هل الثقافة موضة؟

سؤال ربما يراه البعض بسيطاً أو ساذجاً أو حتى فجّاً، ولكنه يكتسب وجاهته بل أهميته عندما نتابع سيل الإصدارات الجديدة في حقول عدة أبرزها الرواية، والرواية النسوية تحديداً، إضافة إلى الترجمات التي نشاهدها تتزايد يومياً في المحال المخصصة لبيع الكتب، و”الموضة” ليست في هذه الإصدارات وحسب ولكن في قضايا ومقولات لا تلبث أن تثير ضجيجاً ثم تختفي، والأخطر أن هذا الضجيج كثيراً ما يشكل توجهاً ما، نكتشف في ما بعد وعند مراجعته بهدوء، تضمنه الكثير من أوجه الضعف أو القصور .
لا يمكنك وأنت تتجول لمطالعة العناوين الجديدة إلا أن تلاحظ هذا الكم اللافت من روايات لنساء من أقطار الوطن العربي كافة، ظاهرة تحتاج إلى دراسة خاصة، ظاهرة دعمتها منذ سنوات مقولة “زمن الرواية” ونقاد تحدثوا باستفاضة عن “الحكي الشهرزادي” وانتشار واضح لترجمات لروايات نسوية عدة يأتي في مقدمتها التشيلية إيزابيل الليندي، ورواج غير مسبوق لكتابات الجزائرية أحلام مستغانمي، عوامل أسست خلفية المشهد الروائي النسوي الراهن الذي دعم بآراء فكرية مؤيدة لحقوق المرأة، وحيث رسخ البعض لنظرة مؤداها أن هذا النتاج يؤكد هذه الحقوق، وأصبح من يقترب من هذا البناء هو بالضرورة تقليدي أو رجعي .
وبعد فترة رفض البعض تقسيم الأدب على أساس الجنس، وهو رفض انطلق من تراجع زخم العوامل السابقة أيضاً، حيث خفتت حدة مقولة “زمن الرواية”، واكتشفنا أن هناك كتابات نسوية تخرج على معايير نسق الليندي مثل البلجيكية إميلي نوثومب والألمانية هيرتا موللر، وأن المرأة باستطاعتها صياغة بناء سردي يناقش قضايا تختلف جذرياً عن ذائقة “الحكي الشهرزادي” بمواصفاته التي حددها الكثير من المتابعين والمحللين، وحيث لم يسأل هؤلاء أنفسهم: وماذا عن علاقة المرأة بالشعر والفلسفة والتشكيل ومختلف الحقول الثقافية الأخرى؟ . . إن السكوت عن هذا السؤال هو سلب لحقوق المرأة المبدعة في هذه الحقول ينطلق من رؤية لا يمكن وصفها إلا بالتمييز تجاه النساء، والأهم من ذلك وبعد خفوت الضجيج عن “الحكي الشهرزادي” كيف نقيّم بهدوء كل هذه الروايات التي أنتجت وفقاً لمعايير “الموضة”؟
حين سأل طه حسين المستشرق الروسي فلاديمير كراستوفسكي عن رأيه في ترجمات السوري سامي الدروبي لأعمال ديستويفسكي أجاب “لو أن ديستويفسكي كتب بالعربية لما كتب أجمل من ذلك”، إجابة تحيلنا إلى راهن سؤال الترجمة الإشكالي الذي يعاني بدوره مناخ “الموضة” الذي نعيشه، باستثناء إصدارات مشروع “كلمة” في أبوظبي والمجلس الأعلى للثقافة في مصر وقليل من الترجمات هنا وهناك، وأسماء لمترجمين لا تتجاوز أعدادهم أصابع اليدين، فالقارىء مواجه دائماً بعسر الترجمة أو على الأصح عسر التلقي، خاصة إذا ابتعدنا عن الأدب والقصة، والسرد، فالعلوم الإنسانية تحتاج ترجمتها إلى أسس ثقافية يبدو أنها مفتقدة في الأطراف الثلاثة: القائمون على الترجمة، المترجم، والقارئ، الطرف الأول تغيب عنه الرؤية الحاكمة للترجمة ككل التي تنطلق من سؤال شديد الأهمية لم يلتفت إليه أحد وهو: هل نترجم لنقرأ ونفهم ونؤسس للمقبل، أو نترجم لمحاولة فهم ما نقرأه؟ . . هل نترجم للقارىء للمتخصص الدارس الذي هو ليس في حاجة ملحة إلى الترجمة؟ . . الأمر الذي دفعنا كثيراً إلى إعادة ترجمة بعض الكتب مرة أخرى والأمثلة أكثر من أن تذكر هنا، أما المترجم فهو يواجه إشكالية كامنة في سؤال: هل هو مطالب بنقل ثقافة إلى ثقافة أخرى، أو نقل ما تحتاج إليه ثقافته هو من الآخرين؟ . . وكيف يقرب النص الأصلي إلى ثقافة مختلفة مع الحفاظ بقدر الإمكان على الأمانة في النقل؟ . . أما القارئ فهو يقع ضحية عدم الدربة في الاختيار بين الترجمات المختلفة .
إن تأمل الأطراف الثلاثة في مسألة الترجمة يكشف لنا عن سياق ثقافي يتكامل فيه البعد المؤسسي المحكوم باستراتيجية غير ناضجة لفعل الترجمة، إضافة إلى ثقافة لم تنتج شيئاً ذا أهمية منذ عقود في حقول العلوم الإنسانية بحيث تعاني عدم القدرة على استيعاب المفاهيم والمقولات الجديدة، فكيف نترجم كتاباً في الفلسفة ونحن لا نمارس التفلسف؟ . . وكيف يضبط المترجم مصطلحاته وهي تعاني فوضى واضحة في تعاملنا معها وعلى المستويات كافة التأليفية والإعلامية . . . إلخ؟ . . وأين هو القارئ العادي المدرب على التمييز بين الترجمات المختلفة؟، هذا إذا تخيلنا وجوده أصلاً، أما إذا اقتربنا من ترجمات العلوم التطبيقية مثل ترجمة كتاب “خفيف” عن الفيزياء أو الكون أو الكيمياء فسنصاب بغصة في الحلق .
السرد حاله أهون، فعندما تقرأ الرواية أو المجموعة القصصية ستفهم ما تطالعه، وإن كنت في كثير من الحالات لن تستمتع بلغة أدبية تحرك شيئاً ما في داخلك، وعندما تكمل تجوالك بين رفوف الكتب متنقلاً من روايات نسوية إلى القسم المخصص للترجمات، ستجد الرواية أيضاً حاضرة بقوة، وما يحول الغصة إلى مرارة تلك الإصدارات غير المعنية بإعطاء القارئ أية خلفية معرفية عن الرواية المترجمة: عن المؤلف أو تاريخ الصدور، وهل يوجد لها ترجمة أخرى؟ . . إلخ، وربما يدهشك تلك الأغلفة المزودة ب”إعلانات” تتعامل مع الكتاب كأية سلعة تجارية، وتجذب المشتري من خلال جمل وعبارات تحاول إثارة معرفته/ مداعبة جهله، لا فرق، فالترجمة كذلك ابنة “الموضة” .
إن إشكالية “الموضة” تكمن في الصعود بجنس أدبي وإسكات جنس آخر، الرواية في مقابل القصة، وهي سريعة متغيرة لاهثة تبحث عن الجديد حتى ولو على حساب قديم تجذر في التربة، الشعر، أو حديث لم نستوعبه بعد، القصة القصيرة، فمع الزخم الحياتي والانشغالات اليومية لم نسكت القصة وحسب، ولكننا احتفينا بالقصة القصيرة جداً، لم يعد لدينا وقت للقراءة وأصبحنا نفكر المرة تلو المرة قبل الإقدام على مطالعة قصة جادة أو رواية ضخمة، فهناك رغبة في إخراج الفكرة في أي شكل أدبي ومهمة “الموضة” هنا الشرعنة لهذا الشكل . افتقدنا التأسيس لكتابة/ قراءة ذات نفس عميق أو طويل، “الموضة” لا تحتمل دأب إعمال الرأس ومن هنا عطالتنا الفكرية، لا تصبر على البحث والتمحيص، لا تمارس الفرز، فالكل جيد وللجميع الحق في النشر والتعبير، تحت بند الحرية، أو دعوى أن الأفضل سيفرض وجوده حتماً، وأثبتت سنوات من “الموضة” فشل هذه الرؤية، فالحرية تحولت إلى “مكلمة” والأسوأ يحتلّ واجهة المشهد .
“الموضة” متلونة باستمرار لم تستفد من غياب النقد لترسّخ لنفسها على الأرض وحسب ولكنها روجت لهذا الغياب أيضاً، فمن المسلمات الآن في أي حوار مع روائي أو قاص، شاعر أو مسرحي، منظّر أو حتى ناقد، الإلقاء بالتراجع الثقافي على عاتق النقد وحده .
“الموضة” تعاملت مع الثقافة بوصفها لعبة رياضية، فهناك في إحدى زوايا المشهد المثقف النجم، وهو في الأغلب روائي، وفي زاوية أخرى من يكتب القصة القصيرة جداً استعداداً لكتابة القصة ومن ثم الرواية، إحماء فتسخين فدخول الملعب، وهي خطوات لم يعد البعض يتورع عن الحديث علانية عنها، وهناك المحترف البارز في الملعب أيضاً، من يكتب الشعر العمودي وينظر إلى شعراء قصيدة النثر كبدلاء لا يعرفون شيئاً عن الوزن والتفعيلة وربما قواعد اللغة العربية، ومن يتحدث عن المؤسسات الثقافية كالأندية الرياضية مهمتها اكتشاف الموهبة ورعايتها والترويج لها .
“الموضة” في أسوأ تجلياتها نتلمسها في حديث يدور في أيامنا هذه عن علاقة الثقافة بأحداث “الربيع العربي”، نلمحها في توقعات أو تحليلات هي أقرب إلى الأمنيات التي لم تترجم على الأرض، فهناك من يملأ الدنيا ضجيجاً عن ثقافة عصر الصورة بلغة هي إلى الأذن أقرب، لا تحاور العين ولا تستطيع قراءة أبعاد الحدث الثوري بصرياً، ومن ينظر للأدب الأنترنتي من دون إمكانية الخروج بأيه قواعد حاكمة له، ومن يدعي الاهتمام بالشباب من خلال أحاديث عن قصيدة “الموبايل”، أو “التغرودة” بوصفهما يقعان على تخوم السرد، ومن يطالب بدستور للمثقفين تدعمه المؤسسات والأنظمة والجمهور، والوسط الثقافي نفسه يعاني الشللية والتشرذم وصعود أنصاف المواهب، ومن ينادي بمزيد من الحريات وكتاباته توكيدية وأحياناً إقصائية متوترة تجاه الآخرين .
إن القدرة على التنظير للحدث فكرياً واجتماعياً والبحث عن آفاق جديدة للكتابة والاعتراف بأن الثقافة العربية وصلت بالفعل إلى طريق مسدود منذ سنوات عديدة سابقة للربيع العربي، كلها أمور تنتمي إلى الثقافة الجادة وتخدم التغيير الذي تشهده أقطار عربية عدة، ومحكومة بقدرتنا على التخلص من ثقافة “الموضة” .

إضافة تعليق