نحو تطوير دور الوقف

لم يجعل الإسلام الوقف مقصوراً على المعابد والمناسك كما كان عند المصريين القدماء وعند الرومان والإغريق وغيرهم، وإنما شمل كثيراً من أنواع الصدقات والتبرعات التي رصدت لأغراض دينية واجتماعية وعلمية واقتصادية، وتعدى الوقف إلى عالم الرفق بالحيوان .
من هنا كان اهتمام الفقهاء به عبر وضعهم الأحكام التي تضبط معاملاته بهدف المحافظة على أمواله وتنميتها واستمرارية تقديم منافعها إلى المستفيدين ووفقاً لمقاصد الواقف .

وقد دخل الوقف سابقاً في مناطق لم تدخلها الدولة، ولذلك سماه بعض الاقتصاديين بالقطاع الثالث، أو الأهلي، وأصبح في جميع بلاد العالم الآن قطاعاً أساسياً في دفع مسيرة تقدم المجتمعات، وفي إحداث التوازن في عملية التنمية .

يقوم فقه الوقف على أسس ثلاثة تعمل على تحقيق الحماية الشرعية لأموال الوقف ومؤسساته، وهي:

أ- احترام شرط الواقف وإرادته: ومن هنا جاء نص القاعدة الفقهية: “شَرْطُ الوَاقِفِ كَنَص الشارِعِ” . غير أن هذه القاعدة لا ينبغي لها أن تقف عائقاً أمام أبواب تطوير الواردات الوقفية عبر استثمار العين أو إبدالها بما هو خير منها بما لا يخل بالغرض الأساس الذي هدف إليه الواقف الذي قصد في عمله تحقيق المنفعة والخير والبر .

ب- الوقف شخص اعتباري: فالوقف يعتبر محلاً لتحمل الالتزامات وله أهلية وذمة مستقلة . وهذا محل اعتراف قانوني عام .

ج- مراعاة المصلحة في استثمار عين الوقف ومنافعه، والمرونة الحركية للتوظيف المالي له بما يحقق المردود المالي المناسب لتحقيق أغراضه في تحقيق البر والاستثمار معاً وتبعاً للزمان والمكان، وقولنا بمراعاة المصلحة إعمال منا لبعض المذاهب الفقهية خصوصاً المذهب المالكي .

وإذا كان الشرع الحنيف يحبذ نماء المال لما فيه من نفع للناس، وإصلاح معاشهم، فإن من أجَل ما ينفع الناس أموال الوقف التي إنما جعلت ليعم نفعها، ويعود خيرها وأجرها لمن وقفها في دنياه وآخرته .وذلك لأن الإنسان مهما خلف من مال، أو تصدق من صدقات، فإن هذا المال يتبدد سريعاً، والصدقات تنقطع فوراً، أما إذا حبس شيئاً مما يستمر نفعه فإن النفع يستمر ما دامت العين موجودة، والأجر متواصل ما دام النفع قائماً” .

ولقد تضافرت النصوص الفقهية في مسألة العناية بعمارة الأوقاف وتنميتها وأسس استبدالها، وأنها الواجب الأساس على القائم بأمر الإدارة الوقفية، وهذا يقودنا في الختام إلى التوصيات التالية:

- أن تشكل دوائر الأوقاف من مختلف دول العالم خلطة أي شركه في ما بينها لتحقيق مشاريع استراتيجية كالقمر الإسلامي العالمي الذي يمكن استعماله في الأغراض الدعوية ووسائل الاتصال الخلوية .

- جمع شتات الأوقاف المبعثرة مما يسمى بالحقوق الوقفية أو ملكية الوقفية المحدودة لأسهم في عقار مملوك وإبدالها بعقارات كاملة الملكية أو توظيف مالي سريع لها في مشروع استثماري ناجح .

- انتهاج ضبط الإنفاق واستخدام الأساليب الحديثة في العمل كالمكننة والطرق العلمية في متابعة الواردات وتنميتها بالطرق المباحة شرعاً

- تشجيع قيام جمعيات أو أفراد بشراء أصول وقفية خيرية عبر مساهمات بسيطة متكررة أو غير متكررة .

- تشجيع التجار على تشكيل مشروعات وقفية مشتركة في ما بينهم .

- إحياء اكتتاب وقفي عبر وقف النقود لتوظيفه في استثمار يحقق مردوداً مالياً وقفياً يوظف ناتجه لرفع شأن العاملين الدينيين والتعليم الديني .

- دعوة جميع الإخوة المتخصصين لرفد المؤسسة الوقفية بمقترحاتهم وتوظيف جهد تطوعي لخدمة المؤسسة الوقفية من خلال تخصصاتهم المتنوعة .

- ضرورة التفتح الذهني في معالجة الأمور الوقفية بما لا يتعارض مع ثوابت ديمومة الوقف .

* مفتش عام الأوقاف الإسلامية - لبنان

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.