"د.طه عبد الرحمن".. فقيه الفلسفة

مفكر طار من أول يوم في غير سِرْبه".. هكذا يقول أحد الباحثين المغاربة عنه؛ فمنذ أن شرع يؤسس لرؤية فكرية وفلسفية جديدة ومغايرة تغاضى عنه كل من لا طاقة له بالتعايش مع موهبته. وتوالت أعماله فتكشفت عنها شخصية باحث متمرس صلب لا يقبل بغير الاجتهاد بدلا فيما يتناوله من معارف.. ذاك هو الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن أستاذ المنطق وفلسفة اللغة بجامعة محمد الخامس بالمغرب، الذي نال شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا سنة 1985 حول موضوع "منطق الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه".
يعد د.طه رائد المنطق في المغرب الحديث، وهو لساني بلاغي صوفي، عالم بالأصول والكلام، ذو تكوين ثلاثي: عربي وفرنسي وإنجليزي.
عمل أستاذا زائرا بعدة جامعات مغربية، وتقلد عضوية الكثير من الهيئات والجمعيات الفلسفية في العالم، كما أنه عضو محكم ومستشار في عدد من المجلات العلمية، له عدة مساهمات في كثير من المؤتمرات العلمية.
وهو أحد مؤسسي اتحاد كتاب المغرب، وهو من خبراء أكاديمية المملكة المغربية.
فيلسوف الأخلاق
وقد نال الفيلسوف المغربي جائزة الإيسيسكو للفكر والدراسات الإسلامية عرفانا للمجهود العلمي الباهر الذي قدمه في كتابه المعروف "سؤال الأخلاق"، الذي يعد مساهمة هامة ونوعية في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، ركز فيه على أن "الأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق البهيمة"؛ فعند طه عبد الرحمن "البهيمة لا تسعى إلى الصلاح في سلوكها كما تسعى إلى رزقها مستعملة في ذلك عقلها؛ فالأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية التي تستحق أن تنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي".
ولعل إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة يُعد من بين أهم مرتكزات المشروع الفكري لطه، يساعده في تحقيق هذا الهدف الكبير قدرته الهائلة على ممارسة التنظير وبناء المناهج والنماذج، وإنتاج المصطلح على المستوى الفلسفي والمنطقي.
|
|
|
|
يقول الدكتور عباس أرحيلة -المهتم بفكر طه عبد الرحمن- عن هذا الجانب في فكره: "من بين ركائز مشروع طه عبد الرحمن الفكري محاولة وضع نظرية أخلاقية تجعل الإسلام هو دين المستقبل؛ فقد قدم صورة لمفكر صاحب رؤية حضارية مستقبلية، يرى من خلالها دور المسلمين في النهوض بالأخلاق، ويُحملهم مسئولية تاريخية في أن يصبح الإسلام دين عالم المستقبل.
والباحث من المتفلسفين القلائل الذين بشروا بتحقق عالمية الإسلام، وبتحقق ما أسماه (العقلانية الميثاقية)، وربط العالم بأفق الألوهية. وغاية د.طه أن يعود الإسلام كما كان، قويا في حضوره، ومبدعا في عطائه".
ويقول طه عبد الرحمن في هذا السياق في إحدى حلقات برنامج "مسارات" بقناة الجزيرة: "إن التصور الذي كان للفلسفة تصور نظري، والأخلاق كانت تعد أيضا مبحثا نظريا، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين النظر والعمل أصبح لزاما أن نراجع مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق.
من هذه المسلمات أن الأخلاق مثلا صفات كمالية؛ بمعنى أنه لا يضر فَقْدها الإنسان؛ بل يمكن أن يستغني عنها؛ فهي بمنزلة ترف.. لكن الواقع ليس كذلك؛ فالأخلاق صفات ضرورية جوهرية، يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك.. بل نظام الحياة..
ولو تصورنا مجتمعا ليس فيه التمسك بالأخلاق والقيم التي تساندها فإننا نعده مجتمعا ميتا.. فلا حياة بغير أخلاق، وهذه مسلمة من المسلمات، وهناك مسلمة ثانية ينبغي مراجعتها هي تصور الأخلاق أنها صفات محدودة تشكل فقط جزءًا من السلوك الإنساني، هذا أيضا معترض عليه؛ فالأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداءً من الفعل النظري، الذي يعد فعلا خلقيا من حيث إنه يقتضي -بموجب كوننا بشرا- أن نحكم؛ أي أن ننظر في المصلحة التي يأتي بها إلينا أو المفسدة التي يدفعها عنا، وبالتالي فإنه يكون فعلا خلقيا بهذا الاعتبار المصلحي والدافع الجالب للمصلحة أو الدارئ للمفسدة، فهذه أيضا من المسلمات..
وهناك مسلمات كثيرة في حاجة للمراجعة حتى يصبح مفهوم الأخلاق مفهوما لا ينفك عن مفهوم النظر، وتصبح الفلسفة جامعة للأمرين من هذه الناحية".
وهذا تماما ما يسعى إليه فيلسوفنا؛ أن تصبح الفلسفة حاملة لِهَم الأخلاق، وباحثة عن تجسيدها نظريا وعمليا حتى تستقيم حياة الإنسان؛ فتكون هذه الأخلاق شاملة تحتوي تحت جناحيها كافة تصرفات وسلوكيات البشر.
ويُفصح طه عن بُغْيَته الفكرية هذه في بداية الفصل السابع من كتابه (سؤال الأخلاق) حيث يقول: "ليس يخفى أننا كنا نسعى منذ صدور كتابنا (العمل الديني وتجديد العقل) إلى الإسهام في تجديد الفكر الديني الإسلامي بما يُؤهله لمواجهة التحديات الفكرية التي ما فتئت الحضارة الحديثة تتمخض عنها؛ بل كنا نسعى -على وجه الخصوص- إلى وضع نظرية أخلاقية إسلامية مستمدة من صميم ذلك الفكر، نظرية تُفلح في التصدي للتحديات الأخلاقية لهذه الحضارة بما لم تُفلح به نظائرها من النظريات الأخلاقية غير الإسلامية…".
وهذا مشروع يصفه الدكتور عباس أرحيلة بكونه يرمي به إلى تأسيس يقظة دينية، لها سند فكري محرر على شروط المناهج العلمية؛ أي أنه هيأ لها التأطير المنهجي المحكم، والتنظير العلمي المُنتِج، والتبصير الفلسفي المؤسِّس.
الحق الإسلامي في الاختلاف
فضلا عن سعي الدكتور طه عبد الرحمن لتحقيق جزء من مشروعه الفكري المتعلق بتأسيس فلسفة أخلاقية.. فإنه أوْلى لباقي ركائز مشروعه نفس الاهتمام والدربة الفلسفية والمهارة الإبداعية، وكان الفيلسوف العربي الأول الذي أسس الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، وهو جوهر المشروع الفكري لطه عبد الرحمن، ودعا إليه في كتاباته وتنظيراته ومحاضراته في شتى بقاع العالم. فما هي المعالم الرئيسة لهذا الفكر الطاهائي (نسبة إلى طه)؟
من الأفيد أن تتم الإشارة أولا إلى أن الدكتور طه عبد الرحمن حاول وضع فلسفة إسلامية تضاهي الفلسفة الغربية الحديثة، وتتغاير معها في المنطلقات والتصورات والمفاهيم والمصطلحات. ومشروعه الفلسفي هذا يتمثل -حسب الدكتور أرحيلة- في وضع ما أسماه "فقه الفلسفة"، وهو "علم ينظر في الأعراض الذاتية للفلسفة، ويستخرج قوانينها ويرتب مسائلها". وإجرائية هذا العلم تتمثل في الكيفية التي بها نتحرر من التبعية لفلسفة الغربيين، وهي كيفية نبدع من خلالها على مقتضى فكرنا وواقعنا، ونستشكل بها ما يهمنا في حالنا ومآلنا.
ومن خلال ذلك الفقه نتفاعل مع ما لا بد من ضرورة التفاعل معه، ونحاور ما يصح الحوار معه بمنظارنا لا بمنظار غيرنا، ومن خلال ذلك الفقه نستقل بفكرنا ونُبدع كما يُبدع غيرُنا. فالغاية من هذا المشروع خلق فضاء نتفلسف فيه بتوجيه من رؤيتنا الخاصة، من هويتنا الخاصة، من حقائقنا وأوضاعنا ومشاغلنا، وانطلاقا من مفاهيمنا ومصطلحاتنا. وهذا يجعلنا لا "نتعولم" بمشيئة غيرنا، ولا نتشكل كما يُراد بنا.
وجعل د.طه لفقه الفلسفة أركانا أربعة، وكأنه يفتح بيديه باب الفلسفة المغلق منذ أمد بعيد، وهي: الترجمة والتعبير والتفكير والسلوك. وفقه الفلسفة -كما يقول- "يُفيد في العلم بالأسباب الموصلة إلى إنتاج الفلسفة". وذكر أنه انشغل في ممارسته الطويلة للفلسفة بالبحث عن الطريق الذي يوصل إلى تحصيل القدرة على الإبداع الفلسفي، وتبين له أن طالبي الفلسفة لم يسلكوا الطريق المؤدية إلى الإبداع؛ فانبرى لهذه المهمة قائلا: "فأردنا أن نَدُلّهم على معالم الطريق الذي ظهر لنا أنه يوصلهم إلى مطلوبهم من غير تبذير للجهد ولا تبديد للزمن".
والمشروع الفكري لطه يروم تقديم كيفية عملية وتطبيقية لإخراج المتفلسف العربي من مرحلة التقليد، ودعوته إلى المطالبة بحقه في الاختلاف؛ إذ بذلك يتفلسف على مقتضى هويته، وهو بذلك يُدافع عن وجوده، ويتحرر من تصورات فلسفة غربية تتناقض مع كينونته وهويته، ويُساهم في إغناء التجربة الإنسانية.
وراح فقيه الفلسفة في مشروعه يهدم بمنطقه الصارم ما يراه يستحق الهدم؛ لأنه بُنِيَ -في تصوره- على غير أساس. وراح يُعيد البناء ويُقدم اجتهادات غير مسبوقة في هندسته وكيفية إقامته؛ انطلاقا من استيعاب المطلوب وتحليله من جميع وجوهه، وتشريحه وتقويمه على مقتضى ما صح عنده.
ولقد ضمن طه عبد الرحمن لآلئ فكره وفلسفته في كتابه الشهير: "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" الذي أجاب من خلاله بالإثبات عن السؤال الملح الذي وضعه، فيقول: "إن للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها، مبرزا الروح التي تميز الجواب الإسلامي، والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى، ولو كانت أشد بأسا منها، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق، ولو كانوا من بني جلدتها".
|
|
|
|
وكتب الأستاذ حسن السرات -عضو منتدى الحكمة الذي أسسه الدكتور طه عبد الرحمن- يقول: "إن الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تتجلى -حسب الفيلسوف المغربي- في حقيقتين اثنتين؛ إحداهما الإيمان الذي يتوصل إليه بالنظر الملكوتي في الآيات، بوصفه مؤسسا للنظر الملكي في الظواهر.
والثانية هي التخلق، ويتوصل إليه بالتعامل مع مختلف الأشخاص والأمم؛ أي بالعمل التعارفي بوصفه مؤسسا للعمل التعاوني"...
ويعتبر طه عبد الرحمن أن الأمة المسلمة لا تجيز لنفسها الاستبداد بالجواب عن أسئلة هذا الزمان، رغم أنها أولى بها من غيرها بحكم الخاتمية والشهادة على العالم. وعلى العكس من ذلك استبدت "أمة الغرب" بالجواب، وقطعت الطريق على غيرها بحكم قوتها وطغيانها. وأمام هذا الواقع الظالم بات مشروعا أن تتصدى الأمم الأخرى لهذه الكونية القاهرة، وبات لزاما على الأمة المسلمة أن تكون في طليعة المقاومين المتصدين، إذ يقع عليها أكثر من غيرها واجب تغيير المنكرات فيه، وأنكر هذه المنكرات "العنف الفكري"، وذلك بالكشف عن المفاسد الإيمانية والمفاسد الأخلاقية؛ أي النهوض بكل من "النقد الإيماني" و"النقد الأخلاقي".
وخلاصة القول أن طه عبد الرحمن هيأ اختلافه الفكري من خلال تأصيل الرؤية الأخلاقية في الإسلام؛ لأن مشروعَه أساسُه الأخلاق؛ وهو أساس يفتقده الغرب في اندفاعاته نحو الحداثة بدون ضوابط أخلاقية. وتفتقده الفلسفات الغربية الحديثة بتصوراتها لعقلانية غير مشروطة، وتفتقده الدول التي ارتهنت لغيرها، وربطت مصيرها الفكري والحضاري بذلك الغير، وتفتقده الدول التي تتحدث عن تخليق السياسة والحياة العامة، بعد أن افتقدت تخليق الحياة الخاصة.
والجواب الإسلامي عما تعانيه الحضارة المعاصرة من تأزم؛ هو بالنسبة للفكر الطاهائي الجواب الأخلاقي "لأنه ينبني أساسا على ما جاء به دين الإسلام، وصلة الأخلاق بالدين لا يُنازع فيها إلا مكابر".
الفيلسوف المجدد
يعد الدكتور طه عبد الرحمن فيلسوفا مجددا بامتياز؛ فهو يستشعر أهمية ما يقوم به وما ينتجه من فكر وتفلسف، كما أنه يفهم جيدا المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، ويستوعب تاريخ الفكر الإنساني بشكل كامل وجلي.. وتجديد فقيه الفلسفة يتمثل أساسا في مواجهته لفلاسفة الغرب والشرق، ونعته لفلاسفة العرب بالتبعية والتقليد والعجز عن الإبداع، وفي نقده أيضا للمفاهيم والمصطلحات المنتشرة في عالمنا اليوم انتشار النار في الهشيم: الحداثة، العقلانية، الكونية، الفلسفة...
ويقرر أهل الاختصاص أن من مظاهر تجديد الفكر الطاهائي: - وضْعه لفلسفة الحوار، فقد جعله الأصل في كل كلام، وجعله طريقا في بناء الإقناع والتعقل والاجتهاد. وجعل كل حوار يقوم على الاختلاف. - وضعه لـ"فقه الفلسفة" وهو علم غير مسبوق. - الاستقلال عن المناهج السائدة والإتيان بما يُضاهيها من حيث الفعالية والإجرائية. - دعوته إلى الاختلاف في زمن هيمنة القطبية الواحدة، وإلى الوقوف في وجه الفلسفة العالمية المفروضة، ومناهضة تلك الفلسفة المتسلطة على عقول متفلسفة العرب. - إنشاء نظرية تكاملية للتراث في كتابه (تجديد المنهج في تقويم التراث)، خالف بها المتداول من أعمال تقويم التراث، وواجه بها الانقلاب في القيم بين المشتغلين بالتراث الإسلامي، من أصحاب المناهج والمشاريع في قراءة ذلك التراث، وممن دعاهم بدعاة الانقطاع عن التراث. - وضع مشروعا لفلسفة إسلامية انطلاقا من ثوابتها ومنهجيتها، فلسفة تستقل برؤيتها ومجالها التداولي، وتضاهي في بنائها المعرفي والمنهجي الفلسفة الغربية الحديثة؛ فلكل فلسفة قوميتها وسياقها التاريخي اللغوي الفكري.
ولعل تجديد طه عبد الرحمن في مشروعه الفكري الخصب صاحَبَتْهُ -ولا شك- جرأة في الطرح والتقييم والتقويم؛ فقد كان أول فيلسوف يضع الفلسفة في مكانها الطبيعي دون رتوش ولا مساحيق، ولا هالة مصطنعة، بل عرضها على مشرحة الفقه الفلسفي، معتبرا الفلسفة ظاهرة طبيعية من الواجب درسها وتسليط ضوء العلم والنقد عليها. يقول: "يتعين علينا أن ننظر في الفلسفة كما ينظر العالم في الظاهرة رصدا ووصفا وشرحا".
وتتجاوز جرأة هذا المفكر المغربي حدود فحص الفلسفة بعين الطبيب إلى اتهامه للفلسفة الغربية بالتهويد، واعتراضه على كونيتها والقول بعالميتها وعظمتها، معاتبا المتفلسفة العرب المعاصرين بسبب شرودهم وعدم انتباههم إلى وجود التهويد في الفلسفة الحديثة. ودليله أن "ما يُنجز في البلاد العربية في الوقت الراهن (...) يدور كله على نفس الاستشكالات والاستدلالات، ونفس المسلمات والنظريات التي يتضمنها الفضاء الفلسفي العالمي المزعوم".
وتبلغ جرأة طه عبد الرحمن القمة حين نجده ينفي الإبداع الفلسفي عن ابن رشد، وهو موقف حز في نفوس تلامذة ابن رشد والمعجبين بفكره والمتعلقين برشديته، وزاد من غضبهم على الدكتور طه.
طه بين النقد والصد
|
|
|
|
كل مشروع فكري من حجم مشروع فقيه الفلسفة طه عبد الرحمن حري به أن يفضي إلى ردود أفعال، تنقسم بين من رحب واحتفى بفكر الرجل وتفلسفه، ومن شاح بوجهه.. متبرما تضايقا وحسدا ربما..
يقول الدكتور أرحيلة عن هذا الجانب: هذا المشروع الفكري الطاهائي "لم يلق ما كان يستحقه من احتفاء وتقدير ومساءلة، وكثير من أهل التفلسف تغافلوا عنه لخطورة ما يحمله المشروع من قضايا ومواقف.
ومما يدعو إلى الاستغراب أن هذا المشروع لم يُثر ضجة علمية في الوطن العربي تناسب ما قدمه صاحبها من دعاوى ومواقف واجتهادات وفتوحات، وما أبداه من جرأة فكرية لم يُعرف لها مثيل في النهضة العربية الحديثة، وما رفعه من معاول الهدم، وما أقامه وشيده من أنواع البناء؛ بل ما افتن فيه من أساليب الهدم والبناء؛ فلم يلق المشروع ما يستحقه من النقد والمتابعة والمساءلة والمراجعة.
ومما تجدر ملاحظته إصرار د.طه على التميز بين معاصريه بالتفلسف بصورة أثارت حوله كثيرا من الحسد، وقليلا من النقد، وكثيرا من الإعجاب والتقدير لتميزه واجتهاده، وبسبب ظهور مشروعه دُفنت أسماء قبل أصحابها -رغم أنهم كانوا من الرواد-. وكيف لا يُثير هذا المشروع حنق كثير ممن يشتغلون بالفلسفة وصاحبه يؤكد أن الغاية من مشروعه أن يجعل المتلقي العربي قادرا على تصنيع "معمله المفهومي"، من أجل إنشاء فلسفة متميزة ومستقلة، تجعله قادرا على التفلسف؟ وهذا أمر لم يقل به أحد قبله.
ومن جانبه.. يقول تلميذه وصديقه الأستاذ حسن السرات في السياق نفسه: "أظن أن شموخ الدكتور طه عبد الرحمن وقوته المنطقية واللغوية والإيمانية جعلته مهاب الجانب لدى بعض الكتاب المزيفين والمروج لهم في الإعلام؛ ولذلك تحاشوا كثيرا مواجهته وجها لوجه، وأقصوه في كثير من المناسبات والملتقيات خوفا ورهبا".
ومضى يقول بحرقة: "ما أشد بؤس هذه الفلسفة وهذا الفكر الذي يخاف من مجرد حضور مفكر وفيلسوف عملاق مثل طه عبد الرحمن.. وأعتقد كذلك أن المغرب قد بخس حق هذا المفكر، ولم يعتن به العناية اللازمة؛ فمن المعروف عن المغرب أنه لا يتقن ترويج علمائه ومفكريه وقرائه ورجالاته بالقدر الذي يروج فيه أشياء أخرى أتفه وأدنى!!".

إضافة تعليق