عطر التدين

نحتفل برمضان بتذكر بعض النصوص التي تعبق بعطر التدين، وهي نوعان؛ أحدهما يطلق عليه منظر الموشحات الشاعر المصري المبدع ابن سناء الملك (550هـ ـ 608هـ) المكفرات، كما يسميها في كتابه “دار الطراز في عمل الموشحات” وهي أشعار زهدية يصفها قائلا: “والرسم في المكفر خاصة ألا يعمل إلا على وزن موشح معروف وقوافي أقفاله، ويختم بخرجة ذلك الموشح ليدل على أنه مكفره، ومستقيل ربه عن شاعره ومستغفره” ولم تحتفظ لنا كتب الأدب بكثير من نصوص هذه المكفرات، والنوع الثاني الشهير هو الموشحات الصوفية لأقطاب الشعراء والكتاب الأندلسيين والمغاربة، وعلى رأسهم محي الدين بن عربي وأبو الحسن الششتري، ولا زال أتباع الطرق الصوفية في شمال أفريقيا ومصر يتداولون أشعارهما المنغمة بالألحان المتوارثة حتى الآن.

أما المكفرات فنورد منها نصا لابن سناء الملك ذاته لم يثبت للأسف الموشحة الأصلية التي أراد التكفير عن ذنبه في وضعها، مع أن خرجتها بالغة الطرافة إذ تقول: “جاع المسكين وقال يا ستي مَمَّا” ويخاطب فيها قلبه قائلا:
“طاير قلبي وقعت في الأشراك/ أشراك هذي الدنيا وما أدراك
إياك واحذر غرورها إياك/ أف لدنيا عن وصلها أنهاك
كم جاهل خولته بالبخت نعمى
وعاقل قد رمته بالنقت ظلما”
وتخفيف الهمزة في “طاير” لا يخرج الكلمة من الفصحى، والموشحة كما نرى زهدية تحذر القلب من غرور الدنيا وفخاخها المنصوبة، وهذه الشكوى من افتقاد العدل هي التي تبرر الزهد عادة وتدفع البعض إلى الترفع عن طلب متاع الدنيا، وهي نغمة مكررة في أشعار الزهاد. ثم يقول ابن سيناء الملك في المقطع التالي:
“نفس بها قد وقعت في بلوى/ تهوى الهوى، والهوى هو المهوى
وإن تبدى الكحيل والأحوى/ فثم حوم للنفس، بل مثوى
أخطات والله ثم أخطأت مرمى
يا نفس يا ليت، ليت ولا كنت ثما”
ومع أنه يعدل عن مخاطبة القلب إلى مخاطبة النفس، فإنه لا يزال يدور في الفلك ذاته من التقريع واللوم لنفسه واتهامها باتباع الهوى. وهنا نلاحظ في الصياغة أمرين متلازمين:
أحدهما محاولة توظيف الصيغ الصرفية بأشكال مختلفة توهم بالتكرار مع أن بعضها يختلف في دلالته عن الصيغ الأخرى مما يعد البديع من قبيل الجناس والحلى اللفظية، والأمر الآخر هو الارتكاز على حصيلة مسكوت عنها من الأشعار التي تحفل بأوصاف الأحبة الحسية مثل الكحيل العينين والأحول الشفتين، ومراد هذا التكلف في تقديري أن ابن سناء الملك يعمد إلى وضع هذه الموشحة خصيصا كي يقدمها مثالا للمكفرات من نظمه دون أن يروي بعض المكفرات الأخرى لغيره من الشعراء، ومن طبيعة النصوص التي توضع للتمثيل أن تفقد وهج الشعر التلقائي ويتضح فيها أثر الصنعة.

إضافة تعليق

3 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.