الصوم وتقاليد رمضان

الصوم ركن أساس من أركان الإسلام، كذلك فرضته جميع الأديان السماوية على أتباعها، ومن سننه أن يمارس الإنسان التقشف ويبتعد عن الجشع والنهم والحقد والضغينة، وينقّي نفسه من أدران الغرائز والرغبات، ويتذكر شريعة الله وفرائضه، كما يتذكر واجبات الفرد تجاه المجتمع وتجاه بني الإنسان عامة، وقبل ذلك وبعده، أن يعود إلى المناخ الروحي مترافقاً مع الصوم .

للصوم مهمة كبيرة جداً تضاف إلى عبادة الله تعالى المباشرة، وتطاول سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين، وتدعوه للتضامن معهم وللتسامح والمحبة والعفو والرحمة والتراحم، سواء كان هؤلاء الآخرون من أقربائه أم من شعبه أم من دينه أم من طائفته أم من الشعوب الأخرى والإثنيات الأخرى والقوميات الأخرى والأديان الأخرى، ومن مآثر الصوم أنه وسيلة لتذكير المؤمن بعالميته وإنسانيته وإبعاده عن الفحشاء والمنكر والبغي وإيذاء الآخرين والحسد والغل والعدوان.

إلا أن بعض المجتهدين تناولوا الصوم من زوايا أخرى مختلفة جدياً عن مهماته الأصلية وفضائله الجوهرية، وتمس أسباب فرضه، وأغرقونا بأمور ثانوية، مما كاد أن ينسينا أهدافه الأساسية ومآثره العظيمة ودوره الكبير في ترسيخ القيم المثلى وتأكيد إنسانية الإنسان، فقد أخذوا يهتمون بالدرجة الأولى بتفصيلات تتعلق بأمور جزئية، ومع أنها ذات علاقة بالصوم ومجرياته اليومية ومقتضيات تطبيقه.

إلا أنها ليست جوهره، فقد أمضوا عمرهم في البحث عن مفسدات الصوم وشرح سننه (التي اخترعوا قسماً كبيراً منها) والعمل على تقريب نفوس المؤمنين منه مع أنه فرض لا خيار للمؤمن في قبوله أو رفضه، وبالتالي لا يحتاج لمن يحببه به، ولا خيار له بتجاهل هذه الفريضة إن أحبها أم لا.

واهتموا بالجواب على تساؤلات حول قضايا لا تلامس جوهر فريضة الصوم وعلى حساب الاهتمام بهذا الجوهر، كالتساؤل حول إذا كان لمس يد المرأة يفسد الصوم أم لا، وحول الحكم الذي يقع على من عمل كذا أو كذا بدون قصد، وغيرها من القضايا التي ألفوا حولها مجلدات ومجلدات، واختلفوا واتفقوا وكادوا ينسون، أمام هذه التفصيلات، مهمة الصوم الأساسية.

إن محبة الآخرين والتضامن معهم ومساعدتهم وكف الأذى عنهم وإشعارهم بالأخوة الإسلامية والإنسانية، هي من أساسيات الصوم، ولكننا نلاحظ مع الأسف أن قسماً كبيراً من الصائمين حولوا الصوم إلى طقوس وإجراءات بدون روح أو روحانية، فقد اهتموا بزيادة استهلاكهم من الطعام وأصبحوا يستهلكون كميات منه أكثر مما كانوا يستهلكون أيام الإفطار.

وينوعون موائدهم حتى لو اضطرهم الأمر إلى استدانة المال لتحقيق ذلك، مع أن الفقهاء يقولون أن من مهمة الصوم إشعار المؤمن بمصاعب الفقير المحروم، ومع ذلك لم يتقيد بهذا القول أحد، فهاهم يركضون وراء أطايب الأكل والشراب، وتؤكد جميع الإحصائيات أن استهلاك البلاد الإسلامية الغذائي يزداد زيادة كبيرة خلال شهر الصوم عن وتيرته العادية.

هذا إضافة إلى فقدان الصائمين الصبر، وعندما تذكرهم أن الصيام أخلاق وتسامح يلقون اللوم على متاعب الصوم زاعمين أنها هي التي أدت إلى مثل هذه العصبية والنرفزة، وهذا دليل على عدم تماهيهم مع أخلاق الصوم ومع أهدافه وتقاليده الجوهرية .

يلاحظ أن الجشع لا يتوقف في شهر الصوم، بل ربما تزداد وتيرته، فالاحتكار وزيادة الأسعار وما يشبهها صارت تقليداً لدى البعض، وكذلك فقدان الصبر، وزيادة الاستهلاك، وسرعة القيادة، والخضوع أكثر للغرائز البشرية والزعم أنها من نتائج مصاعب الصيام، مع أنه من المفروض أن يكون الصائم ودوداً ومتسامحاً وصبوراً ومضحياً وقليل الطمع وساعياً للخير، وذلك من طبيعة الأمور ومن أهداف الصوم الذي فرضه الإسلام ركناً أساسياً من أركانه.

من تقاليد الصوم أن يجتمع الأهل والأقرباء في شهر رمضان على موائد الإفطار بدعوات متتالية، وأن يتراحم المؤمنون ويتواصلوا ويتعاطفوا، والذي نلاحظه في عصرنا هو أن هذه الاجتماعات تتم حول موائد أسطورية تنهك موازنة المؤمن، وقد تتحول لدى البعض إلى مظاهر وإجراءات شكلية ومباريات يراد منها الفخر والسمعة والصيت. ولم يعد لها هدف في الواقع إلا الشهرة، حيث لا تواصل فيها ولا تعاطف، رغم أن أصحابها يعتقدون أنهم يؤدون واجباً رمضانياً.

وهكذا ومع أنه من المؤكد أن من التقاليد الأساسية لشهر الصوم اجتماع الأهل والأقرباء والأصدقاء والتواصل فيما بينهم واطلاع بعضهم على شؤون البعض الآخر، وهذا ما كان عليه المسلمون طوال قرون عديدة، إلا أننا نلاحظ منذ تفجر وسائل الاتصال، بل ومنذ اختراع التلفزيون، أنه رغم اجتماع هؤلاء في صالة واحدة، فلا يتم أي تواصل بينهم.

لأن التواصل يكون بين كل واحد منهم وجهاز التلفزيون لا بينه وبين جاره، وعلى أية حال هيمنت تقاليد الحياة الاستهلاكية بشكل عام على الناس في شهر الصوم كما هو شأنها قبله وبعده، فكأنها أقوى من تعاليم الصوم وحرمته وأهدافه، وبدلاً من أن يتجنبها الصائم غير تقاليده، تماماً كما تغير حديث الجدات ودفئه وعذوبته.

لقد ابتعد المسلمون عن مناخ الصوم الأصلي، وأخذوا يعيشون مناخاً جديداً (معاصراً) لاعلاقة له في الواقع بتقاليد رمضان التاريخية، ولا حتى بأهدافه الأصلية، فأصبح الصوم في عصرنا بعيداً عن بساطة الإسلام وتعاليمه وعباداته وأركانه ورحمته ودعوته للمحبة والتضامن والتسامح.

 مؤسسة دبي للإعلام

 

إضافة تعليق

8 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.