هل انتهى تأثير الأدب في اللغة العربية؟

ظل الأدب دائماً العامل الأساسي في رفد اللغة العربية بجماليات ترتقي بها وتنعكس لاحقاً في حقول ثقافية أخرى مثل الأغنية والسينما، حقيقة يؤكدها تاريخ الثقافة العربية خلال القرن الماضي والذي شهدت عقوده الستة الأولى تيارات أدبية كانت تحفر طريقها عبر آليتين: الأولى ترتكز على التجريب في الشكل الأدبي وفي الدخول إلى فضاءاته المتعددة، والثانية الاهتمام بإكساب اللغة الفصحى جماليات البساطة مع الاحتفاظ بجزالة الأسلوب وفخامته . ومنذ فترة قصيرة بدأت انتقادات عدة توجّه إلى لغة الأدب نفسها، بل ذهب البعض إلى أنها لم تعد تؤثر بأي شكل في اللغة العربية، وربما تنعكس عليها بالسلب .
يؤكد الناقد د . صلاح فضل “الأدب في كل العصور كان دائماً هو المنوط به إثراء اللغة وإثراء متخيلها وتنمية كفاءتها التعبيرية سواء كانت نثراً أو شعراً، وبتعدد الأجناس الأدبية في العصر الحديث “من رواية وقصة ومسرح” وأشكال حديثة مرتبطة بتطور الصورة، وأخرى مرتبطة بالتقنيات الرقمية” . ويضيف: “كل هذا يزيد بالضرورة من طاقة اللغة وكفاءتها في التعبير ومستوى شعريتها، ودرجة إنضاجها للتقنيات التعبيرية والفنية، إلى جانب انتشار التعليم وشيوع الصحافة المقروءة والوسائل المرئية كالتلفزيون، ما يضاعف مئات المرات من إمكانات النمو اللغوي والتنمية المعجمية، إلى جانب عامل آخر بالغ الأهمية في العصر الحديث، وهو كثافة التواصل البشري بين الثقافات واللغات المختلفة، فكل كتاب جديد فلسفي أو أدبي أو تواصلي عادي يصدر يضيف بالتالي إلى ثروة اللغة العربية” .
ويرفض د . صلاح فضل الانطباع الشائع مؤخراً لدى البعض بأن اللغة العربية تتقلص وتتدهور وتنسحب من الحياة العامة، مؤكداً “أن هذا عكس الحقيقة تماما ” فاللغة العربية كما يقول: “كانت دائما لغة كتابة وقراءة “أقصد اللغة الفصحى”، وليست خطاباً شفوياً، وهي اليوم في جزء كبير منها عبر وسائل الإعلام تتحول إلى خطاب شفوي، وهذا يحسب لها، فعندما تصبح الإذاعة ناطقة بالفصحى، وكذلك التلفزيون في جزء كبير من خطابه، بينما كنا نرى قديما أن من كانوا يحتكرون النطق بالفصحى هم خطباء المساجد وقلة من المتحدثين في الحفلات أو المناسبات العامة، أما الآن فحظ الفصحى تضاعف مئات المرات، وتضاعف أيضاً من خلال الكتب المنشورة والمؤلفة حديثاً” .
ويتفق مع هذه الرؤية الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة قائلاً: “الأدب بأنواعه المختلفة سواء كان شعراً أو قصة أو رواية أو مسرحاً أو نقداً أدبياً أو أدب أطفال أو أدب رحلات، كل هذه الأنواع من أهم مصادر إحياء اللغة العربية، فهي تغذي اللغة بالأساليب البلاغية والجمالية، وهي الرافد الأساسي لتطور ونشأة اللهجات العليا، بمعنى أن الأدب هو الذي أنشأ اللغات الأجنبية فالكوميديا الإلهية كانت السبب في رواج اللغة اللاتينية” .
ويرى أبو سنة “المشكلة الآن في التواصل مع اللغة الأدبية ترجع إلى ضعف التعليم اللغوي في المدارس والجامعات، حيث تم إهمال اللغة بشكل لافت وتم كذلك تجاهل النصوص الأدبية الرفيعة والحديثة، وفي مقدمتها الشعر الذي يؤكد أبو سنة أن قراءته تساعد على تطوير اللغة، لأنه يستخدم اللغة من خلال ثلاثة أبعاد مركبة وأولها البعد الجمالي، فلغة الشعر هي لغة الاستعارة والكناية والجناس والطباق، وثانيها من وجهة نظره أن لغة الشعر هي لغة تاريخية بمعنى أنها امتصاص لرحيق هذه اللغة عبر عصور مختلفة، لكن الأهم من ذلك هو البعد الثالث، وهو لغة الإبداع والتطور والحداثة والدهشة والإضافة، فالشعر الحقيقي يعمل على تدوير اللغة من خلال استحداث مفردات جديدة من المفردات القديمة” .
نمو اللغة
ويشير الشاعر فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية إلى أن إحدى أهم خصائص نمو اللغة في المجتمع هي التواصل، ومن أدوات الاتصال الحديثة الإذاعة المسموعة، والتي أصبحت لا تهتم بالبرامج الثقافية مثلما كان يحدث في الماضي .
ويضيف شوشة قائلا: “لن تصدق أن هناك بعض الخدمات الإذاعية تخلو من برامج عن الشعر، فالشبكة الرئيسة في الإذاعة المصرية ليس بها سوى برنامج واحد وهو “لغتنا الجميلة”، فلا بد من وجود نافذة للشعر المعاصر وللأدب الحديث، يقدم من خلالها المبدعون أعمالهم، نريد برامج ترتبط بالواقع الثقافي والفكري والإنساني” .
ويتفق شوشة مع الآراء السابقة التي ترجع ضعف اللغة في المجتمع إلى ضعف التعليم اللغوي في المدارس والجامعات، حيث نرى الأجيال الجديدة على حد تعبيره عندها حالة من ازدراء اللغة العربية، بينما تقبل على تعلم اللغات الأجنبية .
بينما يضيف إلى ما سبق سبباً آخر وهو هبوط مستوى الثقافة، واحتلالها مساحة هامشية من اهتمامات المواطن العادي، حيث ينظر إليها البعض على أنها ترف ونوع من الترفيه .
أما الكاتب المسرحي محمد أبو العلا السلاموني فيؤكد أن الأدب هو المحور الأساسي للثقافة العربية عبر تاريخها، “فثقافتنا ثقافة لغوية قولية، وقد كان الشعر سائداً في العصر القديم، لأن اللغة هي التي فرضت وجود الشعر، حتى في الزجل والنوادر كان الاعتماد الأساسي على اللغة، لما فيها من ألوان بديعية كالجناس والطباق وغيرهما” .
إلا أن أبو العلا يرى أن الثقافة العربية افتقدت إلى عنصر جماهيري مهم، وهو أنها لم تكن في بدايتها “ثقافة عرض” بمعنى أنها لم تعرف المسرح إلا في عصور حديثة ويقول: “لقد افتقدنا هذا العنصر لأسباب عدة من أهمها: أن المثقفين قديما لم يهتموا بفكرة الغرض بخلاف التراث اليوناني الذي نجد فيه “أرسطو” مهتما بثقافة العرض ويكتب عن المسرح ومؤلفيه” .
أما في الوطن العربي القديم فقد نظرت النخبة لمحاولات البعض في ثقافة العرض “على أنها ثقافة الدهماء والعامة”، وهذا ما حدث مع “ابن دانيال”، صاحب خيال الظل، وهو أول من حاول إدخال هذا الجانب في الثقافة العربية، لأنه امتلك ثقافة اللغة بحكم نشأته وثقافة العرض أيضاً ومع ذلك قوبلت محاولاته بالازدراء ولم تتكرر كثيراً في الأجيال التالية .
ويوضح السلاموني أن المستقبل الآن في العالم لما اسماه “بثقافة العرض” فهي أكثر انتشاراً بحكم الميديا من تلفزيون وسينما ومسرح وفنون العرض المختلفة، وهي وسائل تساعد على انتشار اللغة أيضاً، وهذا كما يراه اتجاه عالمي، فلم تعد اللغة هي الثقافة الوحيدة .
ويضيف السلاموني: “نتيجة للظروف العصرية لم يعد هناك اهتمام باللغة الفصحى، فقد بدأ ينصرف الاهتمام إلى الثقافة الشعبية وبشكل أكثر إلى شعراء العامية، الذي انتشرت أسماؤهم بداية من عبدالله النديم، مرورا ببيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، وصولاً إلى الأجيال الجديدة .
ويضيف السلاموني: “المسرح كذلك أضاف للغة العربية بداية من مسرح أحمد شوقي الذي أدخل الأدب التمثيلي إلى الشعر، وكان أول من التفت إلى أهمية ثقافة العرض الشعري في الوطن العربي، وتبعه بعد ذلك جيل من الرواد أمثال عزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور الذين على ما أعتقد وسعوا من جماليات اللغة الفصحى” .
ويرى السلاموني ضرورة تدريس الأدب الحديث بالفصحى داخل المدارس والجامعات، وكذلك تدريس اللغة العامية باعتباره أحد الروافد المهمة في إثراء الهوية الوطنية، فصلاح جاهين، وبيرم التونسي، وفؤاد حداد مثلاً في أشعارهم قيم لغوية عالمية المستوى قد تصل إلى قيمة الفصحى وتعلوها أحياناً .
في حين يختلف الشاعر محمد سليمان مع من يقولون بتراجع اللغة في الوقت الراهن، معتبراً اللغة العربية كائناً حياً، والمبدع الحقيقي هو القادر على نحت ألفاظه وعباراته ويعطيها خصوصيتها، ليخرج علينا بجمل جديدة قد يراها البعض مستغربة في وقتها لكنها بعد سنوات تستقر في متن اللغة .
يستشهد سليمان بتجربة جيل السبعينيات في الشعر المصري، الذين استخدموا أفعالاً من أشياء غير عربية مثل الكهرباء والتلفزيون، فقالوا تكهرب وتتلفز وغيرها، وبعد مرور السنوات أقر مجمع اللغة العربية نفسه هذه الاشتقاقات، ودخلت كإضافات في متن اللغة .
ويضيف قائلا: “دائماً ما نجد فجوة في استعمال اللغة فهناك مفردات تخرج من اللغة العربية الأصلية تصبح بعد ذلك قليلة الاستعمال، وهناك مفردات ترغمنا الحياة الحديثة على اشتقاقها من اللغة، والمجمع اللغوي اشتق أسماء أخرى، وتم استعمالها رغم مرجعيتها الأجنبية، فاللغة دائما مرشحة للتغيير” .
وعن الأساليب الأدبية ودورها في تنمية اللغة يقول سليمان: “الأسلوب هو الفيصل فالذي يفرق هو تقنيات الكتابة، فعندما يكون الشاعر ناجحاً فعليه أن يشكل لنفسه وجهاً، وتشكيل الوجه الخاص للأديب يرجع إلى ابتكاره لعلاقة جديدة بين الألفاظ، ما يولد معاني جديدة ومبتكرة، والتميز يأتي من خلال القدرة على التكثيف أو كما قال ماركيز “تقاس قيمة الكاتب وقدرته في حجم ما يحذفه لا ما ينشره” .
وقال عضو هيئة تدريس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة البتراء الشاعر والإعلامي الأردني خالد الجبر: لاشك في أن هناك تراجعاً ملموساً في إثراء لغة الأدب المعاصر اللغة العربية والإضافة إليها خلال العقود الأخيرة بعدما كانت تشكل رافداً ايجابياً انعكس على الصحافة والأغنية والسينما والدراما التلفزيونية، ومختلف صنوف التربية والتفاعل والفنون .
لقد اتضح هذا الانكماش جليا في الشعر بالذات خصوصا منذ أواسط خمسينات القرن الماضي وحتى الآن حيث خرج عن ذوق اللغة العربية في القصيدة سواء عبر الوضوح الفج والسطحي في استخدام الألفاظ أوالغموض غير الشفيف والمتناقض مع فتح آفاق جديدة على اللغة وطريقة التعامل مع كنوزها، وإبداع نسج الصور الجمالية والمحسنات اللغوية واستحداث مدلولات غير ظاهرة، والتنقيب عن جوانب غير مطروقة أو إعادة “توليفها” وفق صيغ شائقة تنسحب على تفتق وعي وفكر المتلقي في علاقته مع اللغة .
ويضيف الجبر: إن ذلك التأثير الإيجابي الواضح للغة الأدب في اللغة العربية خلال العقود الستة الأولى من القرن الماضي، وربما قبل ذلك بقليل ناتج عن ارتباط المرحلة بالنهوض العربي وازدهار حركات التنوير من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومحاولة مساوقة الأحداث ومعالجة ما طرأ من أزمات ومجابهة الإحباطات بين حين وآخر عبر الاستنهاض الأدبي الباحث عن مداخل لغوية مواكبة كانت مثل أقوال بارزة ومهمة ظلت شعارات مستمرة طويلا حتى إبان النكبة ثم النكسة وما بينهما .
لقد تحول التأثر الناجع بنماذج أدبية غربية محددة إلى تأثير وادع طغى على أشياء كثيرة مع دخول العولمة وانعكاس مفرداتها وما تحمله من مخاطر على أوجه التعبير المتفاوتة بما فيها الأدب ووجدنا أنفسنا في نفق مظلم لم نستطع الخروج منه حتى الآن، وقد استسلم قسم من الجيل المعاصر الذي ظهر وسط هذه المعطيات للشروط المستحدثة غير المفروضة أحيانا وإنما السائدة دائما وتفاوتت أشكال ذلك في النتاجات التي تحمل مسمى “أدبية” وهي بعيدة في لغتها وإيقاعها لاسيما في ظل رحيل كبار أمثال درويش والجواهري والبياتي والحيدري وغيرهم من قامات وصلت إلى العالمية عبر التمسك بالعربية في مجالات متنوعة، ومحاولة إغلاق ملفات تمتعت بالأصالة إزاء متطلبات “هشة” تبدو مجارية للواقع بأداء ركيك .
إن ظاهرة مقحمة أطلت برأسها سندها “فرقعات” تلهث خلف موضوعات الجنس المبتذل و”المقزز” وزعم الجرأة في استخدام الأوصاف والكلمات من دون مراعاة اللغة و الأدب وقد نجت قلة قليلة من هذا التمادي فيما يردد المنساقون تبريرات واهية خلاصتها ضرورة مجاراة متطلبات موضوعات المرحلة على حساب الجانب الفني بما فيه اللغة .
ويكمل الجبر “لقد أسهم بعض من يحسبون على المجال الأدبي في تدني الذائقة اللغوية وتجاوزوا المحافظة على أبسط أساسات التعامل مع اللغة للأسف توقا إلى شهرة ونجومية يدعون أنها ناتجة عن ملامسة أفكار شعبية هي منهم براء، وقال الروائي الأردني هزاع البراري “الأصل في الأدب خدمة وحماية اللغة العربية والبحث عن أوجه جمالية وإبداعية” معتبراً أنهما في هذا النطاق مثل كائن واحد ينقسم إلى روح وجسد يتأثران معا بمجرد تعرض أحدهما إلى اختلال .
وقال: بدأت ملامح لغة الأدب “تتذبذب” انسياقاً مع واقع سياسي واقتصادي واجتماعي متراجع وتجلت بصورة أوضح مع ظهور وسائل اتصال منافسة أصبحت أكثر شيوعاً صوب إطلاق نوع جديد معاصر من الأدب له لغته وجمهوره وقنوات اتصاله ربما بعيدا عن أنماط تقليدية أكثر اتزانا وثراء” .
ويضيف البراري: إن “أدب الإنترنت” أصبح بديلاً لجيل جديد من الشعراء والروائيين والمبدعين وفق أنماط مختصرة ومكثفة في التعامل مع اللغة من دون تعمق وإسهاب أحياناً وارتكازا على لهجات “محكية” سريعة الوصول تارة أخرى، لقد اعتمد هؤلاء لغة بسيطة متخففة” تناسب طريقة حياتهم وايقاعهم مع محاولات صائبة وأخرى أخفقت في تفادي الإخلال بالنصوص .
وأردف البراري: “نحن لا نريد الجمود عند نطاق تقليدي عتيق لكن يجب علينا عدم التخلي عن إبداع يدعم اللغة العربية ولا يتحول إلى عبء، ولقد انعكس ذلك على الأعمال التاريخية التي سقطت بين خطأ تحولها إلى مشاهد جامدة تقترب من “تسميع الحوار عن ظهر قلب، وبين مغالطات تقديم لغتها للمتلقي بصورة منفرة تزيد فجوة الابتعاد عنها .
قال الأستاذ الجامعي والكاتب الموريتاني أحمد ولد نافع “بداية، أشكر الخليج الثقافي على دوره الرائد وموضوعاتها الجادة أسبوعياً .
وجواباً عن سؤالكم فمن المعلوم أن مفهوم الأدب، تطور معناه منذ ما قبل الإسلام من الدعوة إلى الطعام، إلى معنى سلوكي يتعلق بالتربية والأخلاق الكريمة، إلى دراسة العلوم الدينية من قرآن وسنة، وعلوم إنسانية كالتاريخ والفقه والشعر أغراضاً وأجناساً، وبغض النظر عن بعض تفاصيل دلالات مصطلح ما يوصف بالأدب، والأدب المعاصر تحديداً والهجرة التي سلكها حتى بات ينظر إليه كشكل من أشكال التعبير الإنساني عن الأفكار والمشاعر والأحاسيس، نثرا أو شعراً .
ومن هنا يمكن التنبيه إلى العلاقة العضوية بين اللغة والأدب عالمياً وعربياً .
ولغة أية أمة ذات علاقة بالمستوى الحضاري لها، واللغة العربية ذات خصوصية نادرة، فهي لغة القرآن الكريم الذي حفظها من التلاشي والذبول قروناً طويلة، ويؤكد الدارسون والباحثون في علم اللغة أن القاموس الذي تنهل منه اللغة العربية قد تضاءل أو كاد، باستثناء لغة القرآن التي شكلت معيناً لا تنقضي عجائبه إلى يوم الدين .
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وحين حدث الاحتكاك والتواصل بين العرب مع الحضارة الغربية الناهضة والمتطورة، بدأت عمليات التأثر بالآداب الحديثة، التي أسهمت في إثراء وتطوير الأدب العربي، ما أسهم في تجديد اللغة العربية وتحديثها، بعد أن خشي الكثيرون من عدم قدرة اللغة على التفاعل والاستجابة للتطورات المعاصرة المتعاظمة .
ولذلك قال الشاعر العربي المصري حافظ إبراهيم في قصيدته الشهيرة على لسان اللغة الباكية الشاكية المستغربة:
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات
ومثلما أشار السؤال، فإن العقود الستة الأولى من القرن الماضي شهدت نقلات نوعية مهمة في الأدب العربي بأجناسه وموضوعاته المختلفة، الشيء الذي أسهم على نحو إيجابي في دعم ورفد اللغة العربية، ولذلك فالمتصفح للصحافة العربية في الخمسينات والستينات مثلاً سيلاحظ ذلك، والشيء نفسه في اللغة الفصيحة التي تم توظيفها في الأغنية (مثل بعض أغنيات كوكب الشرق وغيرها)، كذلك امتد التأثير إلى لغة الفن السابع التي استفادت من الثراء الذي عرفته اللغة في ذلك الوقت .
أما لاحقاً، في نهاية السبعينات من القرن الماضي وبعد ذلك، وربما حتى الألفية الجديدة، فحدث تراجع في لغة الأدب العربي إلى درجة الابتذال والميوعة والركاكة، وهو ما أدى إلى سلبيات كثيرة عانتها اللغة العربية التي باتت تعيش في وضع أشبه بوضع عصور الانحطاط التي انحدرت فيها اللغة إلى هوة سحيقة من الضعف أهم سماته التكلف والابتذال والصنعة الرديئة والسطحية والتقليد الممجوج، وغير ذلك مما هو متداول ومعروف، فحين تكون اللغة الأدبية من عينة “ليك الواوا . .!”، فللمرء أن يتصور المستوى الذي انحدرت إليه اللغة العربية في عصر العولمة . .!” .
الشاعر الموريتاني حسني ولد شاش يعتبر أن مشكلة اللغة الأدبية في تفاقم مستمر منذ العقود الأخيرة، خاصة خلال هذا العقد، حيث انعكس انتشار وسائل الاتصال الحديثة، خاصة الهواتف المحمولة والإنترنت بشكل سلبي على مستوى لغة الأدب، وظهر أن الكثير من الكتاب والأدباء بات يهتم بتوصيل فكرته على حساب لغته وأسلوبه، وقد تجلى ذلك في عشرات الروايات وحتى الدواوين الشعرية، بينما أصبحت الخاطرة والمقالة أشبه بلغة الإشارة خالية من أي حرارة لغوية أدبية .
ويرى ولد شاش أن سباق الكتّاب مع الزمن والأحداث جعلهم يتخلون عن اللغة الأدبية، وقد أفقدهم ذلك واحدة من أهم وسائل الإيصال، وجعل أفكار الكتّاب تظهر في شكل أقرب إلى التقارير الإدارية الجافة، منها إلى أعمال أدبية تتوخى روعة اللغة وجمالياتها التي عرفها كبار أدباء العالم وكتابه .
ويشير ولد شاش إلى أن ذلك ربما كان عائداً إلى تدني المستوى اللغوي للأجيال الأدبية الجديدة، ذلك أن المناهج التربوية الحالية مناهج فقيرة لغوياً، كما أن المدارس اللغوية القديمة لم تعد موجودة غالباً، وهكذا نجد أغلب كتابنا يخطئون أخطاء فادحة لدى تحدثهم في وسائل الإعلام، حيث نكتشف بكل سهولة أن جل هؤلاء الكتّاب والأدباء لا صلة لهم بالمعرفة اللغوية، ومن هنا فإنه ليس باستطاعتهم إثراء هذه اللغة بلغة أدبية تشكل إضافة نوعية للأدب العربي .
ويعتبر الشاعر ولد شاش أن تناقص ما كان يسمى بشيوخ اللغة العربية، وبلادة المنهج اللغوي الأكاديمي لكليات الأدب، فاقم من تدهور لغة الأدب، وجعل بعض الأعمال الأدبية الرائعة فكرياً وإنسانياً تفقد الكثير من قيمتها وجمالياتها بسبب ضعفها اللغوي، وسرديتها التصفيفية (من صف الحروف) إن صح التعبير .
ويضيف، إننا نشهد انحسار اللغة الأدبية بشكل لافت سواء في المنتوج الأدبي أو الإعلامي أو السينمائي أو الغنائي، وفي جانب الخطابي السياسي والاجتماعي، وهو أمر نأمل أن يجد له معالجة جادة، لا تبدأ فحسب من المؤسسات والهيئات المختصة، وإنما أيضاً من وسائل الإعلام التي لا يخفى على أحد دورها في عالم اليوم وتأثيرها، فالخطاب الإعلامي، باستثناءات قليلة، خطاب خال من لغة الأدب، بل خطاب مملوء بالأخطاء اللغوية الفادحة فكيف يسهم بشكله وأسلوبه الحاليين في الرقي بلغة الأدب أو يشكل إضافة إليها؟
ويشير ولد شاش إلى أنه من المفارقة أن اللغة العربية التي تشهد انتشاراً ملحوظاً عالمياً، بسبب أحداث معروفة، وحيث أصبح بعض كبار جيوش العالم ملزم بوجود مراكز للترجمة والتعامل مع اللغة العربية نظراً لدورها في ظل صراع الحضارات والثقافات والمصالح، ومحاولة فهم تفكير مستخدمي هذه اللغة، فإنه من العجيب أن الكتّاب والأدباء العرب يهملون لغة الأدب إلى الدرجة السائدة حالياً في نصوصهم التي تجعل القارئ لا يميز كثيراً بين النصوص المترجمة وتلك الأصلية لرخاوة لغتها .
وقدّم الكاتب الموريتاني حنفي ولد دهاه هذه المداخلة: “لم يعد الأدباء العرب يولون أهمية للغة العربية الفصيحة، فبعد أن كان الأدب يخدم اللغة، ويمنحها أبهتها وقداستها، ويفتتن الأدباء في تطويع عصي اللغة وتدجين وحشيها، حتى صار الأدب وسيلة لتعلم مفردات اللغة العربية واستقراء قواعدها واستنباط أحكامها، فقد كان النحاة يستشهدون بالشعر حجة على صحة ما يقررونه من قواعد لغوية .
وحين اختلط العرب بالعجم إثر الفتوحات الإسلامية لم يعد الشعر حجة بسبب ما انتابه من دخيل اللغة “المولّدة”، إلا أن الجزالة اللغوية ظلت تطبع الأدب العربي، ويتنافس فيها المتنافسون، فقد ظلت الحلة اللفظية للمعاني أشبه بالفاتنة التي تخلب الألباب بشكلها وروحها، في حين كان الإبداع في المعاني والأفكار من غير لغة جزلة ومستقيمة أشبه بالفاتنة التي تكتسي ثيابا رثة .
وقد علت في بداية القرن الماضي صيحات تتهم العربية بالقصور عن مواكبة العصر، وتدعو لاعتماد اللغة العامية لغة أدب وإبداع، فوصل الأمر إلى درجة كتابة القصص والروايات بها، أو اتخاذها لغة الحوار في الروايات والقصص، إلا أن الأمر لم يحظ بقبول المتلقي العربي، الذي اعتبر في الأمر تحاملا على العربية، وقد وصل الأمر باللغوي الشهير تمام حسان أن قال “إن العربية بلغتها وبشعرها في قالبه الخليلي التقليدي هو تعويذة هذه الأمة الذي يحفظها ويصون بيضتها” مؤكدا “أنه كلما غيّرت الأمة في ذلك أصيبت في جسدها العربي، فحين استحدثوا الموشحات أصيبت الأمة في الأندلس، وحين كتبوا “شعر التفعيلة” أصيبت الأمة في فلسطين” .
ويضيف ولد دهاه “ظلت اللغة الجزلة بنجوة من المتآمرين عليها، لأن المتلقي ظل وفيا لها، عاضّاً عليها بنواجذه، فلم يخفت الألق الأدبي للجواهري مع إغرابه في اللغة، كما ظلت اللغة الأنيقة التي يكتب بها أبو ريشة ونزار محط إعجاب المتلقي، رغم بعض المآخذ اللغوية على نزار، والتي من بينها قوله:
إنا كسرنا كؤوس الحب من زمن
فكيف نبكي على كأس كسرناه
حيث اعتبر اللغويون أن تذكر الكأس تجاوز في قواعد اللغة العربية لا يليق بقامة نزار الأدبية .
في الآونة الأخيرة تراجع الأدب عن دوره في خدمة اللغة، وكذلك الأغنية والسينما، إلا أن هنالك استثناءات والاستثناء معيار العموم، حين يضيف الروائي يوسف زيدان برواياته” عزازيل والنبطي ومحال نفساً لغوياً رائعاً للساحة الأدبية، وكذلك شأن الروائية العراقية ، إنعام كجه جي في رائعتها “الحفيدة الأمريكية” التي كتبتها بلغة عربية قحة وبالغة الجزالة، هذا من دون إغفال الجزالة اللغوية التي درج عليها الطيب صالح في أساطيره الروائية .
إن الفقر اللغوي الذي يعاني منه الكتّاب العرب قد أضر كثيراً باللغة العربية، وقد جعل من الجزالة اللغوية مأخذا يأخذه النقاد أحيانا على الأديب، فيعتبرونه إغرابا، يصعب فهمه على المتلقي العادي، في حين أن في المسألة ما يسميه المناطقة ب”الدور” حيث إن الفقر اللغوي للأدباء والشعراء العرب المعاصرين هو السبب في الضعف اللغوي الذي يعانيه المتلقي العربي، ونحن مطالبون والحالة هذه بالإسفاف في اللغة الأدبية والثقافية حتى للمتلقي أيضاً أن يفهم .
وهنا استحضر جواب الشاعر الأموي أبي تمام حين سأله أحدهم: مالك لا تقول ما يفهم؟ فأجابه: وما لك لا تفهم ما يُقال؟”

إضافة تعليق