عقول أمثالنا”، مع ملاحظة أن الجبرتي كان ينتمي إلى النخبة آنذاك، وهنا سنلاحظ تجذرهذا المشهد بتفاصيله في ساحتنا الثقافية، فالحوارالذي لا ينتهي ويتسم بالإملال حول غربة الفنون التشكيلية وانصراف الجمهور عنها لا يمكن في النهاية إلا وصفه بدهشة مثقف قادمة منذ اكثر من قرنين، وإذا تماهينا بالفعل مع الجبرتي فبإمكاننا القول أن ما نقرأه من آراء لعلماء عرب أو لمهمومين بالتقدم العلمي يخفي في ثناياه أننا امام أختراع العجلة من جديد أو اكتشاف الكهرباء الخلاب، وعلى الضفة الأخرى فإن ما يصاحب “المسألة العلمية” من معلومات تصدمنا يومياً عن منتجات واختراعات “غريبة” نضعها في خانة الأخبار الخفيفة يؤكد أننا أمام ثنائية التعجيز/التسطيح،  وهي تصدر عن وعي وانفتاح على الآخر يشير في العمق إلى أن الجبرتي كان أكثر صدقاً منا وجدية في التعاطي مع أفق عصره .

نحن لا نتصور أن حراكاً تشهده بلدان عربية عدة كان ليحدث في زمن الجبرتي من دون أن يصدر عنه ذلك العمل الأرشيفي الذي يمزج التاريخ بعلم الاجتماع كما هو حال كتاب “عجائب الآثارفي التراجم والأخبار”، والقارىء للكتاب الوثيقة يصاب بالدهشة لوجود مثقف، في ذلك العصر الموسوم دائماً بالانحطاط، يمتلك القدرة المنهجية على التحليل الدقيق للعوامل الموضوعية التي أدت إلى انهيار المماليك السريع وانكسارهم أمام حملة نابليون، رؤية الجبرتي نتجت عن توجه كلاسيكي، فهو أزهري أو تقليدي بتعبير الحداثيين، وبرجوازي كما وصفه الكثير من  اليساريين، ولم يتواصل مع الآخر عبرالسفر أو إجادة اللغات الاجنبية فضلاً عن شبكة الإنترنت والمواقع الاجتماعية، الجبرتي نموذج للمثقف الذي لم يركن إلى العطالة الفكرية ولم يعرف الاستقطاب الحاد بين فرقاء لا هّم لهم إلا مصالحهم الذاتية والضيقة، ولم يقع فريسة ثنائية الاستبداد/الاستعمار، الجبرتي بتكوينه ورؤيته وعلاقته بنبض البشر وما يحتاجه واقعهم يتجاوز كل المطروح على الساحة الثقافية العربية الآن .     

إن الثقافة في أبسط تصور لها من دون الدخول في تعقيدات اصطلاحية أو تنظيرية هي تلك العملية التي تنطلق من فكرة تتضمن أسساً واضحة ومحددة، فكرة حاملة لموروث المجتمع وقيمه وأخلاقه وصراع تياراته المختلفة وتعاطيه مع الآخرين، كل الآخرين، وتتجلى في منتج معبر يتخذ أشكالاً عدة: مقروءة أو مرئية أو مسموعة وصولاً إلى المجتمع مرة أخرى، فكرة تتأثر بكل هذه المفردات وتؤثرفيها، تتخلص دائماً من شوائب تجرها باتجاه الركود والثبات إلى الفعل والحركة، تتقدم نتيجة لهذا الجدل التصاعدي الذي يتراكم  دوماً إلى الأمام .

يبدو أن الثقافة العربية الراهنة  تعاني من خلل واضح في هذا التصور، ولا يمكن هنا وصفها بأنها دائرية تكرارية، فمنذ أكثر من عقد لم نعد نسمع من يطنطن بخطاب النهضة وأبجدياته، ذلك الخطاب الذي راوحنا حوله لما يزيد على مئة عام، ولا يمكن وصفها أيضاً بالثبات وهيمنة تياراته عليها، فمعظم من يكتبون ويبدعون هم من الحداثيين، أي ممن ينشدون التغير والتحول إذا استخدمنا مفردات أدونيس، في النهاية هو خلل طال التصور العام للثقافة ومنتجها المادي الملموس من شعر ورواية ومسرح وتشكيل . . إلخ .

إذا بحثنا عن هذا الخلل في أرض الواقع، في أسباب قيل دائماً انها تؤثر بالسلب على الثقافة من الخارج مثل الركود المجتمعي والاستبداد، وهي رؤية مغلوطة فلا شيء خارج الثقافة بمفهومها الأوسع فضلاً عن أنها تمارس الخديعة وترتقي بالثقافة إلى تصور طهراني وكأنها لا تلعب أي دور في الركود والاستبداد، إذا تتبعنا هذا التصور المثالي سنلاحظ أن الثقافة لم تعكس الحراك المجتمعي الذي شهدته الكثير من الأقطار العربية خلال العقدين الأخيرين، ولم تؤثر فيه لاحقاً، بحيث جاء الربيع العربي من دون “رأس”، وربما تكمن هنا أزمة الطرفين: المثقفون والثوار .

هل كان رأي يوسا سيصدر لو أن ما يحدث الآن في بلادنا تجري وقائعه في البيرو أو أيه دولة جارة  لها؟ هل يعقل أن يتشدق مثقفو أمة بالحداثة والقدرة على التغيير وفي ظل حراك شعبي غير مسبوق، مّر عليه ما يقرب من العامين، لم يقدموا أي تصور حقيقي للمستقبل أو منتج إبداعي يعبر عن زخم  الحاضر ويلقون بعجزهم على فزاعة القوى التقليدية أو نهاية الفكر في العالم أو انصراف الجمهورعنهم؟ نحن أمام أحوال مثقفين “لا تسعها عقول أمثالنا”، تصدق عليهم مقولة الجبرتي، لا حاله أو زمانه.

 

 

 

 طباعــــة

 

 

 

المصدر:دار الخليج 

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.