غياب الأمن الذوقي

اكتشفت للنقاد طريقة عملية ومنهجاً قويماً، فإذا عملوا بهما فليس لهم بعد ذلك من ضلال . المسألة بسيطة: عليهم أن يتعلموا الكثير من خبراء التغذية والقائمين على الفحوص الشاملة ومراكز التربية البدنية . مهمتهم هي أن يطبقوا قواعد الصحة ومواصفات السلامة على الأعمال الأدبية والفنية، كما لو كانت كائنات حية .
ما يحيرني في نقاد العقود الأخيرة، هو إصرارهم على أن يكونوا فلاسفة إلى حد الجهاد في سبيل التعقيد . من ذلك أنهم أصبحوا يؤلفون كتباً في النقد النظري، الذي لا تربطه أيّ صلة بالنصوص والأعمال المعروضة في سوق الأدب والفن . كأن يسهب الشخص في الحديث عن الأكوان الموازية، وأمامه كوم من حصى .
قدماؤنا كانوا عقلانيين . وقد احتفظ العقاد بتلك المقاييس اللاذعة . جاءه شاب بنص يراه شعراً، وأراد رأي الأستاذ، فقال له: هذا يذكرني بالكاتب الفلاني، قال: ولكن الكاتب الذي ذكرته ليس شاعراً، قال: هذا أيضاً ليس بشعر .
المنهج الذي أقترحه، هو العودة إلى البساطة في النقد، أي إلى النظرة التدرجية المنطقية التي لا تدخلنا متاهات لا مبرر لها: من يسمح لشخص بإقامة مبنى من خمسين طابقاً وهو لا يعرف أصول البناء أصلاً؟ فكيف نقفز إلى تحليل نص لم تستقم لغته ولا أسلوبه ولا تراكيبه؟ من الذي قال إن الإبداع لا يخضع لقواعد السلامة اللغوية؟ هل ثمة موسيقا خارج البنية القويمة للمقامات، وسلامة الإيقاعات، وسلامة التوافقات والتناغمات، ورهافة حس التوزيع، وصحة الأداء عزفاً وحنجرة من دون نشاز؟
فقدان النقاد دور رجال الأمن الذوقي هو من أبرز دواعي تردّي الآداب والفنون في العالم العربي . في نظري يجب أن تخضع الأعمال لفحوص شاملة بحثاً عن مواطن الخلل . وهذا هو ما يجب أن تواجهه النصوص المكتوبة . أعطي مثالاً بعيداً، ولكنه بليغ: كبريات الصحف الفرنسية لا تقبل نشر أي إعلان فيه أخطاء لغوية . تقول: “أنت تشتري المساحة، لا اللغة الفرنسية، أصلح أنت الأغلاط أو نصلحها أو خذ إعلانك” . فما بالك بالكتب التي تصبح مفخرة البيت والمكتبات .
على النقاد أن يخضعوا الأعمال للفحص السريري الشامل، حتى لا يعيدوا النقد إلى طب السحرة الذي يعالج الأمراض بالشعوذات، لعجزه عن إدراك آثار الفيروسات . سوى أن هؤلاء النقاد يستخدمون شعوذات ذات تقانة حديثة فائقة، يتقمصها الناشئون في الأدب والفن ويتحولون بها إلى دناصير في عصر اندثرت فيه الدناصير .
لزوم ما يلزم: لكي تنهض الآداب والفنون في هذه الأمة، نحتاج إلى نقاد يُخضعون الإبداع للمقاييس العلمية .

إضافة تعليق