الأدب في مختبر النقد

لعله من الواضح، تماماً، أن النقد الأدبي قد حقق إنجازات مهمة، في مختلف مراحل تطوره، خلال العقود الماضية، إلى أن بلغ تلك المرحلة التي بات يستفيد خلالها من المدارس النقدية التي تم تفعيلها في الغرب، على ضوء الأشواط التي قطعتها علوم اللسانيات، خصوصاً مع النظريات السيمائية والبنيوية، ما منح الناقد الحذق، الحريص على تطوير أدواته، التفاعل مع مجمل الإنجازات الجديدة، من أجل نقد أدبي، في مستوى الطموح .

وبدهي، أن في عالم النقد الأدبي، نفسه، ثمة اختصاصات متعددة، كما هو حال الأجناس الأدبية ذاتها، إذ هناك نقد الرواية، ونقد القصة، ونقد الشعر، ونقد المسرح، وإن كان هناك خيطٌ مشيميَ جامعٌ، بين أنواع النقد المشار إليها، جميعها، إضافة إلى علاقتها بأنواع إبداعات وفنون أخرى، مثل: التشكيل والموسيقا والرقص . .إلخ، إذ تتبادل جميها التأثر والتأثير، وهو ما وضعنا أمام حالة نقدية، متطورة الأدوات، تلامس المادة الإبداعية، بل تتوغل في صميمها، لائبة على تشريحه في المختبر النقدي الخاص، إذا توافر ذلك الناقد المتمكن من أدواته، والممتلك للذائقة، والثقافة، والخبرة، الأمر الذي دعا كثيرين إلى الإقرار بأن النص النقدي، يرتفع إلى مستوى النص الإبداعي، وهو خلق ثان له، وإن كانت الصنعة، تسم المعالجة النقدية، ولا فكاك للنقد منها البتة .

وحاجة الأديب كاتباً كان، أم شاعراً، إلى إضاءات الناقد الماهر تبدو جلية، ليس في مستهل تجربته الإبداعية وحدها، وإنما على امتداد شريط عطائه الإبداعي، إذ لا مناص له، من الرأي النقدي، في ما ينتجه، كي يتقرى ملامح نصه، ويكتشف بوساطة غوصه، في ثنايا النص، مركز توتره، ومكامن إخفاقاته، إلى جانب وجود أو عدم وجود زوائد واستطالات وحشو لغوي، بل دراسة اللغة لديه، باعتبارها العمود الفقري لأية مدونة إبداعية، ناهيك عن اختبار الخيال، والبنيتين الفنية والدلالية، واستقصاء بؤرة الإدهاش، ودواعي الجذب، وغير ذلك الكثير .

وإذا كان التزاوج بين المدارس النقدية، يعدّ عامل ثراء لدى الناقد، ويعين نصه الموازي للنص الإبداعي، أن يحيط بما فيه من إضاءات، وشوائب، أثناء ممارسة مبضعه عملية التشريح، وهو لا يتم إلا بعد تمكنه من الإمساك بتلابيب النص، وتتبع نبضه، وهو يصنع حياته الخاصة، وسماته، فإن مثل هذا التزاوج قد يتحول إلى وبال، إذا لم يكن نتيجة فهم واصطفاء من قبل الناقد النبيه، وهو يأخذ ما يلزم رؤيته، ويعينه على الارتقاء إلى اللحظة الإبداعية للنص، وسبر أعماقه، من خلال الاهتداء إلى مفتاح النص، غير المستنسخ مع سواه، لأن من شأن فوضى المصطلحات، أن تؤدي إلى زحزحة الرؤية النافذة إلى عمق النص، وكأنه مواز أو منتج لفوضى المعيار التي تؤدي إلى هلاك النصين المتوازيين، في آن واحد، بما يؤدي إلى فعل عكسي، ليتحول النقد من عامل استنهاضي إلى عامل إعاقي هدام .

وللنص الأدبي، ثمّة هيبة كبرى، أثناء التناول النقدي، حيث إن من شروط الناقد الفطن أن يكون خبيراً بشأن المجال الإبداعي الذي يندرج النص في فضائه، ولا يمكن تطويع هذا النص إلا عبر اكتمال جملة أمور في ذات الناقد منها:فهم النص، وكيفية بنائه، ودلالاته، وموقعه في خريطة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه، بل موقع النص في تجربة مبدعه، لاسيما عندما يكون تناول هذا النص جزءاً من دراسة حول تجربة صاحبه، عموماً، بيد أن النص ليسلس بين يدي الناقد، عندما يتوافر العاملان الذاتي والموضوعي، وهما ينوسان-عادة- بين ذات الناقد والنص .

إن توافر شرطي الثقافة والخبرة لدى الناقد، يبعده عن إطلاق الأحكام الارتجالية على النص، حيث ثمة شكوى دائمة من قبل بعض الأدباء، باعتماد الناقد على “الكاتلوغ” النقدي، لدرجة أن لسان حال هؤلاء هو أن هذا الأنموذج من النقد عام، ومعمّى، ويمكن أن يصلح لكي يتم استبدال اسم هذا الشاعر بذاك، أو هذا الروائي أو القاص بغيرهما، من دون أن يحدث أي تبدل .

وإذا كان النص الأدبي في حاجة مطردة إلى نظيره النقدي، الذي يؤسس عليه، ويولد، على اعتبار كل نص إبداعي يفرز نصه النقدي، وهو ما يلغي فكرة الاستنساخ النقدي، فإن ملامسة النص الإبداعي، تكمن في فهم خصوصيتي: النص الأدبي ونقده، وارتكاز وانطلاق الثاني من الأول، وكشف جمالياته، ورؤاه، وآفاقه، في الوقت الذي يتطور هو نفسه من خلال ما يحرزه الأدب من نجاحات .     

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.