الثقافة في طبعاتها الأربع

المتأمل للمشهد الثقافي العربي الراهن يلاحظ أن سؤال الثورة/ الحراك/ الربيع، على اختلاف مفاهيم ومصطلحات تصف ما يحدث على أرض الواقع يقع في قلب هذا المشهد، وهو سؤال مكرر بصيغ مختلفة تحاول تناول كل مفردات قاموس الثقافة في علاقتها بمجتمعاتنا في لحظة مخاض تاريخي فارقة ومهمة، لم نترك حقلاً ثقافياً لم نستفهم عن قدرته على التجاوب مع الوقائع المتلاحقة التي نشاهدها أو نقرأ عنها يومياً، حدث هذا في الشعر والقصة والرواية والمسرحية والأغنية وفي التشكيل والسينما . . . إلخ، وأيضاً في رصد مسارات قدرة مبدعينا على التنبؤ والتدوين والتحليل، في حقول التاريخ والاجتماع، وفي دعوات البعض بكتابة متخلصة من إرث الماضي، وحلم أخرون بأفكار مغايرة لكل ما طرحته الثقافة العربية في ما سبق .
|
المتأمل للمشهد الثقافي العربي الراهن يلاحظ أن سؤال الثورة/ الحراك/ الربيع، على اختلاف مفاهيم ومصطلحات تصف ما يحدث على أرض الواقع يقع في قلب هذا المشهد، وهو سؤال مكرر بصيغ مختلفة تحاول تناول كل مفردات قاموس الثقافة في علاقتها بمجتمعاتنا في لحظة مخاض تاريخي فارقة ومهمة، لم نترك حقلاً ثقافياً لم نستفهم عن قدرته على التجاوب مع الوقائع المتلاحقة التي نشاهدها أو نقرأ عنها يومياً، حدث هذا في الشعر والقصة والرواية والمسرحية والأغنية وفي التشكيل والسينما . . . إلخ، وأيضاً في رصد مسارات قدرة مبدعينا على التنبؤ والتدوين والتحليل، في حقول التاريخ والاجتماع، وفي دعوات البعض بكتابة متخلصة من إرث الماضي، وحلم أخرون بأفكار مغايرة لكل ما طرحته الثقافة العربية في ما سبق . وصل السؤال إلى أقصى مداه الانتقادي حينما ردد الكثيرون: أين المثقف؟ فضلاً عن السخرية المريرة المتمثلة في تأكيد بعض المتابعين أن المثقفين ليسوا على علاقة جيدة بمناخ العصر: الإنترنت وملحقاته، هم يتعاملون مع التقنية كآداة ولم يتشبعوا بثقافتها، يختلفون في رؤيتهم للعالم عن شباب يمتلئون بثقافة الصورة والحوار البسيط والسريع والمباشر، يحاولون صنع مستقبلهم ولم يفرزوا نخبتهم بعد . إن رصد التجليات المختلفة لسؤال العلاقة بين الثقافة وأحداث الربيع العربي والتي يبدو أنها ستهيمن على ساحتنا ربما لسنوات مقبلة، يدفعنا إلى العودة قليلاً إلى الوراء، حيث تهكم الكثير من المثقفين على الأجيال الجديدة بوصفها لا تهتم بالثقافة، والصراع المكتوم داخل الوسط الثقافي نفسه بين ثقافة تحتفي بقامات يعود إبداعها إلى حقبة الثمانينات من القرن العشرين على أقصى تقدير، تدرس وتحلل وتنقد ما قدموه، ولا تهتم بالشباب، تعترف على مضض بقصيدة النثر والمسرح التجريبي والفن المفاهيمي . . . إلخ وهي مفردات وقضايا تنتمي إلى حقبة السبعينات من القرن نفسه، لم تحاول أن تحتضن الشباب وتوجههم، لم تلتفت إلى تدهور التعليم وغياب وسائل التثقيف المختلفة، تركت الأجيال الجديدة لوسائل ثورة الاتصال فقط، بحيث جاء التكوين المعرفي لأي شاب يريد الالتحاق بمؤسسات ووسائط الثقافة المعتمدة ضعيفاً، ووصل الأمر إلى حد مطالعتنا لعناوين كتب من نوعية “جيل بلا رأس”، وهي حالة ربما نتفرد بها في العالم، وأيضاً في تاريخنا حتى عقود قليلة سابقة والنماذج اكثر من أن تعد أو تحصى . لقد كان الوسط الثقافي في بلدان الربيع العربي صورة معبرة عن مجتمعات ترتفع فيها نسبة شباب لم يشعروا يوماً بأنهم حصلوا على نصيبهم من المواقع في الصفوف الأمامية، وهو وضع ما كان ينبغي له أن يحدث في مناخ ثقافي يتسم بالصحة والعافية، على افتراض مثالية الثقافة التي تتجاوز في حراكها المجتمع المحيط بل وتؤثر فيه بالإيجاب وتشده إلى الأمام، والأهم من ذلك أن حالة الوسط الثقافي في بلد كمصر كانت أكثر تردياً، فمن يستطيع النشر أو الحصول على جائزة أو يحظى باهتمام ناقد أو حتى يلتحق بالعمل في مؤسسة ثقافية أو مركز بحثي يتجاوز الأربعين على أحسن تقدير، والأسماء المصرية التي حصلت على جوائز عربية أو دولية خلال السنوات الأخيرة لأفراد تخطوا الستين عاماً، والأسماء المكرسة في العقد السابع أو الثامن، وهي حالة تتناقض تماماً مع ثورتي 1919 و،1952 بينما ميدان التحرير يمتلئ بوجوه تنتمي إلى العقد الثالث من العمر . إن سؤال الثقافة في علاقته الإشكالية بالربيع العربي يفرض سؤالاً آخر أكثر أهمية: لماذا لم يطالب أحدهم بثورة ثقافية موازية؟ في مشهد يبدو من الخارج بعيداً عن الثقافة سمعنا دعوات تطالب بثورات: في الإدارة، التخطيط، الإنتاج . . . إلخ، وسمعنا أيضاً بدعوات مماثلة في حقول تقع على تخوم الثقافة: الإعلام والتعليم، أما في قلب الثقافة نفسها كرؤية واستراتيجية، تنظير فكري وإبداع، ووسط ثقافي متكلس فلا توجد إلا أسئلة من قبيل أين القصيدة المعبرة عن روح اللحظة؟ أو تأكيد أحدهم أنه تنبأ في روايته بما سيحدث . وللأمانة فإن سؤال الثورة الثقافية بائس عند تأمله بعمق، فالثقافة في أي وضع طبيعي تملك مفاتيح اللحظة: تكشف المسكوت عنه، تمهد للحدث، تبصر المقبل، هي التي تقود التغيير، من قلب هذا البؤس يكتسب السؤال المعلق مشروعيته . يظهر مسار ثقافتنا الحديثة أن وضعها الآن لا يسمح بتجاوبها مع الربيع العربي: تنظيراً ومشاركة وإبداعاً، فضلاً عن امتلاك الرؤية والقدرة على تثويرها من الداخل، يؤكد ذلك محطات رئيسة في هذا المسار . يخبرنا كتاب الثقافة العربية أنه منذ اللحظة التي استيقظ فيها وعينا على العالم الحديث مع مدافع نابليون تشكلت نخبة استطاعت أن تسبق مجتمعاتها بالثقافة، تأسست تيارات فكرية ومدارس ادبية يجمع بينها أنها في أشد لحظات الأنكسار، الاستعمار، تطلعت إلى مستقبل بلادها في ما بعد الاستقلال، لم تمارس جلداً للذات أوتتعامل مع الإنسان العربي بوصفه الجريح دائماً، وسواء كانت رومانسية أو مثالية أو مغرقة في الواقعية اتسمت دائماً بالتفاؤل والأمل . بعد أن يرصد روبرتو مانغابيرا في كتابه “يقظة الذات” الصادر في عام 2007 أزمة الثقافة الغربية يذهب إلى أن الخروج من هذا التيه “هناك” محكوم بالقدرة على التوأمة بين التخيل والأمل . الطبعة الثانية من ثقافتنا أعقبت الاستقلال في مرحلتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، اتسمت الثقافة فيها بأنها ركزت على المجتمع، موازية لأحداثه وتقلباته، وسادت الواقعية الاشتراكية في النقد والأدب وتماست مع مناحي التفكير والنشاط الإبداعي المختلفة، والاهم الإحساس بالقدرة على النهوض والالتحاق بركب التقدم . في اعقاب 5 يونيو/حزيران 1967 بدأت ملامح طبعة ثالثة من ثقافتنا تتشكل، حقب من البكائيات افتتحها أمل دنقل في مصر يوم 13 من الشهر نفسه بقصيدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، وهنا يمكن لهواة سؤال مواكبة الإبداع للأحداث المقارنة، وصادق جلال العظم في سوريا بسلسلة مقالات بعد فترة قصيرة من النكسة جمعت في كتاب صدر في عام 1968 بعنوان “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، أعيدت طباعته في 2007 بمقدمة وافية لفيصل دراج بعنوان “راهن الهزيمة”، في هذه العقود الثلاثة كانت بوصلة التفكير تؤشر على الماضي، الجميع ذهبوا إليه للإجابة عن سؤال التراجع المستمر والهزيمة المزمنة، أصبحت قاماتنا الفكرية الحداثية منكبة على التراث، وفرض هذا الأخير هيمنته على قطاع كبير من النشاط الإبداعي، أفنى الكثيرون من هؤلاء أعمارهم في إعادة قراءة التراث بمناهج مستوردة، وترجمت هذه الروح على أرض الواقع في أنشطار حاد بين قوى تقليدية وحداثية في كل بلدان الربيع العربي، وكتابات لا حصر لها صدرت من “هنا” لا تختلف نتائجها عن الاستشراق كما قرأه ادوارد سعيد، تؤكد أن العربي هو ذلك الإنسان الجريح والمهزوم دوماً، والأهم أنشطار النخبة الحداثية نفسها بين شيوخ يمتلكون المناهج والأدوات المعرفية ويتوجهون بالزمن كيفما شاءوا وشباب لا يسمح لهم تكوينهم أو مناخ عصرهم أو طبيعتهم العمرية بالانخراط في الزمن نفسه، وفي خارج المشهد مجتمعات ربما تكون هي المرة الأولى في التاريخ التي تجد فيها نفسها معزولة عن نخبتها بعد ما تخلفت هذه الأخيرة بثقافتها عنها، وهي مجتمعات لا تنتمي قضاياها الحقيقية لكل ما هو مطروح في الساحة . الطبعة الرابعة من ثقافتنا سبقت الربيع العربي بسنوات قليلة، وتميزت بالصمت حتى عن جلد الذات، فقدت الاتجاهات بين استباقها لمجتمعاتها أو حتى لهاثها خلفها، فالخطاب الفكري كان قد وصل إلى طريق مسدود بعدما قال كل شيء، ومستفيداً من ازمة ثقافية عالمية ومن انشغال الساحة بأزمات طاحنة في شتى حقول الإبداع ونشأة ذائقة جديدة تعتمد على المعلومات والأرقام انطلقت مع التقارير المعرفية التي كشفت عن وضعنا المأساوي في معدلات إنتاج الكتب والترجمة ونسب القراءة والإقبال على شراء الكتاب . هل نحن على اعتاب طبعة خامسة من الثقافة تواكب الربيع العربي؟ سؤال تؤكد الكثير من المؤشرات أن محاولة الإجابة عنه ستكون سلبية، فالثورة، أيه ثورة، وبغض النظر عن الموقف منها إلا أن الثقافة المصاحبة لها لابد أن تشيع مناخاً من التفاؤل بمستقبل أفضل مصحوباً بمسحة رومانسية على الأقل بين المؤمنين بها وفي النهاية تكسب أتباعها القدرة على الحلم حتى لو فشلت، والمتابع لما يحدث لا يعثر على هذه المفردات، لقد وجدنا في الحالة المصرية مثلاً الشك والتربص بين الفرقاء والغرق في محاكمة الماضي بوقائعه كافة، على مدار عام ونصف لم يخرج علينا أحدهم بمشروع نهضوي متكامل لبلد بحجم مصر، هل يعقل أن يكون أقصى طموحات بعضهم بناء مدينة علمية أو تأسيس مشفى للأطفال؟ هو حصاد مر لا يبشر بثقافة مسؤولة عن مجتمعها أو حتى قادرة على إصلاح أحوالها الذاتية .
|

إضافة تعليق