سلطة الناشر و الأدب الضائع

يبدو أن عملية الرفض تشكل جزءً أساسياً من الحياة المهنية للكتاب، و هذا الجزء غالباً ما يأخذ شكلاً درامياً يسم إنتاج الكاتب و حياته المهنية في المستقبل.

و في بعض الحالات يكون الرفض متكرراً بحيث يشكل للكاتب كابوساً دائماً يلقي بظلال شؤمه على فصول الحياة الأدبية للكاتب دون أن يكون هناك منطق واضح لتكرر الرفض. و دائماً هناك ذلك الشك و الريبة حول ما إذا كان رفض مخطوطة لعمل أدبي من قبل ناشر معروف أو من قبل مجلة أدبية يشكل حقاً معياراً للقيمة الفنية للمخطوطة المرفوضة أو لموهبة كاتبها! لقد كتب جورج برناردشو أربع روايات رفضت كلها من قبل الناشرين الذين طلب أحدهم منه أن لا يحاول إرسال أية مخطوطات أخرى. أما الكاتب الأمريكي براين مور فقد رفضت روايته الأولى ”جوديث هيرن” من قبل إثني عشر ناشراً في الولايات المتحدة قبل أن تنشرها أحد دور النشر البريطانية لتصبح واحدة من أهم الأعمال في الرواية الأمريكية الحديثة و أحد أكثر الكتب مبيعاً. و يذكر روبرت سوير أحد أشهر الكتاب الكنديين المعاصرين أنه يحتفظ في ملفاته بمئة و إثنين و أربعين رسالة رفض من قبل الناشرين. و يذكر سوير أنه يعيد إرسال نفس المخطوطة في نفس اليوم إلى ناشر أو مجلة أخرى. و لقد رفضت أحد قصصه ثمانية عشر مرة، و بعد أن نشرت في المحاولة التاسعة عشر من قبل أحد المجلات أختيرت هذه القصة من قبل أحد الموسوعات الأدبية لتنشر كنموذج يمثل كتابة القصة المعاصرة.‏ تشكل موسوعةالرفض الأجوف” لمؤلفها أندريه برنارد و الصادرة عام 1990 أحد الأعمال النقدية النادرة التي ترصد ظاهرة الرفض و أثرها على حياة الكاتب و إنتاجه. في هذه الموسوعة الأدبية الشاملة يحاول روبرت برنارد تقديم صورة للمعاناة و الألم الذي يسببه الناشرون للكتاب و هي معاناة بقيت دائماً خفية و مكبوتة من قبل أغلب الكتاب و بعيدة عن إدراك القارئ و الناقد رغم أنها تشكل عاملاً هاماً في عملية الإنتاج الأدبي. إن الموضوع الأساسي الذي تتصدى له هذه الموسوعة هو عجز الناشرين و المحررين في الدوريات الأدبية عن تمييز الإبداع الحقيقي. و يورد الكاتب في موسوعة ”الرفض الأجوف” قصصاً عديدة عن اعمال أدبية رفضت بعناد من قبل ناشرين و محررين و لكنها بمجرد أن نشرت حققت نجاحاً كبيراً و أصبحت من كلاسيكيات الأدب . و يصور برنارد في موسوعته الشيقة ذلك الإحراج الكبير الذي يقع فيه ناشرون رفضوا أعمالاً لكتاب أصبحوا فيما بعد أسماء كبيرة في عالم الإبداع الأدبي.‏ لقد كتب تيودور سوس عمله الأول للأطفال ”شارع مولبري” في ثلاثينيات القرن الماضي. لقد رفض هذا العمل من قبل سبعة و عشرين ناشراً لكنه بعد أن نشر في المحاولة الثامنة و العشرين من قبل أحد الناشرين حقق هذه العمل نجاحاً إستثنائياً و بلغت مبيعاته خلال خمسين سنة أربعمئة مليون نسخة! و لعل من أكثر أمثلة الرفض إثارة هو ما حدث مع الأديب الفرنسي مارسيل بروست عندما أرسل القسم الأول من عمله ”ذاكرة الزمن المفقود” إلى دار الرواية الفرنسية للنشر التي كان الأديب أندريه جيد يرأس تحريرها. لقد إتخذ أندريه جيد قراراً برفض مخطوطة مارسيل بروست و علل قراره بأن هذا العمل ”رديء و مفكك”. و لقد وصف أندريه جيد قراره هذا فيما بعد بأنه ”أكثر القرارات التي ندمت عليها في حياتي”.‏ في محاولة طريفة لرفع معنويات الكتاب الذين ترفض أعمالهم من قبل الناشرين نشرت الكاتبة الأمريكية يورسيلا لاغين مؤخراً رسالة من أحد الناشرين الذين رفضوا مخطوطة روايتها ”اليد اليسرى للظلام”، و تنطوي محاولة لاغين هذه على سخرية لاذعة من الناشرين و عجزهم عن تمييز الأعمال الجيدة. يقول الناشر في رسالته معللاً رفضه للمخطوطة: ”إن الرواية مثقلة بالتفاصيل بشكل غير مبرر فنياً. و بسبب تلك التفاصيل العشوائية يبدو الحدث في الرواية غير واضح و لا يمتلك مصداقية بحيث تصبح عملية إدراكه جمالياً محاولة ميؤوس منها.. و هكذا فإن هذه الرواية غير قابلة للقراءة. و العمل بشكل عام جاف و يفتقد إلى الدلالة و الأصالة بحيث تبدو كل المحاولات لخلق التشويق الدرامي فيه عبثية بسبب التوظيف الغير موفق لمواد و مواضيع غير أصيلة. لذلك نعيد إليك مخطوطة رواية ”اليد اليسرى للظلام”. بعد أن وافق ناشر آخر على نشر رواية لاغين ”اليد اليسرى للظلام: صنفت هذه الرواية كأحد العلامات الفارقة في أدب الخيال العلمي في القرن العشرين و يعتبر الكثير من النقاد يورسيلا لاغين حالياً كأحد الكتاب الأمريكيين الكلاسيكيين. و لقد حافظت ”اليد اليسرى للظلام” على نجاحها منذ عام 1968 حيث صدرت في العديد من الطبعات و كان آخرها عام 2000.‏ و تماشياً مع ظاهرة الإنتشار الكبير لظاهرة المجلات و الدوريات المتخصصة في الولايات المتحدة و أوربا بحيث أصبح لكل شيء مجلة خاصة، تصدر حالياً في كاليفورنيا في الولايات المتحدة مجلة أدبية متخصصة بنشر المخطوطات المرفوضة. إسم هذه المجلة ”المرفوض” و هي تعرف مهمتها ”بنشر أدباً ذو نوعية رفيعة لا يمكن قراءته في مجلات أخرى لأن المجلات الأخرى قد رفضت نشره”. و من شروط النشر في هذه المجلة أن يرسل الكاتب مع مخطوطته خمس رسائل رفض لنفس المخطوطة المرفقة من قبل مجلات أو ناشرين آخرين. و يرد في تقديم هيئة التحرير للمجلة ”أن كل ما تريده المجلات الأخرى هو مرفوض من قبل مجلتنا”. و تحافظ هذه المجلة على إلتزام صارم بشروط النشر و هي تستحوذ إهتماماً كبيراً من قبل المهتمين بالحياة الأدبية المعاصرة.‏

روبرت فولفورد ترجمة د. علي محمد سليمان

 ناقد و كاتب كندي. نشرت هذه المقالة في الملحق الثقافي لصحيفة ناشيونال بوست الكندية.‏

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.