الكتابة الإلكترونية

أمام غزو الحواسيب حياتنا اليومية، ثمة سؤال بات يطرح، على المبدع، شاعراً كان أم قاصاً أم روائياً، أم مسرحياً، هو: هل لا تزال تكتب بالقلم؟ أم أنك تستخدم الحاسوب في كتابتك؟ حقاً إنه سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، بيد أنه - وللحقيقة - يعد منبع أسئلة هائلة، تتفرَّع عنه، ومن بينها: كيف كان انتقالك من الكتابة اليدوية إلى استخدام الكيبورد؟ وهل لقيت أو لا تزال تلاقي الصعوبات وأنت تنتقل من طريقة كتابية إلى أخرى، وما الفرق بين علاقتك بالكتابة بوساطة القلم والكمبيوتر؟

هذه الأسئلة، برمتها، أثيرت، مع بداية دخول الحواسيب في حياتنا اليومية، لتشكل تحدياً ليس مع القلم وحده، بل مع المبدع نفسه الذي اعتاد على طريقة تعامله مع أدواته الكتابية، وفي طليعتها القلم، حيث هناك من أصبح القلم جزءاً من حالته الإبداعية، وطقسه الكتابي، ولايستطيع الكتابة إلا بنوع محدد من الأقلام، وزد على ذلك، أن في افتقاده قلماً ألفه لمدة زمانية محددة، ما يجعله يحسُّ بمشاعر معينة، ويكاد يعاني الكثير، قبل استخدام سواه، حتى وإن كان من النوع الذي كان يكتب به نفسه . .!

حقيقة، إن في الكتابة بالقلم غوايتها، حيث المبدع يستطيع أن يتكيف بحركة قلمه بأكثر، وإن الكلمات التي يتركها على كراريسه بوساطة قلمه، لها رونقها، وألقها، وكاريزماها، وهي بذلك تكاد تكون جزءاً من نصه الإبداعي، وتعطي بعداً آخر لحالته النفسية، ولهذا فإن متاحف المبدعين في العالم، تحتوي - عادة - نماذج من مسوَّداتهم ومخطوطاتهم الكتابية، لتشكل نوافذ إضافية إلى عوالم هؤلاء المبدعين . ولعلنا نتذكر أن نزار قباني كان أحد الشعراء الذين تسبغ خطوطهم جمالية واضحة على نصوصهم، ولقد أصر على أن يستغني عن حروف المطبعة، في بعض دواوينه المطبوعة، من خلال طباعة النسخة المدوَّنة بخط يده، هكذا من دون وسيط، وهو ما فعله سليم بركات، في بعض أعماله الإبداعية، إضافة إلى آخرين، يرون أن خطوط أقلامهم خير من تنقل توترات دواخلهم إلى قرائهم .

وإذا كنا جميعاً، نعترف أن الحواسيب التي دخلت منازلنا جميعاً، ولها استخداماتها الهائلة، بحيث صارت جزءاً من حياة أي أسرة، وإن الكتابة أحد جوانب الإفادة منها، فإنه لابد من الاعتراف، أيضاً، أن مايتركه الحاسوب من كتابات يظل جافاً، بارداً، مهما كانت حروفه جميلة، أنيقة، ومهما وفر، من حرية لتخير الحرف أو الخط المطلوبين، إضافة إلى الوقت، بيد أن في الكتابة اليدوية سراً وسحراً غريبين، فالقارئ يتفاعل مع ما هو مكتوب بخطِّ اليد على أنه مكهرب بشحنة عالية من الأحاسيس، إلى الدرجة التي يمكن أن نرى فيها الكتابة النابضة بالحياة، أو الكتابة الحية، في الوقت الذي يمكن أن نعد الكتابة عبر الحاسوب باهتة، بل ميتة، وإن أقرب مثال على الفرق بين هاتين الكتابتين، هو الفرق الكامن بين الوردتين الطبيعية والاصطناعية!

وأخيراً، فإن السؤال الرئيس، عن العلاقة مع القلم، بعد مرور نحو عقد ونيِّف من ثورة الكمبيوتر العظمي التي اجتاحت العالم، يظلُّ محافظاً على مسوِّغه، لأن هناك من الأجيال السابقة من المبدعين من يكتب به، كلياً أو جزئياً، وهو لما يحول إلى متاحف التاريخ، وإن كنا نجد حقاً أن هناك من كُتّابنا الجدد من مرت سنوات طويلة لم يحمل فيها القلم، وهو من عداد المبدعين الأغزر إنتاجاً!

إضافة تعليق

11 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.