الخلود في جهنم جزاء القتلة

صان الإسلام حق الإنسان في الحياة، حين حرم قتل النفس الإنسانية وهدد الذين يعتدون على حياة الآخرين ظلماً وعدواناً: “ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً” (سورة النساء الآية 93) . ونهى عن الاعتداء على حق الحياة، وقتل النفس، إلا بالحق فقال الله جل شأنه: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” (سورة الإسراء الآية 33) .

يذكر محمد خليل الخطيب في كتابه “خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم” أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبة في عظم جريمة القتل فعن أبي سعيد قال: قتل قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر خطيباً فقال: “ألا تعلمون من قتل هذا القتيل بين أظهركم؟” ثلاث مرات، قالوا: اللهم لا . فقال: “والذي نفس محمد بيده لو أن أهل السموات وأهل الأرض اجتمعوا على قتل مؤمن أدخلهم الله جميعاً جهنم، ولا يبغضن أهل البيت أحدا إلا كبه الله في النار” . (رواه البزار) .

حرمة النفس

وعن ابن عباس قال: قتل قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم قاتله، فصعد المنبر فقال: (يا أيها الناس أيقتل قتيل وأنا بين أظهركم لا يعلم من قتله؟ لو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لعذبهم الله بلا عدد ولا حساب” (رواه الطبراني) .

 وعن عبد الله بن عمر قال: لما فتحت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفوا السلاح آل خزاعة . عن بني بكر”، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: “كفوا السلاح” فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام خطيباً فقال: ورأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: “إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية”، فقام رجل فقال: إن فلاناً ابني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش . وللعاهر الأثلب”، قالوا: وما الأثلب؟ قال: “الحجر”، وقال: “لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها” . وفي رواية عمرو بن شعيب: (ولا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) (رواه الطبراني ورجاله ثقات) .

 ويؤكد الدكتور أحمد عمر هاشم في كتابه “الأمن في الإسلام” أن هذه الخطبة النبوية تبين حرمة قتل الإنسان وصيانة الإسلام لحقوق هذا الإنسان وحفظ حرماته، وأن الله سبحانه وتعالى حذر من الاعتداء عليها فصان حرمة النفس وحرم سفك الدماء وصان حرمة المال فحرم الاعتداء عليه أو أكله بالباطل وصان حرمة العرض .

وقد تناولت السنة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بيان ذلك الحق الذي تقتل به النفس وفيما عداه يكون الاعتداء عليها جرماً شنيعاً وعدواناً صارخاً، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة” . (رواه البخاري ومسلم) .

اعتداء على الإنسانية

ويعتبر الإسلام أن الاعتداء على النفس الإنسانية الواحدة هو اعتداء على الإنسانية بأسرها يقول الله تعالى: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً” (سورة المائدة الآية 32) .

ويشير الشيخ عبد الرحمن يعقوب في كتابه “فقه أهل السنة” إلى أن خطب النبي شددت على عدم القتل، لأن هذا السلوك إذا تم عمداً يعد من أكبر الكبائر، فقد قال تعالى: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” . (سورة الإسراء الآية 33) .

والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تجمع على أن قتل الإنسان بغير حق جناية عظيمة، لذلك جعل الله لها عقوبة في الدنيا وهي القصاص ولعذاب الآخرة أكبر ما لم يتب القاتل توبة نصوحاً .  ويوضح السيد سابق في كتابه “فقه السنة” ما اشتملت عليه خطب النبي صلى الله عليه وسلم في القتل فيقول: “إن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وجعله خليفة عنه، وزوده بالقوى والمواهب ليسود الأرض، وليصل إلى أقصى ما قدر له من كمال مادي وارتقاء روحي” .

 ولا يمكن أن يحقق الإنسان أهدافه، ويبلغ غايته إلا إذا توافرت له جميع عناصر النمو، وأخذ حقوقه كاملة . وفي طليعة هذه الحقوق التي ضمنها الإسلام: حق الحياة، وحق التملك، وحق صيانة العرض، وحق الحرية، وحق المساواة، وحق التعليم وهذه الحقوق واجبة للإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن لونه أو دينه أو جنسه، أو وطنه، أو مركزه الاجتماعي . قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً” (سورة الإسراء الآية 70) .

 وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) .

 ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق” رواه ابن ماجة . وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبهم الله في النار” ذلك أن القتل هدم لبناء أراده الله، وسلب لحياة المجني عليه، واعتداء على عصبته الذين يعتزون بوجوده، وينتفعون به، ويحرمون بفقده العون، ويستوي في التحريم قتل المسلم والذمي وقاتل نفسه .

 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.