لاشيء داخل النص لاشيء خارج النص

عد أن قال المتصوفُ ابن عربي ما قاله في ديوانهِ “ترجمان الأشواق” الذي نظمهُ في سن الخامسة والعشرين، أحرجهُ بعض الفقهاءِ حين أنكرَ عليه أن يكون هذا النظمُ من الأسرار، وقال بعضهم إن الشيخ يتستر لكونهِ منسوباً إلى الصلاح والدين، فقدم ابن عربي شرحاً لديوانه جعل المنكرين يتراجعون، على حد تعبيره، عن إنكارهم على الفقراء، وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب ويقصدون في ذلك الإشراقات الصوفية . هل نجح الشيخ في شرحه؟ وهل هناك علاقة بين الشرح والنص؟ وهل هناك علاقة بين الشرح وما يحيط بالنص من عوالم خارجية؟

يثير شرح ابن عربي (1165-1243م) لديوانه مسألة أدبية في غاية القدم والحداثة معاً، لأن شرحه لا يعتمد على ما يقوله النص بوصفه تركيباً لغوياً ذا نسق دلالي، بل على ما يقوله هو عن نصه . ولو كان الشرح قائماً على أساس لغة متعددة الدلالات بأسلوبها الخاص، أي لغة منزاحة عن معيار اللسان العام، لأصبح ما جاء به شرحاً بين شروح، ولكنه لا يقوم إلا على أساس “الإرادة”، إرادة الشاعر، وهي إرادة غير مقنعة تشبه إرادة من يقول “رأيتُ حقلا”، ويزعم إنه يريد “رأيتُ جنة علوية”، أو من يقول “أحببتُ جاريةً”، ويزعم إنه أراد “أحببتُ طرائق السالكين” .

طرافة الموقف هنا، إنها نفي لما يقوله النص، وتقديمٌ لإرادة القائل، ومثل هذه الإرادة لا تصحّ إلا إذا استندتْ إلى شيءٍ من إرادة النص . صحيح أنّ لكلّ نص ظاهرٌ وباطن، أو ما يقوله وما يسكت عنه بتعبير اللسانيات الحديثة، ولكن الأمر ليس مطلقاً؛ إنه أمرٌ تحدده بنية النص نفسه، لا أي رغبة خارجية . ربما كان هذا هو ما دفع فيلسوف التفكيكية الفرنسي “جاك ديريدا”، إلى الاتجاه المعاكس؛ إلى الجزم أنه “لاشيء خارج النص”، أي لاشيء خارج النص يفسره أو يسنده، سواء كان المفسر ذاتاً أو موضوعاً، فالتفسير لا يصح إلا من داخل النص بوصفه لغة؛ بنية دلالات يحيل بعضها إلى بعض، لا إلى مدلولات خارجية . وهو موقف يماثل في تطرفه تطرف ابن عربي وإن في الاتجاه المعاكس . كلا الموقفين يحمل نقضاً للغة بوصفها وسيلة تواصل بين البشر ونتاج تفاعل بينهم وبين بيئتهم . أي إفقاد اللغة أي قيمة تجعلها وسيلة معرفة، وتحويلها، حسب ديريدا، إلى وسيلة خلق واقع “افتراضي” يحل محل الواقع الإنساني، سواء كان الأمر بوساطة السيطرة على وسائط الإعلام، كما نشهد حالياً حيث تعمل فضائيات مهيمنة بسطوة المال على خلق “وقائع” افتراضية، أو بوساطة تشويه العلاقة المثلثة بين اللغة والفكر والمجتمع حين تصبح اللغة نظاماً بذاته ولذاته؛ لعبة ألفاظ من العبث البحث عن شيء تشير إليه خارجها .

إن عبارة “لاشيء خارج النص” التي يطلقها ديريدا تعني تحديداً أن لا وجود لواقع إنساني، وما نسميه “واقعاً” لا يعدو كونه خلقاً لغوياً . أما حصيلة شرح الشيخ ابن عربي لديوانه فتعني “لاشيء داخل النص” ولا شيء خارجه، الواقع هو ما يريد أن “يراه” هذا أو ذاك من الناس . وكلا الاتجاهين يلتقي في نقطة نفي الواقع الإنساني، بمحو وجوده كمرجع للإشارات اللغوية، أي نفي حضور “الموضوع” وحضور “الذات” كحاملين للدال والمدلول على حد سواء .

قبل أن نصل إلى النص وشرحه عند ابن عربي، أو إلى إرادة النص وإرادة قائله المفروضة عليه تعسفاً، قد يكون من المفيد إيراد شيء من التمهيد الذي قدم به الشيخ ديوانه ومناسبة وظروف نظمه .

حدث هذا في العام 598 للهجرة، في مكة المكرمة، وكان ابن عربي حينذاك طالب علم استقر به المقام عند الشيخ مكين الدين الاصفهاني وأخته بنت رستم، وابنته التي هي حسب وصف ابن عربي “بنت عذراء، طفيلة، هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر والمحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام، وتلقب بعين الشمس والبهاء، من العابدات العالمات السائحات الزاهدات، شيخة الحرمين وتربية البلد الأمين الأعظم بلا مين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت . .” .

ثم يمضي إلى القول “ . . فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفسُ ويثيره الأنس من كريم ودها وقديم عهدها ولطافة معناها وطهارة مغناها، إذ هي السؤال والمأمول والعذراء البتول، ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق من الذخائر والأعلاق . فأعربتُ عن نفسٍ توّاقة، ونبهتُ على ما عندنا من العلاقة، اهتماماً بالأمر القديم، وإيثاراً لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنّي، وكل دار أندبها فدارها أعني” .

ويضيف بعد ذلك “ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء من الإيماء إلى الواردات الإلهية أو التنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جرياً على طريقتنا المثلى، ولعلمها بما إليه أشير، ولا ينبئك مثل خبير، والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية والهمم العلية المتعلقة بالأمور السماوية” .

والحقيقة إن هذه المعارف الربانية والأنوار الإلهية التي يتحدث عنها ابن عربي، لا يمكن استنباطها من إشارات في النص، فهذه الإشارات دوالٌ ممحوة المعنى ناهيك عن إنها ممحوة الدلالات كما يشير منحاه في التفسير، بل يمكن استنباطها من “إرادته” هو فقط . فما هي الأسرار الروحانية الكامنة في هذا البيت من قصيدة تكرر معاني قصيدة لشاعر آخر مجهول؟:

سألتهم عن مقيلِ الركبِ قيل لنا

مقيلهم حيث فاح الشيحُ والبانُ

هذا البيت الذي قاله شاعر رقيق في سياق تقاليد راسخة في القصيدة العربية، تقاليد رحيل الأحباب والسؤال عنهم، يمنحه ابن عربي هذا التفسير: “يقول سألتُ العارفين حقائق الشيوخ المتقدمين الذي أبانوا لنا الطريق، وأوضحوا لنا مناهج التحقيق، لما رأيناه في تجلياتهم كشفاً . فالضمير في سألتهم يعود عليهم عن ركب هذه المناظر الإلهية . يقول أي قلب وعين اتخذوه مقيلا، فقالوا لنا اتخذوا مقيلا كل قلب ظهرت فيه أنفاس الشوق والتوقان، وهو قوله: فاح الشيحُ والبانُ، فالشيح من الميل والبان من البعد” .

وهكذا ينسج الشيخ على هواه تفسيراً لا دليل عليه سوى ما “يريد” لا ما “يريد” النص، وهو أمر غير مقنع، حين تصبح نباتات مثل الشيح والبان مجرد صدى لألفاظ الميل والبعد .

الأطلال والطلول وأسماء الأماكن الدارسة في سياقها الشعري العربي يتنقل بها ابن عربي في تفسيره، لا في نصه، كما يشاء، من دون محددٍ صوتي أو دلالي فيقول:

قف بالطلول الدارسات بلعلع

واندبْ أحبتنا بذاك البلقع

وتصبح لديه هكذا: الطلول أثر منازل الأسماء الإلهية بقلوب العارفين، والدارسات المتغيرات بالأحوال لانتقالها من حال إلى حال بسبب تولعها . وأندب يقول: وابك أحبتنا، يعني الأسماء الإلهية، بذلك البلقع يعني قلبه المنعوت بالتجريد وأحزانها من السكان الذين كانوا عمروها وهي الخواطر الإلهية والملكية خاصة .

إن مثل هذا النمط من الشرح أو التأويل الذي لا يعتني بالدال والمدلول، ولا بالدلالة حتى، يتعامل مع اللغة تعاملاً ذاتياً إلى درجة تجعل كل شيء ممكناً، ذلك الإمكان العقلي الذي لا يحده حدٌّ، لا من طبيعة الواقعات ولا مجرى الأمور الطبيعي، ولا الطبيعة التي تخص كل سياق لغوي وتنبع من علاقاته الداخلية . هذا النمط من التفسير الذي “يريده” مؤلف النص يمكن أن يمتد إلى نصوص أخرى لشعراء آخرين . فماذا سيقول ابن عربي عن بيت مشابه من أبيات امرئ القيس مثلا:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

لا نشك إنه، انسياقاً مع إرادته في التفسير، سيجعل الأمر بكاءً على تجل روحاني، والمنزل مقام التحولات، وسقط اللوى والدخول وحومل خواطر عليا، وهي أمورٌ لا نعتقد إنها خطرت ببال امرئ القيس حين وقف يتذكر أماكن حبيبته الخاوية بكل بساطة .

إن أفضل ما يؤكد على ما نذهب إليه من اعتباطية تفسيره، هو مطلع قصيدة له يحاكي فيها مطلع قصيدة المتنبي المعروفة:

بأبي الشموس الجانحات غواربا

اللابسات من الحرير جلاببا

وهذا هو مطلع قصيدة ابن عربي:

بأبي الغصون المائلات عواطفا

العاطفات على الخدود سوالفا

وهذا هو تفسيره لهذا المطلع الأخير: “قوله بأبي، إشارة إلى العقل الأول الذي يفدي به النعوت التي تحمل المعارف الإلهية للعارفين بطريق العطف الإلهي للعطف المقدس . وقوله، العاطفات على الخدود، صفة وجهية وسوالفاً” رتبة عليا لها في القلوب لدغ وحرقة توجب اصطلام العبد على نفسه هيماناً وعشقاً”!

ألا يمكن أن يقال هذا الكلام نفسه أو ما يماثله عن غزل المتنبي؟ هذا ممكن بالطبع .

عندما يصبح الإمكان مطلقاً بهذه الطريقة التي يتبعها ابن عربي في شرح ديوانه، يفقد الشرح كل معنى، فهو خارجي مفروض على النص، لا يستنطقه ويتعرف إلى عالمه، بل يخرسه، ويمحوه حين يعلق سنن اللغة وثوابتها، ليس على أساس بلاغي، وهو أمر مشروع، بل على أساس المقولة الشائعة: “المعنى في بطن الشاعر”، وهي مقولة خاوية وخالية من أي معنى، لأن المعنى في بطن النص لا في بطن أي شيء خارجه . لا نقصد هنا ما ذهب إليه ديريدا من إن “لا شيء خارج النص”، أي قطع الإشارة اللغوية عن أي مدلول لها في العالم الخارجي، بل نقصد إن البنية اللغوية دالة بذاتها على مدلولات داخل/ خارج النص .

قد يكون قصد الشاعر، أو ما يرمي إليه، هو كما يقول في تفسيره، ولكن أي قول عن نص لا يستند إلى أساس ثابت في النص لا يؤخذ به، أو هو بلا وظيفة نقدية . النصوص لا تفسر بنيات أصحابها، بل بما تريد أن تقوله ضمن قوانين صياغتها، وحين تقول النصوص وينكشف ما تسكت عنه، تظهر نيات أصحابها وليس العكس . من هنا يمكن دراسة “ترجمان الأشواق” بما يقوله فعلا، لا بما يقول صاحبه عنه، وسنكتشف إنه يندرج في نطاق الموروث الشعري العربي، المقول والمكتوب، بكل تقاليده، من بكاء على الأطلال وتذكر للأحباب ولوعة وأشواق . . إلخ . ويمكن دراسة فنية نظمه بوسائل بلاغية، ويمكن هنا الكشف عن مفارقة طريفة أيضاً؛ إن ابن عربي، الأندلسي المولد والنشأة، يستعير قوالب شعر الصحراء ومفرداته وقوالبه وتجسداته النفسية، ويصل به الأمر إلى أن يحنّ إلى الأماكن ذاتها التي حنّ إليها شعراء العربية منذ العصر الجاهلي البعيد، فظلت ماثلة في التقاليد، لا يستقيم لهم حنين إلا بها . وهذه سمة من سمات غلبة التقليد على الأصالة، أو بدايتها في القرون الأولى وصولاً حتى إلى العصر الراهن، وهي دليل إضافي على تأثير القراءة في أجيال من الشعراء نشأت بعيداً عن الصحراء، ومع ذلك كانت نصوص الصحراء هي مراجع عواطفها وأفكارها وتصوراتها .

إضافة تعليق

11 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.