المواجهة والمكاشفة

تضمنت إحدى خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم، جوهر الرسالة السماوية التي أنيط به أمانة إبلاغها للعشيرة والأقربين في إطار من الإنذار الذي أهل محمداً صلى الله عليه وسلم للتبليغ به بالصيغة التي يراها مجدية مثمرة، وقد تميزت تلك الخطبة التي نحن بصدد التوقف أمامها وسرد مضمونها وتحليله بالمحتوى الزاخر، والإيجاز البليغ المبهر، وقد انطلقت تلك الخطبة من فمه الشريف حاملة أربعة عناصر، يتلو الواحد منها الآخر مفصحة عن عظمة ومكانة الإسلام .
وأورد محمد خليل الخطيب في كتابه “خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم” تلك الخطبة فقال: “جمع قومه وحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: “إن الرائد (المرسل لاختيار مكان النزول) لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن مما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً . وإنها لجنة أبداً . أو لنار أبداً، فتكلم القوم كلاماً ليناً غير عمه أبي لهب فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن أسلمتوه إذا ذللتم، وإن منعتوه قتلتم . فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا ثم انصرف الجميع” .
إبلاغ صريح بالرسالة
وأوضح الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه “البيان المحمدي” أن هذه الخطبة تعد خطبة المواجهة الصريحة، والمكاشفة الواضحة والدعوة الفاصلة وكان العنصر الأول في هذه الخطبة هو ذلك المدخل المتسم بالنقاء الذي يحمل سمات الحب والتحبب إلى قومه، واجتذاب مزيد من ثقتهم بما يقول، وما أنفس ما يقول . “والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم” .
ثم كان العنصر الثاني وهو التالي من حيث المنطق والعفوية متمثلاً في الإبلاغ الصريح بالرسالة “والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة” .
ثم أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم العنصر الثالث بما يشبه الصدمة المنبهة من الغفلة، المفيقة من الضلال بحديث الموت المحتم، والبعث ثم الحساب، والثواب والعقاب .
ثم كان العنصر الرابع وهو الحاسم القاطع بأن المصير هو الخلود في الجنة للمستجيبين، والخلود في النار للمنكرين .
بعد هذه الخطبة بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم طريق الكفاح في سبيل الدعوة، مواجهاً من الإنكار والاضطهاد ما تعجز عن تحمله كواهل ذوي العزم من الرجال، فلم يستسلم ولم تفتر له عزيمة، ولم تلن له قناة حتى كان نصر الله .
إعجاز المعاني
وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم ما لقيه من الجهد والتعب في سبيل الدعوة إلى الله في إحدى خطبه فعن طلحة بن عمر قال: “كان الرجل إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن له عريف بالمدينة ينزل عليه نزل بأصحاب الصفة وكان لي بها قرناء، فكان يجري علينا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يومين اثنين مدان من تمر فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الصلوات إذ نادى مناد من أصحابه: يا رسول الله أحرق التمر بطوننا . وتخرقت عنا الخنف (ثياب من الكتان الرديء) . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ما لقي من قومه من الشدة فقال: (مكثت أنا وصاحبي بضعة عشر يوماً ما لنا طعام إلا البرير (ثمر الأراك) حتى قدمنا على إخواننا من الأنصار فواسونا في طعامهم، وعظم طعامهم التمر واللبن والذي لا إله إلا هو لو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكموه وإنه لعله أن تدركوا زماناً أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة، يغدي عليكم، ويراح بالجفان) (رواه الطبراني والبزار) .
توجيهات نبوية
ويقول أبو الحسن الماوردي في كتابه “أدب الدنيا والدين” إن خطب النبي صلى الله عليه وسلم التي تحث المسلمين على الإخلاص لهذا الدين الجديد والصبر لم تتوقف عند هذا الحد، حيث خطب صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه وأنهاكم عما نهاكم عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل الحق لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغي به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج به الهم، وينجي به من الغم، وتدركون النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله عز وجل على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: “لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم” انظروا الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وأعزكم به بعد ذلة، فاستمسكوا به يرضى به ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمراً تستوجبوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا، وإليه المصير، يغفر الله لي وللمسلمين” .

إضافة تعليق