د .أنور عبدالملك . . ناقد الاستشراق الأول

“منذ الطفولة ثم مطلع الشباب شعرت، ثم أدركت أن مصر جزء من عالم فسيح متموج، وأن تحرير مصر لن يتم إلا في علاقة عضوية بتغيير العالم، وكذا أن نهضة مصر جزء من صياغة عالم جديد، يضع حداً للهيمنة، ويفتح المجال أمام نهضة الشعوب المضطهدة وفي قلبها شعوب أمم الشرق” .
يمكن تلخيص المشروع الحضاري للمفكر المصري الراحل أنور عبدالملك “1924 - 2012” في هذه الفقرة، التي تؤكد ما دعا إليه، طوال مسيرته من أهمية الاتجاه شرقاً، كشرط ضروري لتحقيق نهضة، ليست مصرية فحسب، بل عربية وإسلامية في الأساس .
ولم يكن ليكتفي بطرح الأسئلة، كدأب المفكر، لكنه اجتهد كثيراً في محاولة للتوصل إلى إجابات، تنير الطريق، في سبيل المستقبل، ومن هذه الأسئلة: أين نحن من التاريخ؟ أين مصر من مسيرتها الحضارية؟
كان يجيب عن هذه الأسئلة التي تخص المستقبل، وعينه على الحاضر، فقد شاء القدر أن يرى هذا المفكر الكبير قفزة النمر المصري على ضفاف وادي النيل، عبر ثورة 25 يناير، ولذا كان يرى أن كل شيء منذ 25 يناير/ كانون الثاني ينبع من الماضي، وكأنه يحاول تسوية تاريخية مع مظالم الحقبة الماضية، على تنوع إدراك مختلف القوى لهذه الحقبة، وهل هي منذ يوليو/تموز 1952 أو منذ كامب ديفيد ،1979 أو العقود الثلاثة التالية، أو في نظر قطاع مهم انطلق بعد طول تغييب، منذ تراث نهضة مصر التحديثية المدنية العلمية منذ مطلع القرن التاسع عشر بزعامة محمد علي باشا حتى أكتوبر/ تشرين الأول 1983” .
عاش د . عبدالملك جل سنوات عمره في باريس، ومن هناك كان يوسع زاوية البحر، ليرى الشرق ناهضاً، من هنا كانت أسبقيته لنقد الاستشراق قبل إدوارد سعيد ورؤيته أننا منذ الحرب العالمية الثانية “لم نخرج من الحرب، نحن في حرب عالمية مستمرة”، لذا كان من الضروري أن يظهر قطب جديد، مشيراً إلى القلق الأمريكي من إمكانية ظهور الصين كقطب جديد، ومن ثم كان يدعو العرب للاستفادة من التناقضات الموجودة على الساحة الدولية .
طريق الحرير
لتوضيح هذه الرؤية كان د . عبدالملك يستشرق آفاق المستقبل بالعودة إلى ماضي العالم، مشيراً إلى أن “العالم لم يعرف نظاماً عالمياً قبل القرن السابع عشر، بل كان العالم يتكون من حوالي أربع مجموعات منعزلة، يربط فيها رابط تجاري هو “طريق الحرير”، وكان الوطن العربي والإسلامي طرفاً فاعلاً في هذا النمط التجاري الدولي .
وكما كان يقول: “اليوم يعاد تشكيل علاقات دول طريق الحرير من جديد، على خط البترول وموارد الطاقة، وعلى الرغم من أن المنطقة العربية هي جزء منه، إلا أنها مغيبة بسبب الهيمنة الأمريكية عليها” .
وإيماناً بفكرة التوجه شرقاً كان د . عبدالملك يؤكد أنه إذا كانت عملية جعل الغرب مركزا للعالم عملية لها تاريخ، أي لها بداية، وبالتالي يمكن أن تكون هناك بدايات أخرى، وعلى هذا فإنه كان يرى أن مركز الثقل العالمي ينتقل من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادي على بروز قوى جديدة كالصين، تجعلنا نشكك في مقولة إن أمريكا هي العالم وأنها تمتلك كل أوراق الحل .
استند د . عبدالملك، وهو يدعو إلى التوجه شرقاً، إلى المشتركات القائمة بيننا في المنطقة العربية ودول الشرق، مقارناً في ذات الوقت بين النموذج الغربي ونظيره الشرقي، فجوهر حضارات الشرق يعتمد على الروح الجماعية بدلاً من الفردانية، وفي هذا نقد لمفكري العلمانية الأوروبية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، حيث كانوا يمنحون الأولوية للفرد باعتباره سيد أو مالك الكون، وهي النظرة التي أدت كما يرى عبدالملك إلى استيلاء الرأسمالية الغربية على معظم بلاد العالم حتى بداية القرن العشرين، في حين أن الروح الجماعية تعطي أولوية لمعاني الحضارة والدين والثقافة والأمة والقومية والوطن والأسرة في مواجهة ابتزاز أولوية الفرد .
وضمن المشتركات بين حضارات الشرق، كما حددها د . عبدالملك التنمية الاجتماعية والإنسانية، كبديل من التنمية الاقتصادية، فالهدف من عمليات التنمية في مجتمعات الشرق كانت دوماً زيادة قدرات الفرد والمجتمع، ورفع مستوى علمهم وذوقهم الفني، فالتنمية ليست عملية كمية، تعبر عن إحصاءات الإنتاج ومعدلات صعود وهبوط بورصة الأسواق المالية .
كان أنور عبدالملك أول من وجه نقده إلى الاستشراق في مقال كتبه عام 1963 بعنوان “الاستشراق في أزمة” ونشر في مجلة “ديوجين”، موضحاً أن الاستشراق يعاني أزمة أخلاقية حادة بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب ضد الشرق، ويومها تبارى كبار المستشرقين لتفنيد ما جاء في هذا المقال من آراء، لدرجة أن المستشرق الفرنسي مكسيم روونسون اعترف بأن الدول الأوروبية لم تكتف بالدافع العلمي للمعلومات التي جمعها علماؤها عن دول الشرق، بل إنها استفادت منها لغزو هذه البلاد واستعمارها .
تناول د . أنور عبدالملك مناهج وأدوات الاستشراق، خصوصاً بعد أن أصبحت الدول التي كانت خاضعة للاستعمار ذات سيادة، كما اختتم مقالته بعدد من التوصيات حول إعداد الباحث الغربي من حيث معرفة اللغة، والتمكن من المعارف المختلفة الخاصة بالعالم العربي والإسلامي، وقال: “لقد حان الوقت لاعتماد توجه جديد بالضرورة” .
التوجه الحضاري
يعد التوجه الحضاري بعداً رئيساً في رؤية د . أنور عبدالملك الفكرية فمن خلاله يمكن فهم أمور الدنيا والإسهام في مواكبتها وتغييرها، فالعالم لديه، يتكون من مجموعات من الحضارات الكبرى، التي تمثل الدوائر الأوسع للتمايز البشري، ولذا كان يرفض مقولة “حضارة عالمية واحدة، ويراها أسطورة لا تمت للواقع بصلة، ومن خلال العامل الحضاري كان يفسر الظواهر ويحللها ويقترح حلولها .
كان يعّول كثيراً على فكر النهضة، وفي القلب منه ما دعاه ب”الخصوصية”، من هنا كان مقاتلاً شرساً في مواجهة دعاوى “العولمة”، التي لن تحقق إلا مزيداً من التبعية والانحدار، أما النهضة فهي الوحيدة التي تصل بنا إلى التمسك بالشخصية القومية، ويضرب د . عبدالملك المثل بفيتنام التي أصرت على “سيادة القرار ومصلحة الأمة بعيداً عن التبعية باسم التحديث والعولمة” كما يضرب المثل بالصينيين الذين رفعوا شعار: “فليخدم كل ما هو عالمي كل ما هو صيني” .
كان د . أنور عبدالملك يؤمن بأن أهم حدثين أثرا في العالم هما مؤتمر باندونج عام ،1955 وقبله الثورة الصينية، التي كان يراها أهم حدث في التاريخ منذ سقوط الأندلس واكتشاف الأمريكتين، كما كان يرى أن “كسر الاستشراق التقليدي” انطلق من الصين، على يد أستاذ في جامعة كامبريدج عبر موسوعة عنوانها “العلم والحضارة في الصين”، تؤكد أن الصين تقدم علمياً على أوروبا حتى القرن السادس عشر .
الأصولية
وإذا كانت مفردة “الأصولية” أكثر الاصطلاحات شيوعاً في الفترة الأخيرة، فإن د . أنور عبدالملك يعد أول من أطلق هذا المصطلح في فضاء الثقافة العربية، وذلك في كتابه “نهضة مصر”، وفيه يعرض لأفكار الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده .
وفي إحدى الندوات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب دعا د . عبدالملك إلى رد الاعتبار لمفهوم الأصولية، مؤكداً أن وسائل الإعلام الغربية مارست تشويها ضد الأصولية باعتبارها نقيضاً للحداثة، ورأى أيضاً أن الإعلام العربي ظل تابعاً للإعلام الغربي في التكريس لهذا المفهوم غير الصحيح للأصولية، وإظهاره قرينا الإرهاب والردة الفكرية .
وحسب وجهة نظر د . عبدالملك فإن هناك نوعين من الأصولية، الأول إيجابي والآخر سلبي، وكان الأفغاني ومحمد عبده نموذجاً للأول، بينما الثاني يمثله ما جرى في أفغانستان، وفي سبيل توضيح رؤاه الفكرية دعا د . عبدالملك إلى تثوير الإسلام الاجتماعي كأساس لمشروع جديد للتحديث، يتجاوز المركزية الأوروبية والأمريكية، نظراً لأن كل بلد له طريقته الخاصة في الانتقال إلى الحداثة، من هنا كان يرفض محاولات الإضرار بالذاكرة الوطنية، وخصوصاً التقليل من شأن تجارب التحديث في الوطن العربي، وظل يدعو إلى تحالفات قوية بين بلدان الشرق، وتجلى ذلك في أهم كتبه “ريح الشرق” و”نهضة مصر” و”تغيير العالم” .

إضافة تعليق