الإسلام وضع أسس الديمقراطية الحقيقية

الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، يتميز بالآراء الشجاعة خاصة في القضايا التي تهم العالم الإسلامي، لذلك اختير من الشخصيات الأكثر تأثيراً في العالم، حيث احتل المرتبة الثانية عشرة من بين 500 شخصية حسب دراسة أجراها مركز “التفاهم الإسلامي المسيحي” في جامعة جورج تاون الأمريكية و”المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية” في الأردن، وذلك نظرا لجهوده العلمية والمجتمعية المؤثرة والدور الذي يقوم به في خدمة الإسلام والمسلمين .

وللدكتور جمعة العديد من المؤلفات التي أثرت المكتبة الإسلامية وتجاوز عددها الأربعين كتاباً وما يزيد على المئات من الأبحاث والمقالات، فضلا عن آلاف الفتاوى المعاصرة التي انتشرت في وسائل الإعلام العربية وأثار بعضها ردود فعل واسعة على المستويين الديني والاجتماعي .

 التقينا مفتي مصر وناقشناه في قضايا عديدة من خلال الحوار التالي:

 مع انتشار الفضائيات وفوضى الفتاوى في وسائل الإعلام المختلفة كيف نستطيع أن نميز بين ما إذا كانت الفتوى صائبة أم لا ومن المسؤول عنها؟

- المسؤول عن فوضى الفتاوى هؤلاء الذين أحدثوا فوضى في الخطاب الديني وليست في الفتاوى الحقيقية فأنت تشاهد برنامجاً يتحدث عن الدين وإذا بك أمام متشدد وتحول المحطة لتجد متسيباً وتحولها لتجد وسطاً وتحولها لتجد من يحصر الدين في الروحانيات وتحولها لتجد من يحصر الدين في السياسة وهكذا، فالناس تحيرت وتبلبلت من اختلاف الأداء في الخطاب الديني فسمينا هذه الحالة في أدبياتنا “فوضى الفتاوى” رغم أنها ليست فوضى للفتاوى بالذات، ففوضى الفتاوى تحدث عندما نسمي الإجابة عن أي سؤال بأنها فتوى، مثلاً عندما يسألني أحد عمن كان مع الرسول  صلى الله عليه وسلم  في الغار فهذه ليست فتوى، وقس الأمر على ذلك والناس تسميها فتوى ونحن وراءهم نسميها كذلك، ومن هنا نؤكد أن الفتوى أمر يتعلق بالعمل، والتفريق بين المسائل والقضايا وبين الرأي والفتوى وإجابة السؤال أمر مهم جدّاً .

 هل يعتبر كل داعية أو واعظ مفتياً؟

- بالطبع لا، يخلط الناس كثيراً بين المفتي والداعية فنجدهم يذهبون إلى المساجد يريدون الحكم في مسألة ما من إمام المسجد وهذا خطأ لأن الداعية يبين حكم الله تعالى من غير بحث عن الواقعة وما يكتنفها من أحداث فهو ينقل أحكام الله تعالى للناس بينما يدرس المفتي الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة، بل قد يخلط البعض بين المفتي والقاضي، رغم الفارق بينهما، فالقاضي يتدخل لتغيير الواقع ويلزم أطراف النزاع بما عليه حكم الله تعالى . . وهناك فارق بين كل هذه الوظائف يجب أن يعيه الجمهور، وهو أن الفتوى غير ملزمة وحكم القاضي ملزم، ولذلك فلا سلطان للمفتي على الناس لكن السلطان للقاضي فحكمه ملزم، غير أنه إذا كان القضاء يزيد على الفتوى في الإلزام فإن الفتوى أعم من القضاء من جهة الموضوعات التي تتناولها، حيث إن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى وليس العكس .

استنباط الحكم

من هنا فإن هناك مجموعة من الشروط لا بد أن تتوافر في المفتي، أولها: أن يكون مسلما، فلا تصح فتيا غير المسلمين، وثانيها: العقل، فلا تصح فتيا المجنون، وثالثها: البلوغ، وهو أن يبلغ من يفتي الحُلم من الرجال والمحيض من النساء أو يبلغ 15 عاماً أيهما أقرب؛ لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة، ورابعها: العلم، فالإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس وهو من الكبائر، يضاف إلى ما سبق شرط التخصص، وهو شرط نضيفه في هذا العصر نظراً لطبيعته، ونعني به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة وله دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعاش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، وهناك شرط العدالة، والعدل هو من ليس بفاسق، أضف إليها شرط الاجتهاد وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة، وهناك شرط جودة القريحة: ومعناه أن يكون كثير الإصابة صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور، والشرط الأخير هو الفطانة والتيقظ فيشترط في المفتي أن يكون فطناً متيقظاً ومنتبهاً بعيداً عن الغفلة، هذه جملة من الشروط التي ينبغي أن توجد في المفتي، فمن تتوافر فيه استحق أن يُنصّب في منصب الإفتاء .

 كيف تنظرون إلى وسائل الإعلام المختلفة واهتمامها بالفتاوى وخلافات العلماء؟

- للأسف هناك وسائل إعلامية تسير في طريق الإثارة لا الإنارة، وهذا النوع من الإعلام نرفضه تماماً، وأقول لهم إن واجبهم الحضاري والديني هو التعمير لا التدمير، وحث الناس على صحيح الدين والبعد عن التشدد والمغالاة في الدين، وأن يقدموا الإنارة على الإثارة، وعليهم أن يشدوا الناس إليهم بعيداً عن الكذب والتضليل والتشدد وترديد الشائعات قبل التحقق منها، وهذا هو ما يحتاج إلى جهد، أما الإبداع في أن يقول كل واحد ما يخطر بباله من غير مهنية وإتقان وتدريب وإنارة فهذا لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين، فالإثارة قبل الإنارة يشكو منها الناس الآن، التي تتمثل في الإثارة ضد كل شيء، وعلى الجميع أن يلتزم الصدق لأن هذا ما أمرنا به الإسلام وحضنا عليه، لأن الكذب هو نوع من الإفساد في الأرض، ومن قبل طالبت بميثاق شرف إعلامي تبتعد فيه النخبة والمثقفون والمهتمون بالشأن العام عن تبادل الاتهامات من دون سند أو دليل وإفساح المجال لأبناء الوطن للبناء والتنمية، فخبراء الإعلام يقولون إن الإثارة جزء من الإعلام الغربي، ونحن للأسف رغم اختلافنا عنهم قيمياً نستورد هذه الإثارة غير الهادفة، باختصار الإعلام مسؤولية وطنية ومنبر للحرية ولتكوين رأي عام قوي، لا ميدان صراع وتشتيت .

وأقول للإعلام: تقع عليك مهمة وطنية يجب أن تقوم بها، ألا وهي التقريب وليس التفريق، ونريد منك العمل بجاذبية وليس بكاذبية، ولا نزال نؤكد أننا نطالب بميثاق شرف إعلامي يبتعد فيه الإعلاميون والنخبة والسياسيون عن تبادل الاتهامات وترويج الشائعات وإثارة روح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد والبعد عن إثارة القلاقل والفتن والبحث عن القضايا الجادة التي تصب في مصلحة الوطن، والعمل في جبهة واحدة من أجل مصلحة الأمة .

تنوع التيارات

تنوعت التيارات الدينية حديثاً لدرجة أن الناس أصيبت بالحيرة أيها تتبع . . هل هذا التنوع في مصلحة الأمة الإسلامية؟

- تنوع التيارات الدينية أمر طبيعي، خاصة بعد الثورات التي حدثت في بعض الدول العربية، حيث أصبحنا نرى تعدداً وتنوعاً في التيارات الدينية وغير الدينية على الساحة حالياً في ظل حرية التعبير التي تشهدها المنطقة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة، وسنرى أيضاً اختلافاً بين هذه التيارات لاعتقاد كل طرف منها بأنه هو صاحب الحق، لكن نحن نتمنى أن يتم كل هذا في إطار التعبير السلمي عن الرأي مع مراعاة أدب الاختلاف مع الآخر والبعد عن التشدد والعنف وأيضاً البعد عن لغة التخوين والعمالة، وهذه التهم التي أصبحت تكال لكل المخالفين معك في الرأي، لذا يجب علينا جميعاً أن نتنبه لدعوات إغراق الوطن في القضايا الجزئية والهامشية، ولا بد من التركيز على قضايا البناء والتنمية، ولذلك ندعو الجميع إلى أن يستمع إلى المنهج الوسطي ورسالة الأزهر الشريف، ومن أجل البعد عن الانشقاق والفتن والخلاف لا بد من جلوس تلك التيارات للحوار وبحث وتدارس القضايا التي تنهض بالأمة، حتى نستطيع توحيد الكلمة وتحقيق مصلحة البلاد والعباد، والوصول إلى مشترك فكري ووطني يمكن في إطاره إنهاء الحوار من دون تكفير أو إقصاء حتى نتجاوز ما هو مختلف فيه .

 كيف يمكن نشر مبدأ الوسطية في المجتمعات الإسلامية؟

- يحدث ذلك عندما يستمع الجميع إلى المنهج الوسطي المعتدل الذي يتصف به الإسلام؛ فليس الغلو والتطرف والتشدد من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر، ولا من خواص أمة الإسلام بحال من الأحوال، ومنهج الدعوة إلى الله يقوم على الرفق واللين، ويرفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير والتوازن والاعتدال والتوسط والتيسير، ومن خطورة التشدد أنه تسبب في تدمير بنى شامخة في حضارات كبرى، وهو بكل أشكاله غريب عن الإسلام الذي يقوم على الاعتدال والتسامح، ولكي نبتعد عن الخلافات والانشقاق لا بد من جلوس كل التيارات والقوى للحوار وبحث وتدارس القضايا التي تنهض بالأمة؛ حتى نستطيع توحيد الكلمة وتحقيق مصلحة البلاد والعباد، والوصول إلى مشترك فكري يمكن في إطاره إدارة الحوار البناء الذي ينهض بالبلاد والعباد حتى نتجاوز ما هو مختلف فيه، وضمان وجود السلام الاجتماعي الذي في ظله ينعم الجميع بحياة آمنة .

 من وجهة نظركم: ما سبب تخلف الأمة الإسلامية؟ وما السبيل للنهوض بها؟

- تعتبر مشكلة التعليم أهم أسباب تخلف أي أمة؛ فقضية التعليم مهمة ومحورية لنهضة الأمة الإسلامية، فالأمية عائق للتواصل والفهم والقراءة والتعلم، وأمتنا الإسلامية قامت على مفاهيم النبي  صلى الله عليه وسلم  وعلمت الناس، والمسلمون ما دخلوا بلاداً إلا وبدأوا بالتعليم، حتى انتشر من الأندلس إلى الهند، وهم لم يقهروا الناس على ترك لغاتهم أو يفرضوا عليهم العربية، لكن فرضوا عليهم العلم، فتعلموا وأسرعوا في تعلم اللغة العربية .

المسميات لا الأسماء

كيف ترد على الغرب الذي يدعي أن الديمقراطية لا تتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية؟

- لا تعارض بين الديمقراطية كأداة وبين أحكام الإسلام، فالإسلام يتفق مع مبدأ اختيار الحاكم، وأكبر دليل على ذلك أن الإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه، فما بالنا بالحياة السياسية، كما أن الإسلام وليس الغرب هو أول من وضع أسس الديمقراطية الحقيقية، التي ينبغي أن يقوم عليها الحكم، فجعل الشورى أساس الحكم، ونزلت آيات كثيرة تدل على ذلك، ثم جعل ثاني مبدأ للحكم هو “العدل” الذي هو أساس الملك، ثم اشترط “الأمانة” في الحاكم “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها”، إذاً نحن السابقون في ممارسة الديمقراطية، ولا يلزم من الدعوة إلى الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلاً عن حكم الله، إذ لا تناقض بينهما، فعند المسلم تعتبر الدعوة إلى الديمقراطية شكلاً للحكم يجدها في مبادئ الإسلام السياسية عند اختيار الحاكم، بإقرار النصيحة والشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الظلم والجور، وبمعنى آخر، عندما يطالب المسلمون بالديمقراطية، فهم يطالبون بوسيلة تساعدهم على تحقيق أهداف تؤدي إلى حياة كريمة، يستطيعون من خلالها الدعوة إلى الله ولن يضرهم أبداً أن يستخدموا لفظا غربياً  كالديمقراطية  فإن مدار الحكم ليس على الأسماء، بل على المسميات والعناوين، لذلك نؤكد أن الديمقراطية  بمفهومها الغربي  تحتاج إلى تعديل إذا ما أردنا جعلها ديمقراطية إسلامية عربية، وهذا لتناسب ثقافات وعادات الشعوب التي ستطبق عليهم، وتحفظ لهم الأمن والاستقرار، فالديمقراطية التي يقرها الإسلام ويدعو إليها لا تجعل ثوابت الأمة من عقائد وأعراف خاضعة للإلغاء أو النقاش، فكما أن الغرب يضع  للحفاظ على العلمانية  خطاً أحمر للديمقراطية وحقوق السامية، كذلك يرى المسلمون أن للعقائد الإسلامية والثوابت الدينية والعرفية للمجتمع المسلم، خطوطاً حمراء وإطاراً للعمل الديمقراطي .

 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.